الجلسة الأولى من محاكمة مبارك
محاكمة الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك:

المصريون بين صدمة المحاكمة والشك في شكليتها

ثمة إجماع في مصر على تاريخية محاكمة مبارك، إذ شاهد المصريون في جلستها الأولى رئيسهم الذي حكمهم ثلاثين سنة في قفص الاتهام. كما بدت الدهشة في أعين الكثيرين الذين لم يصدقوا عظم ما يجري أمامهم. هاني درويش قابل عددا منهم في القاهرة.



في ناصية التقاطع بين شارعي عماد الدين والألفي جلس هاني حسيني البالغ من العمر 33 عاما عند "فرشة" جرائده، متفرسا وجه مبارك وأصحابه في عناوين الصحف والمجلات قائلا: "منذ بدء المحاكمات وأنا غير مصدق، فهم لم تظهر لهم صورة واحدة، حتى الآن لا أصدق ما شاهدته اليوم، بالتأكيد ثمة لعبة ما في الأمر. هل فعلا نحن نحاكم رئيسا بقي 30 عاما في الحكم؟ أنه منظر لا يصدق". ويضيف حسيني لدويتشه فيله بأنه لم يتخيل يوما أن تكون نهاية مبارك هكذا، متسائلا: هل هو حقا في القفص أم أنه فيلم؟ ويستطرد بائع الجرائد بأنه يميل حقا إلى عدم تصديق الرواية "لأننا تاريخيا لم نستطع محاكمة حتى أصغر مسؤول".

بائع الصحف هاني حسيني لم يصدق ما راته عيناه متسائلا: هل أنا أمام فيلم سينمائي؟بائع الصحف هاني حسيني لم يصدق ما راته عيناه متسائلا: هل أنا أمام فيلم سينمائي؟ويتابع هاني حسيني بفرح أنه طوال الأشهر السبع الماضية لم يتخيل أن يضعوا مبارك في قفص الاتهام. أما وقد جرت المحكمة حقا فنكون "أكدنا للعالم عظمة مصر". صحيح أنه لا يتخيل إصدار حكم قاس بحق الرئيس السابق لأنه كبير في العمر أولا وثانيا لأن "الأمر لا يمكن أن ينتهي كما نتوقع. وأكثر التهم الموجهة له، وتهمني شخصيا، هي تهمة الفساد المالي، لأني أعتقد أن وزير الداخلية السابق هو المسؤول عن قتل المتظاهرين، أما تهمة تصدير الغاز مثلا فقد تكون تبادل للمصالح لا أكثر، الفساد المالي لعائلة مبارك يعلمه القاصي والداني". وينهي حسيني كلامه بأنه يتوقع أن تستمر المحاكمات طويلا وتنتهي بتحديد إقامته لحين وفاته.

الاتفاق مع المجلس العسكري ينتهي هنا


الصورة دويتشه فيله
أهالي المحتجين الذين اعتقلوا أثناء إنهاء اعتصام ميدان التحرير يتابعون محاكمة مبارك

​​

"المحاكمة صادقة بلا شك، والتوتر طبيعي مع هذا العدد الكبير من المحامين ودمج قضيتين، وكأننا في عرس"، هكذا يفتتح الصيدلاني وليد صلاح يوسف لقاءنا به في مكان عمله بشارع الجمهورية وسط البلد. ويقول ذو الخامسة والأربعين عاما لدويتشه فيله: "لقد تابعتها لحظة بلحظة، كان لدي شك في سيناريوهات اللحظة الأخيرة التي ستمنع حضوره. فوجئت به داخل القفص. لم أشعر بالتعاطف لأني أؤمن بضرورة العدل. لو اردت عدلا لا تتعاطف. أين كان عدله طوال ثلاثين عاما، لقد أعطاه الله أكثر من فرصة للتراجع والعظة وآخرها وفاة حفيده. لقد أتاه التحذير في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة لكنه صمم على الفساد والتوريث".

 

ويضيف مدير صيدلية سنكلير:"بالطبع لولا التظاهرات واعتصام ميدان التحرير لما جرت المحاكمة، رغم عدم قناعتي بأن أهالي الشهداء من أنفسهم يبحثون عن القصاص من مبارك". ويعرب حسين عن اعتقاده أن مبارك حتى لو تنحى مبكرا، فإن قدرا ما كان سيجعل هذه الثورة تستمر، لأنه كان مصمما على التوريث ولم يكن ليتراجع عنه. وكآخرين كثر من المصريين يرى يوسف أن قتل المتظاهرين هي التهمة الأهم من وجهة نظره رغم صعوبة إثبات ذلك عليه. في النهاية ستقضي التهم على مبارك معنويا. "لقد فضحنا أمام العرب وجعل رأسنا في التراب بعد أن قال عنه القذافي وملك السعودية أنه كان يأخذ منهم أموالا، هذه هي الإهانة والتهمة الأكبر في حق 80 مليون مصري".

الصورة دويتشه فيله
الصيدلاني وليد صلاح يوسف يصف مشهد المحاكمة وكأنه عرس لكنه تعاطف مع مبارك الكهل

​​ويعرب الصيدلاني وليد صلاح يوسف عن دهشته مما وصفه بـ "مشهد الثبات" للمتهمين في قاعة المحكمة. فهؤلاء لم تظهر على قسامتهم "أي شيء يوحي بالندم". لكن أكثر ما لفت انتباهه في المحاكمة وأشعره بالنصر أن يرد مبارك بالقول: "أيوه يا فندم؛ وذلك في إطار إثبات حضوره أمام القاضي. رئيس الجمهورية يقول أفندم لأحد رعاياه بعد 30 سنة من الحكم، لذلك لم أتعاطف معه نهائيا". ويخاطب الصيدلاني يوسف من يخرجون باسم "آسفين يا ريس"، قائلا: "أنتم تقولون آسفين لمن لم يقل يوما آسف لأحد ممن امتهنت كرامتهم"؟. ويشير الصيدلاني بكلامه هذا إلى الحملة المؤيدة لمبارك، التي نظمها أنصاره تحت شعار "آسفين ياريس". ويضيف "لقد بدا مبارك كهلا، هنا أنا أتعاطف معه رغم عدم احترامه أصلا لكهولته". الصيدلاني وليد صلاح يوسف يصف مشهد المحاكمة وكأنه عرس لكنه تعاطف مع مبارك الكهلالصيدلاني وليد صلاح يوسف يصف مشهد المحاكمة وكأنه عرس لكنه تعاطف مع مبارك الكهل

مجرد تمثيلية لكنها مهمة

ويختلف تقييم الناشط السياسي بجماعة "لا للمحاكمات العسكرية" نديم مرتضى، الذي التقته دويتشه فيله أمام مجمع محاكم عابدين في تظاهرة ضد اعتقال متظاهري التحرير خلال اليومين الماضيين، لموقف المجلس العسكري ودوره في "المحاكمة التمثيلية" كما أسماها. فأبناء مبارك (مؤيدو مبارك) الذين هاجموه وهاجموا أهالي الشهداء صباحا أمام قاعة المحاكمة لم يتم تجريمهم أو القبض عليهم. ويصف "ثبات المتهمين وبلادتهم" في قفص الاتهام "الحس التمثيلي".ويضيف الناشط السياسي بالقول: "تكلموا بصوت عال، ورددوا نفس الجمل كأن هناك ملقنا خلفهم".

الصورة دويتشه فيله
بائع الصحف هاني حسيني لم يصدق ما راته عيناه متسائلا: هل أنا أمام فيلم سينمائي؟

​​وبالرغم من ذلك يرى مرتضى أن "المحاكمة مهمة لمن يجلسون في المنزل ولا يصدقون أن هناك ثورة. فالمحاكمة تثبت مفهوما بسيطا هو حق كل مواطن مصري تم امتهان كرامته لنحو ثلاثين عاما. هم يرون أن دماء الشهداء لم تبذل هدرا، فقائمة اتهامات مبارك متسعة ومتشعبة تخص كل شخص فينا مثلما تخصنا كمجتمع".

ويضيف الناشط السياسي مرتضى أن "المحاكمات العسكرية لم تتوقف، واعتصام أبناء مبارك محمي من قبل الشرطة والجيش، فيما توجه لنا تهم البلطجة، مع العلم أنه لولا تصميم الناس على استكمال الاعتصام ما كتب لمحاكمة مبارك أن تحدث". وينتقد مرتضى بعض جوانب المحاكة التي وصفها "بالكوميدية" مطالبا بتوسيعها "لتشمل باقي الخطايا السياسية لعصره، وأن ننتبه إلى أن مسيرة الثورة لن تتوقف عند هذا الشو (العرض) الرخيص".

 

هاني درويش ـ القاهرة

مراجعة: أحمد حسو

حقوق النشر: دويتشه فيله 2011

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
ملفات خاصة من موقع قنطرة