ولاقى (تصريح بومبيو) لدي حكومة طرابلس وأمراء الحرب ترحيبا غامراً بحسبانه دعماً سياسيا دولياً حاسماً في مواجهتهم لقوات الجنرال حفتر. ولكن، بعد نحو أسبوع، أعلن البيت الأبيض، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحدث هاتفيا مع قائد "الجيش الوطني الليبي" المشير خليفة حفتر، حيث أقر الرئيس الأمريكي: "بدور المشير الجوهري في مكافحة الإرهاب وتأمين موارد ليبيا النفطية". وأكد على ضرورة إجراء: "انتقال ليبيا إلى نظام سياسي ديمقراطي مستقر".

ليبيا - سوق بترودولاري سخي للأسلحة

وأتى إفصاح البيت الأبيض عن هذه المكالمة، بعد يوم من رفض الولايات المتحدة وروسيا تأييد قرار لمجلس الأمن يدعو إلى وقف إطلاق النار في ليبيا في الوقت الحالي. وهنا نتوقف عند الاتفاق غير المتوقع بين أمريكيا وروسيا. إنه اتفاق استثنائي فرضتها تقاطع المصالح بينهما. ليبيا بالنسبة لروسيا مركز نفوذ جيوسياسي شديد الأهمية وسوق بترودولاري سخي لأسلحتها طوال أربعة عقود زمن حكم "الأخ القائد". 

وليبيا التي يراهن ترامب عليها من خلال الجنرال حفتر تقوم على محاربة الإرهاب وحماية آبار النفط وموانئه وضمان تدفقه إلى الأسواق العالمية. وموقف ترامب هذا في الرهان على الجنرال حفتر مبني على تقارير وكلات الأمن القومي، التي بينت للرئيس أن القوات المسلحة التي تحارب في صف السراج ومجلسه الرئاسي وحكومته، تغص بمليشيات إسلامجية بين المتطرفة والإرهابية (داخلها مخلفات قاعدة وداعش وقتلة السفير الأمريكي) وإليها مليشيات إجرامية تتاجر في المخدرات والنفط والبشر.

 

السراج وحفتر وإردوغان - صُوَر مُرَكَّبَة بعضها إلى جوار بعض.
"مبالغة لأغراض دعائية" فيما يتعلق بوجود متشددين في طرابلس مقر حكومة فائز السراج المعترف بها دولياً؟ ففي قوات الجنرال حفتر توجد أيضاً عناصر متشددة: أدى انضمام ما يقدر بمئات السلفيين لقوات حفتر إلى تضخم قوات حفتر كما أن أحد قادته مطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية بسبب ما يقال إنه إعدام بلا محاكمة لعشرات الأشخاص في مدينة بنغازي بشرق ليبيا. ويقول فولفارم لاخير الباحث في مؤسسة (إس.فيه.بي) البحثية إن هناك مبالغة فيما يتعلق بوجود المتشددين في طرابلس (حيث يحكم فائز السراج رئيس الحكومة المعترف بها دولياً)، وذلك لأغراض دعائية. وأضاف: "هذه العناصر تمثل أقلية صغيرة ضمن القوات التي تقاتل حفتر في الوقت الراهن لكن بمرور الوقت... ربما تتحقق النبوءة". ويتابع قائلا: "ومن ثم فإن أي شخص حريص على منع حشد المتشددين في ليبيا يجب أن يكون حريصا على وقف هذه الحرب الآن".

 

والحال، الآن، بعد قرابة أربعة شهور، حيث قوات الجنرال خليفة حفتر، المسيطرة (عسكرياً) على قرابة تسعين في المئة من البلاد، تحيط بقلب العاصمة، لا يزال وضع المعركة حامية الوطيس غير قابل الجزم لمن الحسم. الطرفان يرفضان وقف إطلاق النار.

الحشد الميليشاوي المتجمع في العاصمة وضواحيها أكثر تشددا في رفض وقف القتال على لسان واجهته السياسية المتمثلة في المجلس الرئاسي المعترف به دوليا لدواعي دبلوماسية، والذي يصرّ، عاكساً موقف الحشد الميليشاوي، على شرط عودة قوات الجنرال حفتر إلى مواقعها قبل 04 / 04 / 2019 أي قبل الهجوم على العاصمة.

علاوة على رفضهم، بحسب خطابهم السياسي الإعلامي الزاعق، لأن يكون للجنرال حفتر، بشخصه، أي دور في أي حوار أو تفاوض بشأن مستقبل البلاد السياسي، بحسبانه -عندهم- مجرم حرب، دون أن يكون لديهم القوة العسكرية اللازمة لدحر قواته الضاربة، لا سيما وقد تلقت قوتهم الصلبة المتمثلة في ميليشيات مدينة مصراتة خسائر فادحة حتى أن أهاليها خرجوا يتظاهرون منادين بعودة أبنائهم بعدما كثر قتلاهم. أي أنه من المحتمل جداً وقريبا قد تدخل قوات الجنرال حفتر العاصمة وتسيطر على تمركزاتها الحساسة داخلها وحولها.

لكن ماذا بعد؟!.. هل سوف يوفر سكانها حاضنة شعبية واسعة مؤيدة ومساندة بقوات شباب الأحياء الكبرى؟ أو سوف تكون عرضة لهجمات حرب عصابات تستنزفها داخل العاصمة وتفتح الباب على فصل جديد من الدم والخراب؟

 

فرج العشة
حقوق النشر: موقع قنطرة 2019
ar.Qantara.de

 
فرج العشة كاتب ومحلل سياسي ليبي معروف. روايته الجديدة "سينسيوس وهيبتايا" صدرت حديثا عن دار "التنوير".

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.