نعم.. لنتخلص منهم، فذاك ارحم بهم ولهم. ربما كانت إسرائيل مصيبة الفلسطينيين الأولى والكبيرة، لكنها لم تكن الأخيرة ولا الأكبر. فقد اصبح قدر كل فلسطيني، خاصة حامل الوثيقة، أن يكافأ على ما حل بأرض أجداده، بأن يعيش فوق ارض عربية أخرى كطفح جلدي. منذ أكثر من ستين عاما تناسل خلالها جيلا وراء جيل ما زال يعامل في كل وطن عربي كغريب أتى بالأمس إلى المضارب.

 إنسان كامل فيه كل صفات البشر، مع هذا لا يمكن أن يصبح جزءا من النسيج الاجتماعي لأي مجتمع عربي. ولا أحد يعرف لماذا؟ يقولون ان فلسطين يجب ان لا تنسى وأن لا يموت حلم العودة أبدا.

حلفتكم بالله، من يعلم متى ستعود فلسطين، ثم من هو الذي يحارب كي تعود؟

ابو مازن قال في مقابلة إن الجامعة العربية لم تقرر يوما منع أي فلسطيني من الحصول على جنسية بلد عربي يعيش عليه. من قرر اذا؟ إن كان القرار فرديا اتخذته كل دولة عربية على حدة، فالسؤال هو لماذا؟ والسؤال الأهم الى متى؟

كلنا يعلم أن فلسطين لن تعود بغمضة عين. وان قدر ان تعود فليس الآن ولا غدا أو بعد غد. هل يعني هذا أن يبقى الفلسطيني، حامل الوثيقة، أسير وطن عربي يحاسبه على كل تحرك وكأنه وافد الى هذا الوطن بالأمس فقط.

أصدرت مصر وثائق للفلسطينيين، مع ذلك يمنع الفلسطيني من دخول مصر قبل الحصول على تصاريح قد تستغرق عدة أشهر.

سوريا عملت الشيء ذاته. حتى الأردن الذي يفوق الفلسطينيون  فوق ترابه عدد الأردنيين، يحضر على حامل الوثيقة الدخول اليه بلا تصاريح الله وحده يعلم كيف يمكن الحصول عليها.

في السعودية جالية فلسطينية لعلها الأكبر والأقدم أيضا. تناسلت على مدى ثلاثة أجيال، بل وأربعة وخمسة. لا يعرف أي من أبنائها غير السعودية وطنا، مع ذلك كلهم غريب، وعرضة للمغادرة والترحيل في اي وقت.

لاجئون من فلسطين في سوريا: ضحية الحروب الأهلية والصراعات الاقليمية
لاجئون من فلسطين في سوريا: ضحية الحروب الأهلية والصراعات الاقليمية. وان كانت إسرائيل قد جردت الفلسطينيين من أرضهم، فقد جردت الدول العربية الفلسطينيون من إنسانيتهم

 

لماذا لا يتم توطين الفلسطينيين فوق تراب لا يعرفون سواه وطنا؟

هل في ذلك خيانة للقضية الفلسطينية أكثر من تجاهلنا للقضية نفسها؟

هل في توطينهم نسيان للوطن الأم؟

 كثيرون من أبناء الدول العربية يحملون جنسية أوروبية أو كندية أو أمريكية، فهل نفى هذا وطنيتهم او أنساهم وطنهم الأصلي؟

اذكر عندما كنت أعيش في لندن إن الفلسطينيين الذين التقيت بهم، وكلهم يحمل جنسية بريطانية، كانوا أكثر ولاء لفلسطين من المقيمين في فلسطين ولبريطانيا من البريطانيين أنفسهم. ولائهم لفلسطين لأنها الرحم الأول، وولائهم لبريطانيا لأنها الحاضنة التي احتوتهم كمواطنين فوق أرضها.

لا تنسيهم جنسيتهم البريطانية فلسطين، لا تنسيهم فلسطين جنسيتهم البريطانية.

معظم الفلسطينيين في العالم يحملون درجات علمية مرموقة، وعلى رأسهم أولئك الذين يعيشون في العالم العربي. لن تجد بينهم لصا أو متسولا، ولم تعد السياسة تشغلهم. حياتهم عمل، ويملكون المرونة للبراعة في أي منصب من الطب الى ميكانيكا السيارات، فلماذا لا نستفيد من مهارتهم والأهم إن نستفيد من ولائهم لأرض أعطوها ربما أكثر مما أعطاها أبنائها أنفسهم؟

لقد تعبت فلسطين من الانتظار، وتعب الفلسطينيون من انتظارنا. وان كانت إسرائيل قد جردت الفلسطينيين من أرضهم، فقد جردت الدول العربية الفلسطينيون من إنسانيتهم.

 

هاني نقشبندي

 

حقوق النشر: هاني نقشبندي  2013

 

موقع قنطرة ينشر هذا المقال بالاتفاق مع الكاتب. 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة

تعليقات القراء على مقال : لماذا يجرد العرب الفلسطينيين من إنسانيتهم؟

لقد كتبت حول هذا الموضوع مرتين الأولى كانت عام 1998. وقلت أن بعض الدول العربية تمارس سياسة نفاقية تجاه الفلسطينيين، مثل تلك البلدان تنعم بدكتاتورية مفجعة، وتتستر بوطنية زائفة، في ظل ضعف وفساد مريع. في مثل تلك البلاد يعامل الفلسطيني أسوأ معاملة بحجة المحافظة على القضية الفلسطينية. وتساءلت هل اللاجئ المحشور في خيمته، محروم من أي وظيفة، ومن أي فرصة لتحسين حياتة، عرضة للفقر، والمرض، والجهل: هل هذا هو الإنسان الذي تحافظ الدول العربية عليه من أجل تحرير فلسطين؟!! أم أن هذا الإنسان الذي تتخوف منه وتفرض عليه العيش في ظل تمييز وعنصرية متخلفة ووحشية وبربرية مشينة؟ وضربت مثلا بالإسرائيليين، وقلت كل إسرائيلي يحمل أربع أو خمس جوازات، ولا حظر عليه أن يحمل جوازات كل الدنيا، فهذا لن يقلل من انتماءه لإسرائيل أو يهوديته، بل يفتح أمامه كل الأبواب للثراء، والتعلم، والاستثمار، والاطلاع على ما أنتج العالم من إبداعات. في حين توضع أما الفلسطيني بوابات حديدية لا تفتح أبدا إلا إذا تسلقتها العمالقة وخرجت من القمقم المسمى بلدا عضوا في الجامعة العربية.
ثم، هل الفلسطينيون الذين يعيشون في المهاجر أقل وطنية من اولئك المحنطون في مخيمات العربان منذ عام 1948. رحمة الله على جلالة الحسين الذي عرف بحكمته سر النهوض، فوحد الضفتين، أو حافظ على وحدة الضفتين، وفتح الآفاق للأردنيين من الضفة أو من شرق الأردن.
لعلمهم يفقهون.

ساطع غريب الحاج08.06.2014 | 22:44 Uhr

الصفحات