فوز محمد مرسي...انتصار بطعم الهزيمة!

ترى الكاتبة المصرية المعروفة منصورة عز الدين أن دعم القوى الثورية لمرشح الإخوان المسلمين مرسي بعثر أوراق لعب العسكر، لكن امتلاك هذه القوى لزمام المبادرة من جديد يتطلب تنظيم الصفوف بشكل يبتعد عن التعالي على السياسة، والبدء في التحرك أكثر على الأرض وبين الناس العاديين لإيصال فكرة الثورة وأهدافها للفئات التي لا تزال بعيدة عنها.

الكاتبة ، الكاتب: Mansoura Ez-Eldin

بانتخاب الإخواني محمد مرسي رئيساً للجمهورية تبدأ مصر مرحلة جديدة في تاريخها، وإن كانت مرحلة مثقلة بكثير من أعباء الماضي وأخطائه.

بهذا الفوز يصبح مرسي أول رئيس غير عسكري يحكم مصر منذ استيلاء الجيش على السلطة فيها بعد "ثورة" 1952، كما أنه أول رئيس ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين. وأول رئيس يحصل على نسبة 51.73 % بعد أن احتكر الرؤساء العرب لعقود نسبة الـ99.99 % الزائفة.

ابتهج المصريون المؤيدون للثورة بنتيجة الإنتخابات، أو بالأحرى ابتهج معظمهم بهزيمة أحمد شفيق آخر رئيس وزراء وليس بفوز مرسي بالضرورة، لدرجة أن كثيرين منهم تبنوا العبارة التي انتشرت بسرعة مذهلة: "فرحي بهزيمة شفيق لم يعكر صفوه إلاّ حزني لفوز مرسي".

صحيح أن قطاعات واسعة من القوى الثورية اليسارية والليبرالية وقفت في صف مرسي في الجولة الثانية من الانتخابات من أجل تحجيم فرص شفيق الذي كان فوزه سيعني إعادة نظام مبارك وفلوله إلى الواجهة، إلاّ أن هذا الدعم كان مشروطاً بضمانات أهمها تشكيل حكومة ائتلافية يرأسها سياسي من غير الإسلاميين، وأن يكون مرسي رئيساً لكل المصريين دونما تمييز بينهم، وأن يحافظ على مدنية الدولة.

شبح تحويل مصر إلى دولة دينية

مرسي في ميدان التحرير
اللافت للانتباه تمثل في انضمام قطاعات أخرى من الليبراليين واليساريين والقوميين إلى جانب شفيق متغاضين عن علاقته بنظام مبارك واعتماده شبه الكامل في دعايته على الكوادر السابقة للحزب الوطني المنحل وعلى دعم مبطّن من المجلس العسكري، وفق تحليل منصورة عز الدين.

​​

إلى جانب هذه القطاعات دعا قطاع آخر من الثوّار إلى إبطال الأصوات في الانتخابات لتكوين تيار ثوري لا يعترف بشرعية انتخابات تجري في مناخ استبدادي تنقصه الشفافية. بالنسبة لهؤلاء بدا شفيق ممثلاً للاستبداد العسكري، فيما بدا مرسي ممثلاً للاستبداد الديني، لذا رفضوا الاختيار بين من "قتلهم"، وبين من "تواطأ على قتلهم" وفق المقولة التي راجت على لسان بعضهم.

هذا الخيار ربما يكون الأكثر ثورية، حيث ينوي أصحابه استكمال نضالهم حتى آخر رمق من أجل تحقيق أهداف الثورة ومقاومة الفاشية أياً كان مصدرها، دونما خضوع لألعاب السياسة ومساوماتها.

لكن اللافت انضمام قطاعات أخرى من الليبراليين واليساريين والقوميين (بعضهم كان مؤيداً للثورة) إلى جانب شفيق متغاضين عن علاقته بنظام مبارك واعتماده شبه الكامل في دعايته على الكوادر السابقة للحزب الوطني المنحل وعلى دعم مبطّن من المجلس العسكري. حجة هؤلاء تمثلت في الخوف من شبح تحويل مصر إلى دولة دينية، إذ رأوا في أحمد شفيق (العسكري) "الضامن لمدنية الدولة"!

وهذا يقودنا إلى آليات الدعاية التي انتهجها كل مرشح من المرشحيّن خلال سباق التنافس بينهما. فقد صوّر القائمون على حملة شفيق أن المعركة هي بين الدولة المدنية والدولة الدينية وبالتالي على كل الرافضين لتحويل مصر إلى دولة دينية أن يصطفوا خلف شفيق بغض النظر عن عدائه للثورة، في حين ركزت حملة مرسي على تصوير الأمر على أنه صراع بين الثورة ممثلة في مرسي ونظام مبارك ممثلاً في شفيق.

وهو تقسيم تنقصه الدقة ويتطلب درجة عالية من التسامح للقبول به في الحالتين، بالنظر إلى أن شفيق كان ممثلاً للمجلس العسكري وللنظام القديم، في حين أن مرسي ليس ممثل الثورة بقدر ما هو ممثل الإخوان المسلمين، الذين يجنون الآن ثمار ثورة لم يبدأوها وتخلوا عنها في كل مفترق طرق احتاجتهم فيه.

اليوم خمر وغداً أمر

قطاعات واسعة من القوى الثورية اليسارية والليبرالية وقفت في صف مرسي في الجولة الثانية من الانتخابات من أجل تحجيم فرص شفيق الذي كان فوزه سيعني إعادة نظام مبارك وفلوله إلى الواجهة
قطاعات واسعة من القوى الثورية اليسارية والليبرالية وقفت في صف مرسي في الجولة الثانية من الانتخابات من أجل تحجيم فرص شفيق الذي كان فوزه سيعني إعادة نظام مبارك وفلوله إلى الواجهة

​​

احتفل كثير من الثوّار بفوز محمد مرسي/ هزيمة أحمد شفيق في ميادين مصر المختلفة. ارتشفوا كأس الانتصار على بقايا نظام مبارك والمجلس الأعلى للقوات المسلحة حتى الثمالة. رفع معظمهم شعار "اليوم خمر وغداً أمر"، أو اليوم الاحتفال بانتخاب أول رئيس مدني لمصر وغداً وقت معارضته والتصدي له في حال أخلف وعوده ومثّل هو وجماعته تهديداً للديموقراطية والحريات العامة والخاصة.

لكنّ الفرحة غُلِفت بما يشوِّش عليها بسبب عدم نجاح أحد مرشحي الثورة الأساسيين، وبسبب الإنقلاب العسكري الناعم الذي قام به المجلس الأعلى للقوات المسلحة عبر حل مجلس الشعب المنتخب، واصدار إعلان دستوري يُحجِّم صلاحيات الرئيس ويطلق يد القوات المسلحة لتكون دولة داخل الدولة، واصدار قرار بمنح ضباط الجيش والمخابرات حق الضبطية القضائية، الأمر الذي يهدد آلاف المدنيين بالملاحقة والمثول أمام القضاء العسكري ويمهد لتحويل مصر إلى زنزانة يضيق سجانوها بكل شيء تقريباً. كأن العسكر أوقفوا العمل بقانون الطوارئ بيمناهم ليفرضوا قراراً يقترب من الأحكام العرفية بيسراهم.

ولا يخفي على أحد أن هذه القرارات المتزامنة مع الدورة الثانية من انتخابات الرئاسة قُصِد بها تحويل الرئيس الجديد إلى موظف لدى المجلس العسكري وتفريغ فكرة تسليم السلطة للمدنيين من معناها. وهو ما ينبئ عن صراع ممتد بين العسكر والإخوان المسلمين، قد يعتمد على التفاوض والصفقات المتبادلة وألعاب الشد والجذب حيناً أو على المواجهة والتصعيد حيناً آخر.

وفي سياق مماثل تجد القوى الثورية المدنية والليبرالية نفسها مجبرة على تنظيم صفوفها لاستكمال الثورة بعيداً عن استقطاب عسكر/ إخوان، خاصة أن كلا الطرفين يعمل لإنجاز أجندته الخاصة التي لا تتقاطع بل ربما تتناقض مع الثورة وأهدافها، فالإخوان الذين ظلوا كعقود تنظيماً سرياً مغلقاً على ذاته مشغولون بتحقيق مشروع "النهضة" الخاص بهم وبحلم "الخلافة الإسلامية" المزعوم، فيما العسكر يعملون جاهدين على تحويل الثورة إلى إنقلاب عسكري كامل يتيح لهم السيطرة على كل كبيرة وصغيرة في البلاد والمحافظة على شبكة مصالحهم الإقتصادية والمالية، والإفلات من مسؤولية الدماء التي أُريقت طوال الشهور الماضية.

بنيلوبي حاقدة

على مدار عام ونصف شهدت مصر مذابح متوالية راح ضحيتها عشرات الثوّار العزل، من مذبحة ماسبيرو، إلى مذبحة محمد محمود، ومذبحة مجلس الوزراء، كما خضع آلاف المدنيين لمحاكمات عسكرية وللاعتقال في السجن الحربي، كما لم يتوقف التعذيب وانتهاك حقوق الإنسان، وبرّأ القضاء قتلة المتظاهرين كأنهم (أي المتظاهرين) قُتِلوا على يد كائنات فضائية لا على يد أجهزة الأمن المصرية.

حتى مجلس الشعب الذي عدّ المجلس العسكري انتخاباته من أبرز انجازات مرحلته الانتقالية، عاد المجلس ليحله بقرار من المحكمة الدستورية بسبب عدم دستورية القانون الذي جرت انتخاباته على أساسه، كأن العسكر لم يكن بإمكانهم اللجوء إلى الفقهاء الدستوريين والقانونيين قبل بدء انتخابات مجلس الشعب للتأكد من دستورية القانون الذي ستجري على أساسه بدلاً من تضييع الجهد والمال وإدخال البلاد في متاهات دستورية لا طائل من ورائها.

هكذا يتصرف المجلس الأعلى للقوات المسلحة كبنيلوبي جديدة تنقض ما سبق ونسجته. لكنه أشبه ببنيلوبي حاقدة تسعى للانتقام وتصر على نسج معقد ومتشابك أشبه بمتاهات وفخاخ تصطاد من يعارضها. بنيلوبي الجديدة هذه وفية فقط للنظام القديم بشبكات مصالحه وأدوات قمعه، بشرط أن تحتفظ لنفسها بالموقع الأكثر تميزاً فيه، وانطلاقاً من هذا الوفاء حاولت المرة تلو الأخرى على مدى ثمانية عشرة شهراً نسج كفن الثورة والثوّار، تغرقهم، عبر مكائدها وتلاعبها بالقوانين، في أسر كل ما ثاروا ضده. انتفضوا من أجل الحرية والكرامة فأوقعهتم في شراك محاكمات عسكرية وتقييد للحريات، طالبوا بدولة القانون وقُتِل بعضهم وأصيب البعض الآخر في سبيل دستور يضمن الحريات، فحولت القانون إلى ألعوبة في يدها وتغاضت عن التمييز ضد الأقباط والنساء وعن ضياع الحقوق وعن الإنفلات الأمني، ثم اتهمت من يعترض بالشغب والخروج على القانون وشرعية الصندوق.

زمام المبادرة

منصورة عز الدين كاتبة مصرية معروفة
منصورة عز الدين كاتبة مصرية معروفة. قبل عدة أشهر صدرت الترجمة الألمانية لروايتها "وراء الفردوس".

​​بعثر دعم القوى الثورية لمرشح الإخوان المسلمين أوراق لعب العسكر وخيوط نسجهم إلى حين، لكن امتلاك القوى هذه القوى زمام المبادرة من جديد يتطلب ما هو أكثر من بعثرة أوراق العسكر إلى إعادة ترتيب الأوراق والمشهد ككل وفقاُ لأهداف الثورة وعلى إيقاع حركتها، وإلاّ فالتشتت بين الطرفين المتصارعين على السلطة سيكون المصير المحتوم. وأول الخطوات بعد تنظيم الصفوف يجب أن تكون الكف عن التعالي على السياسة واحتقارها، والبدء في التحرك أكثر على الأرض وبين الناس العاديين لإيصال فكرة الثورة ومعناها للفئات التي لا تزال بعيدة عنها.

وربما تكون معركة صياغة الدستور الجديد هي أول التحديات التي ستواجه هذه القوى. فالرهان الأساسي يجب أن يكون على هذه المعركة، فوجود دستور يضمن الحريات العامة والخاصة، ويعزز حقوق المرأة والأقليات ويدعم حقوق الإنسان هو الضمانة الحقيقية لتحول ديموقراطي لا يزال متعثراً في مصر.

 

منصورة عز الدين

حقوق النشر: قنطرة 2012
مراجعة: لؤي المدهون

منصورة عز الدين كاتبة مصرية معروفة. قبل عدة أشهر صدرت الترجمة الألمانية لروايتها "وراء الفردوس".