ماضٍ لم يمضِ بعد على لاجئين سوريين شرقي ألمانيا

برليناله 2019: الفيلم الألماني "التقدُّم في وادي الجاهلين" - بحث عن وطن ضائع

كيف للاجئين الاندماج في مجتمع ألماني شرقي ما زال يصارع شبح الماضي وسنوات التحوُّل خصوصا في "وادي الجاهلين"؟ رينيه فيلدأنغل شاهد لموقع قنطرة بمهرجان برليناله 2019 فيلم "التقدُّم في وادي الجاهلين".

يتمحور فيلم المخرج الألماني فلوريان كونِرت حول مُجَمَّع "التقدّم" الصناعي القديم في جمهورية ألمانيا الديمقراطية (الشرقية سابقا) في مدينة نيوشتادت بولاية سكسونيا. هذه المنطقة كانت تُعرف في عهد جمهورية ألمانيا الديمقراطية باسم "وادي الجاهلين"، وذلك بسبب وقوعها على الحدود مع تشيكوسلوفاكيا السابقة وبالتالي عدم تمكُّن الناس هناك من استقبال قنوات التلفزة الغربية الضرورية جدًا للاطلاع على الأخبار.

كان يوجد هناك في الماضي مصنع للآلات الزراعية تمت تصفيته - مثل العديد من مصانع ألمانيا الشرقية - بعد سقوط جدار برلين وإعادة توحيد شطري ألمانيا، وقد تحوَّل من خلال ذلك إلى أنقاض مصنع كبير. وفي الجوار، في سكن العمَّال السابق، تم منذ عام 2015 إيواء العديد من اللاجئين السوريين.

بعد نحو ثلاثين عامًا من سقوط ألمانيا الشرقية، يواجه الشباب السوريون - علمًا بأنَّ هذا الفيلم يعرض رجالًا فقط - حاضرًا يائسًا، لأنَّ الحياة الاجتماعية التي كانت مُمَوَّلة من المُجَمَّع الصناعي وممتلئة بالعاملين فيه باتت الآن مشلولة إلى حدّ كبير.

رحلة عبر الزمن غنية بأمور غير معقولة

يواجه حتى في مشهد البداية الرمزي ثلاثةُ شباب من السوريين المُصَوَّرين في الفيلم عناءً كبيرًا مع بقايا قديمة من عهد ألمانيا الشرقية. وفقط بعد عدة محاولات ينجحون في تشغيل سيارة "ترابانت" (صناعة ألمانية شرقية). ويقودون السيارة عبر مناطق طبيعية خلابة ولكنها مهجورة إلى مدينة نيوشتادت بالقرب من مدينة دريسدن، ويبدؤون رحلة عبر الزمن غنية بأمور غير معقولة.

ويلتقون في أنقاض المصنع بعاملين سابقين يشاركونهم ذكرياتهم - من أجل هذا الفيلم - ضمن إطار "دورة اندماج خاصة بألمانيا الشرقية". ويتعيَّن عليهم من خلال إدائهم الأدوار تعريف اللاجئين بنسختهم من الحياة اليومية في جمهورية ألمانيا الديمقراطية لتتم على هذا النحو مواجهتهم بماضيهم الخاص. يقدِّم الشباب السوريون التحية في زيّ اتِّحاد شبيبة إيرنست تيلمان أمام معلِّمتين سابقتين ويؤدُّون تحية العلم والتمارين العسكرية في الزيّ الرسمي الخاص بجيش ألمانيا الشرقية.

لقطة من فيلم المخرج الألماني فلوريان كونِرت: "التقدُّم في وادي الجاهلين".  Quelle: fortschritt-film.com
ماضٍ لم ينتهِ بعد: انطلاقًا من حركة بيغيدا وردود الفعل المليئة بالكراهية على وصول اللاجئين إلى شرق ألمانيا، بدأ المخرج فلوريان كونِرت في فيلمه "التقدُّم في وادي الجاهلين" رحلةً استكشافية سينمائية من أجل الكشف عن ذكريات مدفونة من عهد جمهورية ألمانيا الديمقراطية وعن وجهات نظر متناقضة. "وادي الجاهلين" وصف كان يطلق في ألمانيا الشرقية على المناطق غير القادرة على استقبال قنوات التلفزة الألمانية الغربية. في فيلم "التقدُّم في وادي الجاهلين" بولاية سكسونيا شرق ألمانيا، حيث كان يعمل عمال عرب إلى جانب عمال مصنع تابع لألمانيا الشرقية، يلتقي أشخاص ألمان شرقيون ولاجئون في رحلة فريدة عبر الزمن.

تعتبر هذه الأمور بالنسبة للسوريين - الذين وُلِدُوا فقط في سنوات التحوُّل - بمثابة رحلات إلى عالم غريب زائل. تتم الإشارة فقط إلى صدماتهم الخاصة: تبدو أطلال المُجَمَّع الصناعي المهجورة من خلال الإخراج التصويري مثل المباني المُدَمَّرة في شرق حلب بعد إخلاء سكَّانها. في أحد المشاهد يُعيد الشباب تمثيل حرب الشوارع في مدينة حلب ويستخدمون أغصان شجر سميكة كبنادق.

جمهورية ألمانيا الديمقراطية وسوريا "الدولة الاشتراكية الصديقة"

كذلك يشير الفيلم إلى العلاقات الوثيقة بين جمهورية ألمانيا الديمقراطية وسوريا. ففي عام 1956، وصل أوَّل الطلاب السوريين إلى ألمانيا الشرقية، وفي العقود التالية كان هناك آلاف من الأشخاص القادمين من الدول العربية للعمل كعمَّال متعاقدين في جمهورية ألمانيا الديمقراطية.

وعلى أبعد تقدير بعد حرب الأيَّام الستة، التي وقفت فيها جمهورية ألمانيا الديمقراطية إلى جانب العرب، أصبحت علاقات ألمانيا الشرقية مع العرب وثيقة أكثر من ذي قبل. لقد كانت هذه خطوة مهمة بالنسبة لجمهورية ألمانيا الديمقراطية من أجل الخروج من عزلتها السياسية الخارجية في تلك الحقبة.

تُظهر التسجيلات الأصلية زيارة رسمية قام بها حافظ الأسد لألمانيا الشرقية، حيث كان يتجوَّل في عام 1978 في سيارة مكشوفة مع الرئيس إيريش هونيكر مصحوبًا بهتافات الأهالي أيضًا عبر المناطق الريفية في ألمانيا الشرقية.

وحتى أنَّ أحد موظفي المُجَمَّع الصناعي السابقين لا يزال يعرف من تلك الحقبة القليل من اللغة العربية. فقد كان يسافر في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين إلى سوريا. وفي عرض بالشرائح عَرَضَ على الشباب السوريين صورًا من رحلات عمله. أمَّا الأمكنة ومعالمها السياحية، التي يَمدَحُ جمالَها، فقد تحوَّلت منذ فترة طويلة إلى رموز لأسوأ المعارك في حرب مُدمِّرة: حلب ودير الزور. "كلُّ شيء محطم"، مثلما يعلّق السوريون بشكل مقتضب. يمثِّل ضياع الوطن هنا موضوعًا مركزيًا يُميِّز الجميع بطرق مختلفة جدًا.

روح الماضي والحاضر

وكذلك لم تغب عن هذا الفيلم روح الحاضر: حيث يدوي في صالة السينما هتاف "نحن الشعب" (الهتاف الذي انهار على وقعه جدار برلين في عام 1989). ولكن سرعان ما يتَّضح أنَّ هذا ليس هتاف الحرِّية في عام 1989، بل هو هتاف متظاهري حركة بيغيدا (المعادية للأجانب والإسلام) المليء بالكراهية والحقد.

الشباب السوريون يعانون من العنصرية أيضًا. يُخبر على الهاتف أحدُ اللاجئين صديقًا له بأنَّ شخصًا ما ألقى لحم خنزير في صندوق بريده، وأنَّه قد تعرَّض لإهانة عنصرية. وبالنسبة إلى المخرج فلوريان كونِرت، الذي ينحدر شخصيًا من ولاية سكسونيا، فقد كانت هذه إحدى نقاط البداية لإخراج هذا الفيلم: "من أين تأتي هذه المشاعر المتطرِّفة، ولماذا هنا بالذات؟".

كثيرًا ما يُصوِّر المخرج وعن قصد البحث عن إسقاطات الماضي والحاضر: من خلال تسجيلات مصوَّرة للمُجَمَّع الصناعي من عهد جمهورية ألمانيا الديمقراطية، تسطع عبر جهاز عرض قديم، ومن خلال صور شخصية كبيرة للشباب السوريين، يتم إسقاطها بجهاز عرض فيديو على جدران المباني المتهالكة، ومن خلال إعادة تمثيل ماضي ألمانيا الشرقية، الذي كثيرًا ما يبدو غريبًا، وكذلك من خلال ذكريات العاملين في المُجَمَّع الصناعي، التي يتَّسم بعضها بالحنين إلى الماضي.

يعرض المخرج فلوريان كونِرت عدة مرات جوقة المُجَمَّع الصناعي السابقة. وفي أحد المشاهد ينشد أفرادها النشيد الوطني الخاص بألمانيا الديمقراطية "لقد نهضنا من الأنقاض"، في وسط أنقاض ترمز إلى انهيار نظام جمهورية ألمانيا الديمقراطية وزواله.

ماضٍ لم ينته بعد

كيف يجب على اللاجئين الاندماج في مجتمع ألماني شرقي لا يزال هو نفسه يتصارع مع شبح الماضي وعواقب سنوات التحوُّل؟ وخاصة هنا في "وادي الجاهلين"؟

يقول فلوريان كونِرت: "الناس كانوا يسافرون في تلك الأيَّام إلى الحدود ويُحْضِرون المائة يورو هدية الترحيب، ثم كانوا يعودون إلى وادي الجاهلين. التفهُّم الذي تعنيه الثورة في ألمانيا الشرقية لم يُستخدم قَطُّ هنا. كذلك لم تكن توجد أية دورة للاندماج في جمهورية ألمانيا الاتِّحادية" [الغربية].

الواقع المعاصر في ألمانيا الشرقية معروف جيِّدًا، غير أنَّ فهمه عمل معقَّد. وحتى المخرج فلوريان كونِرت، الذي نشأ هناك بعد سقوط جدار برلين وإعادة توحيد شطري ألمانيا، لا يُقدِّم تحليلًا اجتماعيًا جاهزًا أو إجابات قاطعة.

غير أنَّ مشاعر مواطني جمهورية ألمانيا الديمقراطية السابقة وذكرياتهم، التي كثيرًا ما تكون متناقضة ومعقَّدة، وكذلك لقاءهم مع اللاجئين السوريين، هي نقاط انطلاق مثيرة من أجل انعكاسات حول الماضي، الذي لم ينتهِ بعد في هذا الجزء من ألمانيا.

 
 
رينيه فيلدأنغل
ترجمة: رائد الباش
حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

 

 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.