شعار مهرجان فجر 2006
مهرجان فجر الثقافي بطهران:

في مهبّ الاحتمالات المختلفة

في دورة السنة الحالية لمهرجان فجر بطهران بدا النشاط الثقافي الإيراني مراوحا كالمعتاد بين الانغلاق والتمتّن والهاجس التجاري. أمين فرزانفار كتب هذا التقرير عن المهرجان.
شعار مهرجان فجر 2006
يمثل مهرجان الفجر سنويا بوابة انفتاح على العالم، ويسعى إلى إرساء علاقات تبادل خارجي، و يلاقي تقبلا حماسيا لدى جمهور طهران الذي يعاني من غائلة القحط الثقافي.

​​في دورة السنة الحالية لمهرجان فجر بطهران بدا النشاط الثقافي الإيراني مراوحا كالمعتاد بين الانغلاق والتمتّن والهاجس التجاري. عملية تشديد الرقابة التي كانت متوقعة لم تحدث، لكن الجميع رأوا أنه من الأفضل تلافي الاستفزاز. أمين فرزانفار كتب هذا التقرير عن المهرجان.

غدت إيران حاليا مثارا للانتباه في ما يتعلق بسياستها الخارجية بصفة أخص: النزاعات حول المسألة النووية، التهديدات الموجهة لإسرائيل وخصومة الكاريكاتور. وعلى المستوى الداخلي يدعو الرئيس أحمدي نجاد إلى العودة إلى القيم الثورية العتيقة.

القرار بحظر الموسيقى والأفلام الأميركية يبدو مجرد لغو بلاغي غير قابل للتحقيق بالنظر إلى الحجم الهائل للنسخ المهربة عن طريق القرصنة الألكترونية التي تستعصي على المراقبة، ومع ذلك يظل المشهد الثقافي الإيراني في سنة 2006 جديرا بانتباه خاص.

يمثل مهرجان الفجر سنويا بوابة انفتاح على العالم، وعبر أقسامه الثلاثة: الموسيقى والمسرح والسينما، يسعى إلى إرساء علاقات تبادل خارجي، و يلاقي تقبلا حماسيا لدى جمهور طهران الذي يعاني من غائلة القحط الثقافي.

والمهرجان في نشاطه هذا لا يكتفي بدعوة ضيوف أجانب، بل يوفر أيضا وسيلة لإنجاز إنتاجات مشتركة على المستوى العالمي. إلا أن ميزانياته قد تعرضت في هذه السنة إلى التقليص، والكفاءات الفردية للمشرفين على مختلف الأقسام قد تم تحجيمها بشكل صارم.

غياب مشاهير من الضيوف الثابتين للمهرجان مثل كلاوس بايمان (من المجمّع المسرحي البرليني) أو روبرتو شيولي (مسرح الرور) ممن لم يحضروا مع أعمالهم الخاصة في هذه الدورة يمكن تأويله كنتيجة للسياسة الجديدة المتبعة تحت قيادة الرئيس أحمدي نجاد.

وبالمقابل كان هناك هذا الاتجاه الجديد المنصرف إلى تدعيم الانتاج المسرحي المحلي وإنتاج المقاطعات على وجه الخصوص. وبذلك كانت 73 فرقة من مجمل الفرق الـ89 المدعوة إلى المهرجان قادمة من إيران.

تلافي الاستفزازات

لم يكن هناك من خط واضح يمكن استشفافه داخل القسم السينمائي للمهرجان. وقد بدا لبعض الملاحظين أن وجود عدد قليل من الانتاجات الرائعة إلى جانب ركام بائس من البضاعة الرديئة مؤشر على نهاية الأعجوبة السينمائية الإيرانية التي فرضت خلال التسعينات نبرة جديدة على المستوى العالمي.

الأقرب إلى الظن هو أن هناك حالة من ذهول الفزع قد أصابت السينمائيين أمام واقع المستقبل الغامض: فعملية تشديد الرقابة التي كانت متوقعة لم تحدث، لكن الجميع يرى أنه من الأفضل تلافي الاستفزاز.

والمشرفون على المهرجان أنفسهم- وهم بالنهاية امتداد ليد وزارة الثقافة- يجدون أنفسهم حاليا في وضع متأرجح بطريقة ما. هكذا غابت عن الأنظار هذه السنة الأعمال المثيرة من نوع الكوميديا الجريئة حول الملالي "مارمولاك" لسنة 2004، أو الفيلم البوليسي النسائي "صاك كوشي" لسنة 2001.

وقد كان الحفل الاختتامي لهذه الدورة على وجه الخصوص هو الذي كشف النقاب عن الاتجاه الإديولوجي الحقيقي: في ظل حكم الرئيس الاصلاحي خاتمي انسحبت صور الخميني وممثله على الأرض خامنئي إلى مكان ما قصيّ وخفي تحت سقف القاعة؛ أما الآن فإن الدين يطالب مجددا بحصته داخل المجال الثقافي.

هكذا رأت حصة توزيع الجوائز الفردية نفسها تخضع لفواصل انقاطاعات تتلى خلالها سور قرآنية. وكانت الجائزة الأولى من نصيب الشريط السينمائي ذي النبرة الحماسية "باسم الأب" لإبراهيم كاتاميكياس حيث يقدم نجم المسرح الصامت بارفيز باراستوي مرة أخرى صورة عن قدماء المقاتلين في حرب الخليج.

خط فاصل بين الجبهات

كانت مداخلة وزير الثقافة الجديد على الأخص هي التي حددت الخط الفاصل بين الجبهات بصفة واضحة. محمد حسين صفار هارندي، الوزير الفعلي للثقافة والتعاليم الدينية- قد بدا، على مستوى المظهر الخارجي الصرف وبهيأة المغامر المتوحّش شهيرة الذكر، مثل رفيق درب للرئيس بامتياز.

بلحية شعثاء وشعر كثيف، وكذلك شامة الجبين الداكنة التي تنبئ باحتكاك دؤوب بحجر الصلاة، يستنهض هارندي أطروحات من القاموس العتيق، يستشهد بفوكوياما وهنتينغتون كمنظريْن طلائعيين لصراع حضارات يفتعله الغرب من الواجب على إيران وأصدقائها أن يتصدوا له.

غير أن مثل هذه الطقوس التي يفرضها النظام الجديد لا تسمح إلا في نطاق محدود باستخلاص أحكام حول الأوضاع الثقافية في مجملها؛ خاصة وأن الغرب برؤيته المشوّهة يحبذ بدوره تأويل الأشياء من منطلقه الخاص. ما من شك في أن الموقف المتصلب الجديد تجاه التأثيرات الغربية التي توسم بطابع المفسِد (كـ"إمبريالية ثقافية") يمثل ضربة قاسية لكل سيرورة ليبرالية، لكنها لا تعني البتة استقرار ستالينية ثقافية شاملة.

وإيران في الحقيقة لا تكتفي بمجرد تركيز نظرها على الغرب على طريقة الأرنب الذي يراقب الثعبان، فقد قدم مهرجان الفجر على مائدته، إلى جانب بعض المفتّحات الهوليوودية، لائحة متعددة الأصناف من السينما العالمية من بينها عرض استذكاري لسينما أميركا اللاتينية وسلسلة من أشرطة السينما الصينية وكذلك عرضا شاملا لأعمال المخرج الياباني العريق يوجي يامادا.

هناك أمر آخر مثير للحيرة في ما يبدو ظاهريا كمواجهة بين جبهات واضحة المعالم: ففي الوقت الذي تشحن السياسة الخارجية فيه عدتها الحربية الثقيلة بدا المهرجان بالمقارنة منفتحا على العالم، وقد دعا نجم الإخراج السينمائي فولكر شلوندورف ليكون رئيسا للجنة التحكيم العالمية.

وكان هذا الأخير قد فاز في الدورة الماضية بحصاد عدد كبير من الجوائز الممنوحة لأشرطة السينما العالمية، وبالذات عن طريق شريط "اليوم التاسع" وهو فيلم عن المحتشدات النازية لا يقلل البتة من حجم الإبادة (الهولوكوست).

صحيح أن ذلك قد حدث في ظل حكم الرئيس خاتمي، لكن العلاقات الثقافية الإيرانية الألمانية قد توثقت وتدعمت أكثر في الأثناء. ففي أواخر سنة 2005 سافر ديتر كوسليك رئيس مهرجان برلين السينمائي إلى طهران بهدف الدفع بعملية تعاون أوثق بين المهرجانين.

وقد جاءت الظروف ملائمة لهذا المشروع، ذلك أن الدورة الحالية للمهرجان قد وافقت في هذه السنة حلول شهر محرم الهجري وهو شهر حداد، فتم بالتالي تقديم موعدها. وقد سهل هذا الأمر الحصول على ست أعمال من برنامج الفجر لمهرجان برلين السينمائي. ولأول مرة منذ أكثر من ثلاثين سنة تكون إيران ممثلة داخل المسابقة الرسمية للمهرجان بشريطين في نفس الوقت.

أما كيف ستكون الأمور في السنة القادمة فذلك ما سيظل مؤقتا من مشمولات علم الغيب.

أمين فرزانفار
ترجمة علي مصباح
حقوق الطبع قنطرة 2006

قنطرة

عصا الرقابة فوق رؤوس الجميع
تعيش ايران منذ وصول الرئيس الايراني الجديد محمود أحمدي نجاد ردة ثقافية جعلت العديد من المثقفين والفنانين يغادرون ايران، هربا من عصا الرقابة المرفوعة فوق رؤوسهم. هذه المحرمات سوف تترك الكثير من الأثر على الحياة الثقافية في ايران

السينما الإيرانية
تحصد الأفلام الإيرانية منذ سنوات في العديد من المهرجانات السينمائية الدولية جوائز متميزة. قنطرة تتناول في الملف التالي سر هذا النجاح وتطرح السؤال عن جودة السينما الإيرانية

www

مهرجان فجر

ملفات خاصة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.