قلة ضئيلة من هؤلاء الفاعلين الدينيين الأصوليين (نحو 10 في المئة) كان لديها اطلاعٌ على برامج قائمة لإعادة تأهيل الأشخاص المرتبطين بمجموعات إرهابية. غير أن أكثرية منهم (79 في المئة) اعتبرت أن هناك حاجة إلى برامج لإعادة التأهيل، وأشار 91 في المئة إلى أنهم سيدعمون مثل هذه البرامج في حال تطبيقها في مجتمعاتهم المحلية. في حين أن هذا الشعور لا يُمثّل بالضرورة المجتمع بكامله، نظراً إلى تركيز الدراسة على الفاعلين الدينيين فقط، إلا أنه يؤشّر إلى أنه من الممكن أن تلقى برامج إعادة التأهيل دعماً في أوساط القطاع الديني. 

بيد أن 44 في المئة فقط من المجيبين اعتبروا أنه من شأن هذا النوع من العمل أن يحصل على الدعم من القادة الآخرين في مجتمعاتهم المحلية. بالطبع، ترتفع أصواتٌ داخل المجتمع المدني مناهِضة لإعادة الدمج، إنما ليس واضحاً حتى الآن ما هي الأصوات التي تُمثّل انطباعات الرأي العام.

في مؤشر لافت، قال 46 في المئة فقط من المجيبين إنه على جهات في الدولة، سواءً الحكومة الفدرالية أو القوى الأمنية، أن تتولّى إدارة برنامج إعادة التأهيل. غير أن أكثرية ضئيلة فضّلت مقاربةً تقودها جهاتٌ من المجتمع، سواءً كانوا فاعلين دينيين (34 في المئة)، أو منظمات أهلية (15 في المئة)، أو غير ذلك (5 في المئة). من شأن الفاعلين الدينيين أن يُؤمّنوا المشورة، أو يحشدوا الدعم الشعبي ضمن مجال نفوذهم، أو يشكّلوا نقطة الاتصال بين برنامج إعادة التأهيل والمجتمع المحلي. وسوف ترتدي هذه الأدوار أهمية محورية داخل المجتمعات الأصولية، التي تفرض على نفسها عزلة ذاتية في معظم الأحيان، والتي اختير منها المجيبون.

استطلاع للرأي وإحصائية حول: مقاربة مجتمعية لإعادة تأهيل الجهاديين في تونس - عزل الجهاديين العائدين إلى تونس يعيدهم إلى التشدد
"في مقابل كل [متطرف] يُزَجّ في السجن، يظهر عشرة آخرون كانوا سايقا مجرمين غير عقائديين": تعاني السجون التونسية من التخمة في الأعداد التي تفوق قدرتها على الاستيعاب، ومن شأن تدفق مئات السجناء المحكومين بتمضية فترات طويلة في السجن أن يتسبب بإنهاك المنظومة، ويُسهّل انتشار الأيديولوجيات المتشددة في صفوف المجرمين غير العقائديين. يقول باحثٌ وناشط في المجتمع المدني: "وفقاً لتجربتي الشخصية، في مقابل كل [متطرف] يُزَجّ في السجن، يظهر عشرة آخرون؛ لا سيما عندما يوضَعون في السجون نفسها مع المدانين بارتكاب جرائم ضد الدولة".

فضلاً عن ذلك، تُظهر الإجابات أنه على الرغم من أن الدولة تحتكر راهناً المسائل المتعلقة بالتطرف، إلا أن الثقة بقدرتها على قيادة جهود إعادة التأهيل، محدودة. ففي حين أن الحفاظ على الأمن العام في البلاد يفرض على الحكومة التونسية أداء دور قيادي في الإشراف على إعادة دمج المقاتلين الأجانب، من المهم أن يحصل الفاعلين غير الحكوميين على التمكين اللازم للمساعدة في الجهود الآيلة إلى إعادة تأهيل الأشخاص الذين لا يمكن أو لا يجب إدانتهم على الفور في تهمٍ إرهابية. 

وبغض النظر عن الجهة التي ستتولّى قيادة البرامج، يحتاج العائدون إلى مجموعة متنوّعة من الدعم المتخصص والمكيَّف بحسب احتياجات الأشخاص – بما في ذلك الرعاية النفسية، والتدريب على الوظائف، والمشورة الدينية – والذي يذهب أبعد من إمكانات القوى الأمنية أو تفويضها. والجهة الأفضل لتقديم هذا الدعم تتمثّل بالمنظمات والنشطاء الذين هم جزء من المجتمعات المتضرّرة، مع حصولهم على الدعم من الحكومة.

أهمية التفاعل مع عائلات العائدين وأصدقائهم

يكتسب دور القادة الدينيين، على وجه التحديد، قيمة لا تُقدَّر بثمن في مساعدة المجتمعات المحلية على تحقيق المصالحة مع العائدين – وهي خطوة ذات أهمية كي لا يواجه هؤلاء من جديد التهميش ومحدودية الفرص اللذين دفعا بهم، في الأصل، إلى الذهاب إلى الخارج. ويقتضي ذلك التفاعل مع عائلات العائدين وأصدقائهم الذين يمكن أن يُشكّلوا مورداً أساسياً في إعادة تأهيلهم، أو أن يمارسوا عليهم تأثيراً يدفع بهم نحو التشدّد وهو أمرٌ يجب التنبّه له وأخذه في الاعتبار.

بالطبع، ينبغي على المسؤولين السياسيين وقادة المجتمع المدني في تونس أن يتوخّوا الحذر كي لا يساهموا في تأجيج التشنجات الاجتماعية عن طريق خطابهم أو رسائلهم العلنية. إنما لن يكون بالإمكان بناء الشراكات التعاونية الضرورية من أجل استراتيجية ناجحة لإعادة الدمج إلا عندما تُحدّد الدولة أولويات وطنية واضحة.

 

 

أندرو مكدونيل
حقوق النشر: مركز كارنيغي للشرق الأوسط 2018

ar.Qantara.de 
* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.
أندرو مكدونيل باحث ومحلل في المركز الدولي للدين والدبلوماسية (ICRD) في واشنطن.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.