التعايش بين الديانات في الأراضي المقدسة:

عن طريق الحوار...... من القدس إلى غزة

بوجود النزاع والقتل كوسيلة للحياة عند الكثيرين في الشرق الأوسط، يناقش الحاخام جدعون سيلفستر، حاخام "قبيلة إسرائيل" أن الحوار، بغض النظر عما إذا ألهمته الأحداث الحقيقية الفعلية أو الديانات ضروري وملحّ.

قُمْت قبل أسابيع قليلة بزيارة إلى الجامعات البريطانية. لدى وصولي إلى محطّة أوكسفورد، لم تكن لدي فكرة حول كيفية الوصول إلى الكنيس، لذا توجهت إلى أحد العابرين، وقام بدوره بشرح كيفية الوصول إلى هناك. لدى صعودي إلى الحافلة، أعرب السائق مبتهجاً عن استعداده لإعلامي عند وصولنا إلى المكان المستهدف. بعد حوالي عشرين دقيقة وصلنا إلى أمام متنزه كبير ونصحني السائق بمغادرة الحافلة. "كيف أصل إلى الكنيس؟" سألته.

"أنظر. أنه أمامك!" قال السائق، مشيراً إلى مسجد ضخم لم أر مثله من قبل. "ولكنني سألتك عن الكنيس وليس المسجد!"، قلت يائساً. هز السائق رأسه معتذراً وقال: "أنا آسف يا سيدي. لم أكن أدري أن هناك فرق بين الاثنين!"

فكّرت وأنا أسرع عائداً إلى الكنيس في سيارة تاكسي بحواري مع سائق الحافلة. كحاخام مستقلّ الرأي، أشعر بعاطفة متدفقة حيال ديانتي، وأكرّس وقتي لدراسة تعقيداتها الدينية. وكإسرائيلي، أتابع دائماً الحوار حول الشرق الأوسط والمطالب المتنافسة بين الإسرائيليين والفلسطينيينحول هذه الأرض. ولكننيحصلت في ذلك اليوم على درس في التواضع من هذا الرجل الإنجليزي العادي الذي لم يكن على علم بالفروقات بين اليهودية والإسلام، وغير آبه بتاتاً بالقضايا التي تستحوذ على أفكاري. أتخيل أن أناساً كهذا الرجل يعتبرون النزاعات العنفية بين الطوائف الدينية المختلفة أموراً غير مفهومة.

القدس مدينة السلام


الصورة د ب ا
"القدس مدينة تسودها المشاعر الدينية العميقة. أشعر بأنني إنسان مفضّل لأنني أقيم هناك، ولكنني أشعر بالحرج والغضب بسبب درجة التوتر السائدة هناك"

​​

القدس مدينة تسودها المشاعر الدينية العميقة. أشعر بأنني إنسان مفضّل لأنني أقيم هناك، ولكنني أشعر بالحرج والغضب بسبب درجة التوتر السائدة هناك. نعرف جميعاً الكثير عن معتقداتنا وممارساتنا ولكننا لا نعرف سوى النزر اليسير عن الذين يعيشون في المنزل المجاور. بطريقتنا الخاصة، نحن جاهلون، تماماً كما هو حال سائق الحافلة.

عندما نكون على جهل بالناس حولنا يبدو النزاع وكأنه لا مناص منه. تفسّر التوراة (سفر اللاويين) ذلك أنه عندما أرى جاري يفعل شيئاً خاطئاً يجب عليّ أن أوبّخه. يشرح معلّقونا لنا أنه من خلال هذا التوبيخ سوف ننجذب إلى الحوار ونفهم الوضع بصورة أفضل ونحلّ خلافاتنا. الحوار هو الأسلوب الأكيد للتسوية والمصالحة. الفشل في التواصل هو الخطوة الأولى لانعدام الثقة والعنف. تقع أول جريمة في التوراة عندما ينفجر التوتر بين أخوين. يتكلمان بشكل مختصر، ولكن الحوار ينتهي، وتُرتَكب أول جريمة في التاريخ.

نعاني نحن الذين نعيش في الشرق الأوسط بشدة وبشكل مخزٍ من النزاع والقتل. ولكن هؤلاء الذين يؤمنون بالحوار متفائلين حول فرص التغيير. "تخيل لو استطعنا جعل مليون يهودي يجتمعون بانتظام مع مليون عربي. ألن يكون لذلك وقع على الحياة في إسرائيل؟" حلّق قلبي عالياً عند هذه الرؤيا التي قدمها الدكتور يهودا ستولوف من "جمعية مواجهة حوار الأديان"، وهي منظمة مكرّسة لتشجيع السلام في المنطقة من خلال حوار الأديان والدراسات بينها. ولكن عندما أخبرني أن العملية قد تحتاج لخمس عشرة سنة تلاشت حماستي. إذا أخذنا بالاعتبار عمق القضية وإلحاحها، بدا الانتظار طويلاً. ثم ذكرني أنه رغم أن ذلك قد يبدو بعيداً، لو أننا بدأنا في عهد اتفاقيات أوسلو في تسعينات القرن الماضي لكنّا انتهينا اليوم.

ضرورة الحوار


الصورة د ب ا
"نعاني نحن الذين نعيش في الشرق الأوسط بشدة وبشكل مخزٍ من النزاع والقتل"

​​

الحوار ضروري وملح وفاعل، ولا يمكننا تبديد فرصنا. كرئيس حاخامات، يضعها اللورد جوناثان ساكس، الرئيس الروحي للتجمع العبري المتحد للكومنولث بصورة مختلفة: قد لا نتشارك جميعاً بنفس الفوائد، ولكننا نتشارك جميعاً بالكوكب نفسه، "ويجب علينا أن نتمكن من العيش معاً إذا أردنا أن نعيش." كان الدكتور عز الدين أبو العيش أول طبيب فلسطيني يكمل فترة الزمالة والتخصص في مستشفى إسرائيلي، وهو كذلك ناشط طوّر فلسفة التسامح من خلال مجابهات أثناء طفولته مع أسر إسرائيلية. في حرب غزة الأخيرة، اخترقت قذيفة شباك غرفة نومه فقتلت ثلاثة من بناته وابنة أخته.

رغم المأساة، يستمر أبو العيش في عمله من أجل التسامح بين الإسرائيليين والفلسطينيين. حملني كتابه "لن أكره" عبر حدود غزة، رمزياً، وأعطاني لمحة عن الحياة هناك. عرّفني على الأسر الفلسطينية وأدخلني منازلهم وكشف لي عن خوفهم ومعاناتهم وتطلعاتهم. قراءة كتابه هو شكل من أشكال الحوار. تركني مع أسئلة، ولكنه جدد كذلك عزيمتي على الاستمرار في الحوار، واتخاذ المزيد من الخطوات باتجاه معرفة جيراني وعمل ما أستطيع عمله لدعم التعايش السلمي.

 

الحاخام جدعون سلفستر
حقوق النشر: خدمة الأرضية المشتركة الإخبارية 2011

 

الحاخام جدعون سلفستر هو حاخام قبيلة إسرائيل ومدير بيت مدراش لدراسة اليهودية وحقوق الإنسان في بيت هيليل في الجامعة العبرية بالقدس

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : عن طريق الحوار...... من القدس إلى غزة

تكون حقيقية وليست خرافية

روميسة 13.02.2015 | 18:15 Uhr