وحتى أنَّ أحد موظفي المُجَمَّع الصناعي السابقين لا يزال يعرف من تلك الحقبة القليل من اللغة العربية. فقد كان يسافر في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين إلى سوريا. وفي عرض بالشرائح عَرَضَ على الشباب السوريين صورًا من رحلات عمله. أمَّا الأمكنة ومعالمها السياحية، التي يَمدَحُ جمالَها، فقد تحوَّلت منذ فترة طويلة إلى رموز لأسوأ المعارك في حرب مُدمِّرة: حلب ودير الزور. "كلُّ شيء محطم"، مثلما يعلّق السوريون بشكل مقتضب. يمثِّل ضياع الوطن هنا موضوعًا مركزيًا يُميِّز الجميع بطرق مختلفة جدًا.

روح الماضي والحاضر

وكذلك لم تغب عن هذا الفيلم روح الحاضر: حيث يدوي في صالة السينما هتاف "نحن الشعب" (الهتاف الذي انهار على وقعه جدار برلين في عام 1989). ولكن سرعان ما يتَّضح أنَّ هذا ليس هتاف الحرِّية في عام 1989، بل هو هتاف متظاهري حركة بيغيدا (المعادية للأجانب والإسلام) المليء بالكراهية والحقد.

الشباب السوريون يعانون من العنصرية أيضًا. يُخبر على الهاتف أحدُ اللاجئين صديقًا له بأنَّ شخصًا ما ألقى لحم خنزير في صندوق بريده، وأنَّه قد تعرَّض لإهانة عنصرية. وبالنسبة إلى المخرج فلوريان كونِرت، الذي ينحدر شخصيًا من ولاية سكسونيا، فقد كانت هذه إحدى نقاط البداية لإخراج هذا الفيلم: "من أين تأتي هذه المشاعر المتطرِّفة، ولماذا هنا بالذات؟".

كثيرًا ما يُصوِّر المخرج وعن قصد البحث عن إسقاطات الماضي والحاضر: من خلال تسجيلات مصوَّرة للمُجَمَّع الصناعي من عهد جمهورية ألمانيا الديمقراطية، تسطع عبر جهاز عرض قديم، ومن خلال صور شخصية كبيرة للشباب السوريين، يتم إسقاطها بجهاز عرض فيديو على جدران المباني المتهالكة، ومن خلال إعادة تمثيل ماضي ألمانيا الشرقية، الذي كثيرًا ما يبدو غريبًا، وكذلك من خلال ذكريات العاملين في المُجَمَّع الصناعي، التي يتَّسم بعضها بالحنين إلى الماضي.

يعرض المخرج فلوريان كونِرت عدة مرات جوقة المُجَمَّع الصناعي السابقة. وفي أحد المشاهد ينشد أفرادها النشيد الوطني الخاص بألمانيا الديمقراطية "لقد نهضنا من الأنقاض"، في وسط أنقاض ترمز إلى انهيار نظام جمهورية ألمانيا الديمقراطية وزواله.

ماضٍ لم ينته بعد

كيف يجب على اللاجئين الاندماج في مجتمع ألماني شرقي لا يزال هو نفسه يتصارع مع شبح الماضي وعواقب سنوات التحوُّل؟ وخاصة هنا في "وادي الجاهلين"؟

يقول فلوريان كونِرت: "الناس كانوا يسافرون في تلك الأيَّام إلى الحدود ويُحْضِرون المائة يورو هدية الترحيب، ثم كانوا يعودون إلى وادي الجاهلين. التفهُّم الذي تعنيه الثورة في ألمانيا الشرقية لم يُستخدم قَطُّ هنا. كذلك لم تكن توجد أية دورة للاندماج في جمهورية ألمانيا الاتِّحادية" [الغربية].

الواقع المعاصر في ألمانيا الشرقية معروف جيِّدًا، غير أنَّ فهمه عمل معقَّد. وحتى المخرج فلوريان كونِرت، الذي نشأ هناك بعد سقوط جدار برلين وإعادة توحيد شطري ألمانيا، لا يُقدِّم تحليلًا اجتماعيًا جاهزًا أو إجابات قاطعة.

غير أنَّ مشاعر مواطني جمهورية ألمانيا الديمقراطية السابقة وذكرياتهم، التي كثيرًا ما تكون متناقضة ومعقَّدة، وكذلك لقاءهم مع اللاجئين السوريين، هي نقاط انطلاق مثيرة من أجل انعكاسات حول الماضي، الذي لم ينتهِ بعد في هذا الجزء من ألمانيا.

 
 
رينيه فيلدأنغل
ترجمة: رائد الباش
حقوق النشر: موقع قنطرة 2019

 

 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.