ولدتُ في عائلة كردية. ونحن كأكراد لا نتمتع بدولة مستقلة، بل تفرض علينا بطاقات هوية عراقية أو إيرانية أو تركية أو سورية. نحن لاجئون في وطننا. باستثناء العراق، حيث أصبحت الكردية لغة رسمية بعد خلع نظام صدام حسين عام 2003، لا تحظى الكردية بالصفة الرسمية ولا يسمح باستخدامها في البلاد التي نسكنها حاليًا. لا خيار أمامنا سوى تعلم لغة أجنبية. وبالتالي أصبحنا غرباء في هذه اللغات الثانية.

"تأنفل"

أولى مواجهاتي مع اللغة الثانية كانت مع العربية، لأننا كان علينا تعلم العربية في العراق. كان أبي "تأنفل"، أي قتل في حملة الأنفال عام 1988، المذبحة التي ارتكبها نظام البعث في حق الأكراد ليحل "المسألة الكردية" في العراق من جذورها. لم أره قط، فقد كان عمري ثلاثة أشهر عندما "تأنفل". عندما سمعت كلمة أنفال للمرة الأولى، كان وقعها مربكًا وغريبًا. 

{تجربة الغربة لا تقتصر على السفر إلى الخارج بل قد تحدث في إطار الوطن أو العائلة.}

امرأة جالسة بين قبور ضحايا حلبجة - كردستان العراق.  Foto: Reuters
مطالبة برلين بالاعتراف بهجوم حلبجة كـ"جريمة إبادة جماعية": إبان الذكرى الثلاثين (2018) للهجوم الكيماوي على مدينة حلبجة الكردية في كردستان العراق طالبت جمعية حقوقية في ألمانيا برلين بالاعتراف بالهجوم كـ"جريمة إبادة جماعية" والاعتذار عن مشاركة شركات ألمانية في برنامج الأسلحة الكيماوية العراقي. يذكر أن الهجوم الكيماوي على حلبجة في عهد صدام حسين أسفر عن مقتل ما بين 3500 إلى 5000 شخص، وفقا لمصادر مختلفة، فيما قدر عدد المصابين بـحوالي 10 آلاف شخص.

{حين يعيش الإنسان في مجتمع جديد ويتعلم لغة جديدة يكون عليه إعادة بناء نفسه من الصفر على حساب ذاته القديمة: أن يقصيها جانبًا، وفي نفس الوقت عليه أن يتحرى ذاته الجديدة.} 

لم أفهمها لأنها كلمة عربية إسلامية من القرآن (بمعنى غنيمة). لكني أدركت أنها مرتبطة بغياب أبي وموته. بالنسبة لي كانت "أنفال" مرادفًا لغياب الأب. سمعت كلمة "أنفال" مرة أخرى في المدرسة في دروس التعاليم الإسلامية. في هذه الدروس كان علينا حفظ آيات من القرآن، نتعلم من خلالها رسم الكلمات دون فحواها. تطاردني كلمة "أنفال" حتى يومنا هذا. تؤثر على رؤيتي للغة العربية، وتزيد من شعوري بالغربة في هذه اللغة. 

كانت تلك الذات الجديدة في مرحلة الطفولة، في ذلك الوقت كنت قيد الإنشاء. بداخلي تواجهت لغتي الأم وذاتي القديمة مع اللغة الثانية وذاتي الجديدة. من ناحية، شرعت في رحلة جديدة أبحث فيها عن ذاتي الجديدة من خلال اللغة الجديدة، بلا خسائر ولا مكاسب. ومن ناحية أخرى كانت ذاتي القديمة تتشبث بي في لغتي الأم، كنت معلقًا فوق هوة سحيقة تفصلهما.
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : اللغة الأم موطن الكينونة وأقصى درجات القوة

اهميه لة الام

جبريل ابو اواب16.02.2019 | 21:31 Uhr