غلاف أطلس العولمة
العولمة والعرب:

عالم عربي مصاب بعلل مزمنة

رسم مشهد عام للعالم في فضاء العولمة، بمشاكلها المعقدة وتحدياتها المستقبلية الهائلة، هذا هو هدف كتاب "أطلس العولمة"، الصادر تحت إشراف"لوموند ديبلوماتيك" الصحيفة الفرنسية الشهرية. مراجعة فرج بو العشة
غلاف أطلس العولمة
غلاف أطلس العولمة

​​رسم مشهد عام للعالم في فضاء العولمة، التي تطرح نفسها بقوة في القرن الجديد، بمشاكلها المعقدة وتحدياتها المستقبلية الهائلة، هذا هو هدف كتاب"أطلس العولمة"،الصادر تحت إشراف"لوموند ديبلوماتيك" الصحيفة الفرنسية الشهرية. مراجعة فرج بو العشة

تنطلق فكرة الكتاب من كون مفهوم الأطلس يتجسد في مجموعة الرسومات التوضيحية والخرائط الجغرافية التي تعين بالألوان المختلفة مراكز النفوذ الجيبوليتكية والاقتصادية والعسكرية للدول، وتبين خطوط النزاعات فيما بينها. ويتجسد الأطلس كذلك في الرسوم البيانية الدالة على الزيادة والنقصان، النمو والتخلف، القوة والضعف، الثراء والفقر، وغيرها من المعطيات،على كافة المستويات: الاقتصادية والسياسية والعسكرية والديموغرافية والصناعية والتكنولوجية والمعرفية.

وذلك من أجل رسم مشهد عام للعالم في فضاء العولمة، التي تطرح نفسها بقوة في القرن الجديد في الألفية الجديدة، بمشاكلها المعقدة وتحدياتها المستقبلية الهائلة، بالنسبة للعالم والتكتلات الدولية الكبرى من جهة، وبالنسبة لكل دولة على حدة في نطاقها الوطني من جهة أخرى،حيث تهتكت قدسية مفهوم السيادة الوطنية!

لماذا الأطلس بالعربية؟ يتساءل سمير العطية،كاتب المقدمة، ويجيب: "لأن العالم العربي باتت تواجهه تحديات معرفية هائلة تفرضها عليه المعطيات المغايرة للعالم الراهن تحت سقف الألفية الجديدة."

العولمة في كل مكان

لقد عمت العولمة كل شيء تقريبا. إذ تعولم رأس المال والشركات والأسواق الكبرى بمقتضى حرية التجارة. وكما تعولم العلم والمعلومات، الإعلام والاتصالات، الديموقراطية وحقوق الإنسان والحيوان، والدفاع عن البيئة.

تعولم الفقر والهجرة والإجرام والأمراض والأوبئة الفتاكة وتدمير البيئة. وكما تعولم الإرهاب، تعولمت الحرب عليه، فتعولمت مناهضتها من لدن منظمات المجتمع المدني الكوني غير الحكومية، التي بدورها تعولم نضالها من اجل عولمة إنسانية تعلن حربها على الجوع والفقر والجهل والأمراض الفتاكة.

سوق كونية

تمثل الشركات المتعددة الجنسية عماد اقتصاد العولمة، وهي تملك بالتالي نفوذا سياسية قوية في دولها الأصلية، ويمتدهذا النفوذ السياسي من خلال فروعها إلى الدول المقيمة فيها. وتوجد من بين الشركات المائة متعددة الجنسية الأكبر حجما،53 أوروبية الأصل و23 أمريكية الأصل.

يبلغ عدد الشركات المتعددة الجنسيات أكثر من 65 ألف شركة. لديها أكثر من 850 فرعا خارجي، ويعمل بها أكثر من 54 مليون مستخدم. بلغت صادرات الفروع الأجنبية للشركات المتعددة الجنسية نحو45 في المائة من مجمل حجم الصادرات العالمية(يقف حجم التجارة العربية عند 2,7% من إجمالى التجارة العالمية).

وتهيمن على ثلاثة أرباع المبادلات التجارية العالمية ثلاثة تكتلات اقتصادية كبرى هي الاتحاد الأوروبي، ومثلث اتفاقية النافتا المكون من امريكا وكندا والمكسيك، إضافة إلى دول آسيا الشرقية.

وقد انْبنت حركة الاستثمارات الخارجية المباشرة لخدمة مصالح الشركات الاحتكارية الكبرى، حيث يحظى قطاع الخدمات بحوالي 48 في المائة من الاستثمارات الخارجية المباشرة و4 في المائة فقط لقطاع استخراج المعادن، بما فيه استثمارت استخراج النفط. وتسيطر الدول المتقدمة على الاستثمارات الخارجة منها والقادمة إليها.

إذ تعود نسبة 62 في المائة للاتحاد الأوروبي و18 في المائة للولايات المتحدة الأمريكية،واليابان 5 في المائة. فيما يتضخم الدين الخارجي باطراد وعلى نحو مركب والذي يطال الدول النامية والفقيرة. فبين 1970 و2001تضاعف الدين العالمي 35 مرة.

وينتعش اقتصاد المافيا عبر عولمة الإجرام عابر الحدود من خلال شبكات تبييض الأموال وتهريب البضائع والمخدرات والبشر، من طالبي اللجوء السياسي والإنساني والاقتصادي، والمتاجرة بالأطفال وبالرقيق الأبيض.

عولمة الأصولية

ومن مظاهر العولمة في تحولاتها الحالية هيمنة الأصوليات الدينية في نواحي كثيرة من العالم، حتى أنها استولت على السلطة في بعض الدول مثل طالبان في أفغانستان أو حزب جاناتا الهندوسي في الهند واللكيود في إسرائيل، ويمين المحافظين والمسيحيين الجدد في أمريكا.

فتصبح الأديان، التي هي في جوهرها رسالة سلام، وسيلة للتعصب والتطرف، وطريقة للانغلاق على الذات الماضوية، ومنهجا لرفض قيم الحضارة الليبرالية المعاصرة. هذا فيما يوجد أكثر من 20 مليون من اللاجئين خارج أوطانهم، أغلبهم جاءوا من العالم العربي والإسلامي،من بينهم أعداد كبيرة من الأصوليين وجدوا في الغرب، الذي يرفضون قيم حداثته،الحرية المفقودة في بلدانهم.

العرب والعولمة

إن الثابت العامل في اقتصاد العرب تأثيرا في اقتصاد العالم هو لا شك النفط المسمي غربا "ذهب الشرق الأوسط الأسود". ومقابل رخاء فائض النفط يعاني العالم العربي شح الماء، حيث تكثر سيناريوهات حروب المياه المفترضة بين العرب وإسرائيل في المستقبل المنظور. وبسبب تركز ما يقارب ثلثي احتياط النفط العالمي في حوزة منطقة السعودية والعراق والكويت والإمارات وقطر وإيران، فإنها تصبح بالضرورة موضوعا للهيمنة في المخططات الاستراتيجية للقوى المهيمنة.

فإلي جانب كون النفط المصدر الرئيس للطاقة الصناعية العالمية، أصبح مصدرا لحروب عالمية. فبسبب النفط، في الأساس، اشتعلت عدة حروب، كانت اليد الغربية فيها حاضرة أو خفية.

العالم العربي عاجز عن اللحاق في ركب العولمة

والحال أن حال العالم العربي، في بداية العام الخامس من القرن الجديد في الألفية الجديدة، حال رجل العصر المريض.

مريض بطبائع الاستبداد السياسي، والتخلف الاقتصادي، والقمع الاجتماعي.والجمود الفكري. مشتعل بالعنف والإرهاب والحروب. في الخليج يُستخرج النفط مخلوطا ببداوة مستبدة وبطالة شبابية فائضة وتعصب وهابي. وفي المشرق يتحول العراق إلى مستنقع لأوهام المحافظين الجدد. وتحافظ دائرة العنف الإسرائيلي/الفلسطيني على دورانها الدموي. وتناور سوريا في لبنان.

والحال نفسه تقريبا في المغرب العربي(المغرب،الجزائر،موريتانيا،تونس،ليبيا) من ناحية الاستبداد السياسي،حتى في ظل بعض الانفراج الديموقراطي الموارب(المغرب،الجزائر). ومن ناحية الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الخانقة، التي تتفاقم في ظل فساد اقتصادي كبير، مع نمو سكاني"تفجري".

إذ ارتفع عدد سكان الدول المغاربية الخمس من 12مليون و300 ألف نسمة العام 1900إلى أكثر من 80 مليون العام 2002. أغلبهم من الشباب، المحمولين على تدني فرص التعليم والعمل والحلم بالمستقبل. الأمر الذي يدفع بألوف الشباب إلى الهجرة إلى أوروبا بطرق غير شرعية، غالبا، وخطرة على حياتهم.

والحاصل في الإجمال، عالم عربي مصاب بعلل مزمنة.تجعله يقع من العولمة موقع الكسيح الذي لا يحق له الركض في مضمار المتنافسين الأصحاء الأسوياء.

بقلم فرج بو العشة، كاتب وصحفي ليبي مقيم في ألمانيا
حقوق الطبع قنطرة 2005

ملفات خاصة من موقع قنطرة