مشهد من الحياة اليومية في العاصمة الليبية:

لعنة النفط في يوميات طرابلس تحت وطأة الحرب

 تغيرت ملامح الحياة في طرابلس كليا منذ بدأ حلف الناتو عملياته في ليبيا. هروب العمالة المهاجرة وخوف سكان طرابلس من المجهول، حوَّل حياتهم اليومية إلى معاناة مردُّها لعنة النفط، كما يقول الكاتب الليبي مصطفى فيتوري.



إيقاع الحياة في العاصمة الليبية طرابلس تغير بشكل شبه كامل عما كان عليه قبل اندلاع "ثورة17 فبراير/شباط" في بنغازي وبداية الحرب التي تلتها. وككل مدينة في حالة حرب تعيش طرابلس حالة من الانتظار الممل لما هو قادم، ويجد أهلها انفسهم في وضع جديد لم يعتادوه أو يستعدوا له. وفي الأيام القليلة التي تلت يوم 17 فبراير الماضي، خلت المدينة في بعض الأحيان من أي مظاهر للحياة وبدت مهجورة تماما وفقدت خلال أيام قليلة كل ما كان يميزها: غاب الأمن واختفت شرطة المرور من الطرقات وأقفلت مراكز الشرطة المدنية وأغلب المحلات التجارية وبعض المخابز والصيدليات. وسيطرعلى أجواء المدينة الخوف وانتشرت الإشاعات والتزم السكان بيوتهم في حالة ارتباك خشية من المجهول، فيما بدا وكأنه عصيان مدني غير معلن وغير منظم، إلا انه لم يٌسجل ارتفاع في الجرائم التي تتفشى في مثل هذه الأحوال.

يوميات طرابلس تحت الحرب

الصورة د ب ا
"إن الثروة و النعيم يمكن أن تكون نقمة على أهلها"

​​المركز التجاري في الحي الذي أقيم فيه، يقع على بعد خمسمائة متر من بيتي، ويبعد عن وسط العاصمة خمس كيلومترات، كان يضج بالحياة وتزدحم فيه حركة المرور وتنتشر شمال الشارع الرئيسي فيه محلات الملابس والحلاقين. في حين يتركز الجزَّارون و باعة المواد الغذائية، جنوبه ويوجد به أكثر من خمسة حلاَّقين ومحطتي بنزين وعدد اكبر من الورش ومحلات الصيانة وأربع مخابز. كان الحي يعد أحد أنشط المراكز التجارية في طرابلس، وفجأة بدا خاليا من المارة والمحلات مقفلة واختفى المتسوقون وأقفلت الورش كلها.

من بين المخابز الأربع لا يعمل إلا اثنان بنصف طاقتهما العادية، الأمر الذي يعني أن تنتظر في طابور الخبز ربع ساعة على الأقل، بينما تفتح مخبزة ثالثة ساعات الضحى بابها الخلفي ليس لبيع الخبز وانما لبيع الدقيق بأضعاف ثمنه الأصلي المدعوم أصلا، محققا ربحا يفوق ربحه من بيع الخبز لأيام عديدة. وفي النصف الأخير من شهر مارس/آذار الماضي قضيت ثلاثة أرباع الساعة أبحث عن حلاق، وحين عثرت عليه في وسط المدينة انتظرت ثلاث ساعات كاملة لكي أحلق شعري وكان بالمحل الصغيرعامل واحد، وحين غادرته في السابعة مساء كان عدد الزبائن المنتظرين قد تجاوز العشرة نصفهم يقف خارج المحل لقلة الكراسي داخله وضيق مساحته. أما الحصول على اسطوانات غاز الطبخ فهي معاناة من نوع خاص، إذ عليك أن تنتظرما لايقل عن ساعة وأنت تجرجر أسطوانة الغاز الفارغة وهي ليست بالخفيفة، وحين تستبدلها بأخرى ممتلئة سيكون عليك دحرجتها أو حملها الى حيث تركت سيارتك التي ستكون بسبب الازدحام حتما بعيدة عن مخزن توزيع الغاز. الملاحظ ان سعر أسطوانة الغاز لم يرتفع لدي المخازن التابعة للدولة في حين بلغ سعره خارجها عشرة أضعاف.

ثقافة الحرب

الصورة ا ب
أشبه ما يكون بالعصيان المدني في العاصمة الليبية

​​

إنها ثقافة الحرب التي لا تعرفها طرابلس العاصمة الليبية ولعنة النفط التي ألمت بالشعب كغيره من الشعوب التي توارثت الكسل وتعفف أبناؤها عن أداء الكثير من الأعمال الخدمية، بسبب الوفرة المالية من النفط فصارت تعتمد على الأجانب في كل شيء تقريبا وحين غادر مئات الآلاف من العمال الوافدين المدينة بدت خالية الا من سكانها الذين التزموا بيوتهم.
إن الثروة و النعيم يمكن أن تكون نقمة على أهلها. فالنفط مكَّن الليبيين من العيش في رخاء بنسب متفاوتة مما جعل فكرة ثقافة الحرب أو الأزمات الكبرى لا تشغل تفكيرهم كثيرا. إلا أن طول فترة الأزمة وحتى مع استمرار القصف الجوي على المدينة، جعل الكثيرين يدركون أن لا خيار أمامهم إلا العمل وفي أي مهنة كانت، بل أن الكثير من الشباب يتطوعون لتنظيف الشوارع والحدائق وهي مهنة كانت تتولاها العمالة الافريقية الوافدة.

أما أزمة البنزين في بداياتها فكان سببها الرئيسي خروج العمالة من ليبيا، فالذين يديرون محطات وقود السيارات جلهم من الأفارقة في حين لا يمارس الليبيون إلا الأعمال الإدارية في تلك المحطات المملوك أغلبها للدولة في حين يملك الأفراد القليل منها. ومع زيادة القصف الجوي من قبل النيتو وما يولده من خوف وخطر في تنقل صهاريج الوقود إلي المحطات، بات أغلب ملاَّكي محطات الوقود يرفضون فتح محطاتهم أمام السائقين مما فتح المجال واسعا أمام تجار الحرب ليحققوا أرباحا طائلة من جراء تهريب الوقود وبيعه خارج المحطات، حيث يٌباع بمائة وخمسين درهما (حوالي 8 سنتات اوروبية) للتر ليبلغ سعره في السوق السوداء ما بين ستة الآف وثمانية آلاف درهم أي حوالي أكثر من أربعين ضعفا، بل إن حالة القلق دفعت بالبعض إلى تخزين الوقود في صهاريج في بيوتهم رغم خطورة الأمر.
ومع أن الشركات الموزعة للوقود اتخذت إجراءات تنظيمية من قبيل تخصيص محطات لذوي الاحتياجات الخاصة وأخرى للنساء وثالثة لسيارات الأجرة و تحديد الكمية المبيعة لكل سائق بحد أقصى أربعين لترا في الأسبوع، إلا أن النقص بدا حادًّا لأسباب عدة على رأسها الحظر وتهريب الوقود خارج المحطات وإغلاق عدد منها.

اختفاء الحرفيين

الصورة خاص
الكاتب مصطفى الفيتوري حائز على جائزة سمير القصير لعام 2010

​​ولعل تفشي ثقافة الاستهلاك في السنوات الأخيرة نتيجة السهولة النسبية في الحصول على المال المتأتي من النفط، أدى إلي انتشار ثقافة الكسل والاعتماد الكلي تقريبا على الأجانب في كافة المهن التقنية، من صيانة السيارات إلى إدارة محلات الخضار وحتى محلات بيع السجائر التي يسيطر عليها المصريون، إلى محلات بيع أسطوانات الغاز التي يهمين على أغلبها الأفارقة في حين ينفرد السوريون بأعمال الصيانة المنزلية و بعض أنواع المخابز التي تقدم أصنافا معينة من الخبز.
ويتولى التونسيون خدمات أكثر حرفية كالنجارة واللحام المنزلي. وقد قضيت شهر مارس/آذار الماضي كله تقريبا أبحث عن فني لحام ليستبدل لي بابا حديدا، وفي النهاية عثرث على ضالتي عند الورشة الوحيدة التي تعمل في الحي الصناعي حيث توجد عشرات الورش المقفلة في حي صلاح الدين جنوب طرابلس، وهو الحي الدي ذاع اسمه بسبب قصف بعض المواقع فيه من قبل النيتو عدة مرات في أبريل/نيسان الماضي.

وما كنت لأعرف تلك الورشة لولا أن صديقي النجار التونسي علي القابسي قد دلني عليها، ومضى على وجود علي في طرابلس أكثر من عشر سنوات حتى صار معروفا جدا كأمهر النجارين ولم يغادر ليبيا رغم أن زوجته وأولاده في تونس. إلا أن شريحة العمالة التي اختفت نهائيا هم من العمال الأفارقة، الذين كانوا يتخذون من بعض الشوارع مكانا للعمل في إصلاح الأحذية وخياطة الأشياء الصغيرة ونظرائهم ممن كانوا يجلسون في بعض تقاطعات الطرق الرئيسية انتظارا لفرصة عمل يدوي منزلي في أغلب الأحيان.

محلات لم تغلق رغم الحرب
وبحلول منتصف أبريل بدأت الحياة تعود إلى طبيعتها جزئيا إلا أن بعض المحلات التجارية ظلت مقفلة، اللهم إلا محلات الملابس التي بقيت مفتوحة أغلب الوقت لأن العاملين فيها هم غالبا أصحابها او أبناؤهم وأقاربهم من المتفرغين لهذه الأعمال، ولكن من يشتري الملابس في زمن الحرب؟ فقد اشتكى لي أحد أصحاب محلات الملابس في الحي أنه لم يبع قطعة واحدة في شهر كامل في حين عليه دفع إيجار المحل شهريا وهو مبلغ كبير نسبيا.
ويمارس المعارضون خفية دعوة للعصيان المدني، إذ يترددون على المحلات التجارية ناصحين أصحابها بأن يقفلوا محلاتهم كما يقومون أحيانا بتوزيع منشورات سرية ليلا تدعو التجار وأصحاب الورش إلى الامتناع عن العمل إلا أن الظروف المعيشية التي تزداد صعوبة و استمرار الأزمة أطول مما توقع الكثيرون دفعت بالناس إلى العودة التدريجية إلى أعمالهم فعادت بعض المقاهي للعمل وزاد عدد الصيدليات العاملة في طرابلس.

مصطفى فيتوري - طرابلس
مراجعة: منصف السليمي
حقوق النشر: دويتشه فيله 2011

مصطفى الفيتوري رئيس قسم ادارة الأعمال في أكاديمية الدراسات العليا، طرابلس/ ليبيا.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
ملفات خاصة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.