يُقال إن الملك فيصل العاهل الأسبق للمملكة العربية السعودية أسَرَّ في أوائل سبعينيات القرن العشرين إلى كبار أعضاء العائلة المالكة تخوفه من أن يكون مصير المملكة، كما انتقلت من "ركوب الجمال إلى ركوب سيارات الكاديلاك الفخمة في غضون جيل واحد... أن يعود في الجيل القادم إلى ركوب الجمال مرة أخرى". واليوم تبدو تحذيراته أكثر حضوراً من أي وقت مضى.

تذمر داخلي وتوتر خارجي وتدهور في النفوذ السياسي

إن المملكة العربية السعودية، التي طالما كانت من بين أكثر المجتمعات جموداً في العالم العربي، تجد نفسها الآن في حالة سائلة من التغير المستمر. فقد توترت علاقاتها بشدة مع الغرب ــ ومع الولايات المتحدة بوجه خاص ــ في خضم الاضطرابات التي أفلت زمامها في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بفعل الربيع العربي. ومن ناحية أخرى، رفعت مجموعة من النساء أحدث علامة تشير بتحديها حظر المملكة لقيادة النساء للسيارات إلى حجم التذمر الداخلي.

ورغم أن المملكة العربية السعودية تظل الدولة صاحبة أضخم اقتصاد في العالم العربي، وأكبر دولة منتجة ومصدرة للنفط على مستوى العالم، وراعية الإسلام السُنّي، فقد تضاءل نفوذها السياسي بشكل ملحوظ في الأعوام الأخيرة. فمنذ أوائل ثمانينيات القرن العشرين وحتى منتصف عقد ما بعد سنة الألفين، كانت المملكة تضطلع بدور المنسق لسياسات المنطقة العربية بالكامل، وكان القصر في الرياض ومدينة جدة يجتذب الزعماء السياسيين من مختلف أنحاء العالم العربي.

الرئيس الفرنسي فرنسوا والعاهل السعودي عبد الله بن عبد العزيز في الرياض بتاريخ 29 ديسمبر/  كانون الأول 2013
يعتبر الدعم العسكري السعودي للبنان هو الأكبر من نوعه في تاريخ الجيش اللبناني على الإطلاق. إذ أعلن الرئيس اللبناني ميشال سليمان الأحد (29 ديسمبر/ كانون الأول 2013) التزام السعودية بتقديم مساعدات عسكرية إلى الجيش اللبناني بقيمة ثلاثة مليارات دولار على أن يتم شراؤها من فرنسا. وتعهد الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند في مؤتمر صحفي عقده في اليوم ذاته في الرياض بـ"تلبية" طلبات تسليح الجيش اللبناني.

البروز القطري وفقدان الزخم السعودي الإصلاحي 

ولكن غرف الاستقبال ظلت منذ ذلك الحين خاوية بشكل ملحوظ. فقد حلَّت قطر ــ بثروتها التي تبدو وكأنها لا تنضب أبداً واستراتيجيتها الخارجية والاستثمارية والإعلامية الشاملة ــ محل المملكة العربية السعودية، باعتبارها الحاكم الفاصل في كل صراع تقريباً في الشرق الأوسط.

وقد ساهم تدهور نفوذ المملكة على الصعيد السياسي في شعور متزايد بالتراجع الوطني.

 والواقع أن جهود الإصلاح التي يبذلها الملك عبد الله ــ وخاصة تلك التي تهدف إلى الحد من سلطة المؤسسة الدينية السلفية الوهابية الشديدة التحفظ ــ فقدت زخمها، ثم ازداد الطين بلة بوفاة اثنين من أولياء العهد لتتعقد عملية انتقال السلطة بين الأجيال.

تحديات اقتصادية ومواجهات مع الشيعة وحذر من التمكين الشعبي

ورغم نجاح زعماء السعودية في شراء دعم الطبقة المتوسطة من خلال تخصيص نسبة كبيرة من عائدات النفط لبرامج الرعاية الاجتماعية الموجهة ودعم الائتمان، فلا يزال الفقر المنتشر على نطاق واسع والتفاوت الهائل بين الناس في الدخل قائما. وعلى نحو متكرر، يتحدى المسلمون الشيعة في المنطقة الشرقية الغنية بالنفط الحظر الذي تفرضه المملكة ضد المظاهرات المناهضة للنظام. كما تبين أن الحملة السعودية ضد الحوثيين الشيعة في اليمن فاقت في طولها وتكاليفها كل التوقعات.

وإزاء هذه الخلفية، يظل زعماء السعودية حذرين بشكل واضح من التمكين الشعبي واختلال النظام العربي الذي هيمنوا عليه طيلة العقود الثلاثة الماضية. وبالنسبة للوهابية السعودية، التي تُمنَح الأسرة المالكة بموجبها السلطة المطلقة بحكم التفويض الديني، تمثل أشكال الإسلام السياسي المبتكرة التي تضفي الشرعية على التمثيل الحقيقي تهديداً استراتيجياً واضحا.

محمد مرسي الرئيس المصري المنتخب الذي أطاح به الجيش.  Foto: Getty Images
"ساعدت السعودية في الحد من صعود الإسلام السياسي في شمال إفريقيا، عن طريق تأييد ودعم الإطاحة بالرئيس المصري محمد مرسي على سبيل المثال"، كما يذكر طارق عثمان. ففور عزل الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي والإعلان عن تعيين حازم الببلاوي رئيسا للوزراء قررت السعودية والإمارات تقديم مساعدات مالية لمصر بلغت 8 مليارات دولار، بين ودائع نقدية ومنتجات نفطية.

على مدى العام الماضي، كانت الأسرة السعودية تركز على العديد من هذه التحديات. فأجرى الملك عبد الله تغييرات كبيرة على هيئة العاملين في وزارات الدفاع والداخلية والخارجية والاستخبارات، ومَنَح صلاحيات عريضة لاثنين من الأمراء من ذوي الخبرة ــ بندر بن سلطان، الذي كان سفيراً إلى الولايات المتحدة لأكثر من عقدين من الزمان، ومتعب بن عبد الله نجل الملك وقائد الحرس الوطني لفترة طويلة.

كما سعت الحكومة إلى اجتذاب الاستثمار الأجنبي وتشجيع التنوع الاقتصادي. والآن تمد بعض فصائل الأسرة السعودية يدها ــ ولو بحذر ــ إلى الناشطين في مجال الحقوق المدنية، في محاولة لإشراكهم في الحوار بشأن مستقبل البلاد.

السعودية ضد الإخوان المسلمين والأسد والحوثيين

فضلاً عن ذلك، ومن أجل مكافحة النفوذ الإيراني في شرق البحر الأبيض المتوسط، زادت المملكة من دعمها لحلفائها في العراق والأردن ولبنان، كما حملت على عاتقها فعلياً المسؤولية عن تمويل وتسليح وتوجيه المعارضة السورية وقوات المتمردين.

وساعدت في الحد من صعود الإسلام السياسي في شمال إفريقيا، عن طريق تأييد ودعم الإطاحة بالرئيس المصري محمد مرسي على سبيل المثال. ومن خلال الجمع بين حوافز إيجابية وأخرى سلبية، نجحت المملكة في كبح وتحجيم التهديد الذي يفرضه الحوثيون في اليمن.

تآكل تدريجي للثروات وفشل في التقدم الاقتصادي 

ولكنّ أياً من هذه السياسات لا يعالج التحدي الأساسي الذي يواجه المملكة ــ أو على وجه التحديد، التآكل التدريجي لثرواتها (الواقع أن المملكة العربية السعودية من المتوقع أن تصبح مستورِداً تاماً للنفط بحلو عام 2030).

مصفاة للنفط في المملكة العربية السعودية. Foto: dpa
فشلت المملكة العربية السعودية في التحول إلى اقتصاد متقدم رغم امتلاكها لأحد أكبر احتياطيات الثروات النفطية في التاريخ.

ونظراً لافتقار العديد من القطاعات الاقتصادية إلى القدرة التنافسية وعدم كفاية النظام التعليمي، فسوف يشهد سكان المملكة ــ 70% منهم تحت سن 35 عاما ــ في السنوات المقبلة ارتفاعاً هائلاً في معدلات البطالة.

ويستشعر العديد من السعوديين الفرصة الضائعة؛ فرغم امتلاكها واحدة من أكثر الثروات سيولة في التاريخ، فشلت الدولة في التحول إلى اقتصاد متقدم. ومن المرجح أن يستجيب أبناء الطبقة المتوسطة الكبيرة في المملكة لتضاؤل فرص الازدهار والرخاء بالمطالبة بنظام سياسي أكثر تمثيلا.

والمشكلة أن التحديات الواضحة التي تواجه المملكة تتطلب قدراً من التماسك في المستويات العليا من الحكومة وهو الهدف الذي لا يزال تحقيقه مستعصيا. وعلى حد تعبير الصحفي كريستيان كاريل: "فالقول بأن الظروف التاريخية أو الاقتصادية من شأنها أن تجهز دولة ما للانطلاق على مسار بعينه لا يعني أن ساستها سوف يسلكون ذلك المسار بالضرورة".

اضمحلال اقتصادي لا رجعة فيه وعودة للتشرذم وتسونامي طائفي؟

والواقع أن استمرار غياب التحركات الحازمة من شأنه أن يدفع المملكة بسهولة نحو اضمحلال لا رجعة فيه. ولا شك أن الاقتصاد في مثل هذا السيناريو سوف يضعف تدريجيا، وهذا يعني بالتالي تعويق قدرة الأسرة المالكة على الاستمرار في شراء دعم الطبقة المتوسطة، وفي الوقت نفسه تمكين جماعات المتمردين في الشرق والجنوب من إضعاف سلطة الحكومة. وهذا من شأنه أن يتسبب في خسارة العقيدة الدينية والسياسية الوهابية لقاعدتها بين الشباب وتأجيج الصراع داخل النظام.

وفي نهاية المطاف، قد تنتهي الحال بالمملكة التي وحَّدَها عبد العزيز بن سعود في أواخر عشرينيات القرن العشرين إلى التفكك، وهذا كفيل بأن يجعل من الثمانين عاماً الأخيرة مجرد فترة شاذة في تاريخ شبه الجزيرة العربية الطويل من التشرذم. ومن شأن هذه النتيجة أيضاً أن تحول اليمن وبقية دول الخليج إلى كيانات غير قابلة للحكم، وتسمح للمواجهة السُنّية الشيعية الدائرة الآن في بلاد الشام باجتياح المنطقة بالكامل.

مؤتمر مانحي اليمن في الرياض بتاريخ 23 مايو/ أيار 2012. Foto: dapd
تعهدت مجموعة من 28 من الدول والمنظمات الدولية المانحة، التقى ممثلوها الثلاثاء (الرابع من سبتمبر/ أيلول 2012) في العاصمة السعودية الرياض، بتقديم مساعدات إلى اليمن بمبلغ يقدر بحوالي 6,4 مليار دولار لدعم البلاد خلال الفترة الانتقالية بعد أكثر من عام من الاضطرابات والنزاعات السياسية. وتعتبر السعودية أكبر مساهم في هذه المساعدات، إذ أعلن وزير المالية السعودي إبراهيم العساف مجددا تعهد بلاده بتقديم 3,25 مليار دولار لمساعدة اليمن، كانت السعودية تعهدت بها في مايو/ أيار من العام نفسه.

هل سينجح "الربيع السعودي"؟

ولكن يظل هناك احتمال آخر قائم. فالجيل الجديد من قادة السعودية قادر على تولي زمام الانتقال بالبلاد إلى نظام ملكي دستوري حقيقي، يقوم على منظومة من الضوابط والتوازنات. وقد يفضي نموذج الحكم الأكثر تمثيلا، جنباً إلى جنب مع الحوافز الاقتصادية القوية، إلى إطلاق العنان لإبداع السكان الشباب وديناميكيتهم ــ وتأمين مستقبل المملكة العربية السعودية في هذه العملية.

تتجلى إرهاصات هذا الوعد في الفيلم الأخير "وجدة" ــ الذي كتبته وأخرجته سيدة سعودية ــ وهو يحكي قصة فتاة صغيرة من أسرة تنتمي إلى الطبقة المتوسطة تتحدى الأعراف الاجتماعية السعودية وتدفع كل الحدود فيما تحاول تحقيق إمكاناتها وذاتها. وإذا لم تكن هذه الفتاة الصغيرة هي مستقبل المملكة العربية السعودية، فقد لا تحظى البلاد بأي مستقبل على الإطلاق.

 

 

طارق عثمان

ترجمة: أمين علي     

تحرير: علي المخلافي

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت 2013

 

طارق عثمان هو مؤلف كتاب "مصر على حافة الهاوية: من ناصر إلى مبارك" الذي نُشِر عام 2010، قبل شهرين من اندلاع ثورة 25 يناير 2011 المصرية. ويكتب تحليلات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية معمقة في العديد من الصحف العالمية البارزة.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : هل من ربيع سعودي؟ أم يعود السعوديون لركوب الجمال؟

تقرير سخيف وكاذب ومثير للغثيان ازدهار شبة الجزيرة العربية ليس من اليوم او من مئة عام يا كاتبنا الحسود الجزيرة العربية قامت فيها حضارات قديمة قدم التاريخ فهي ارض الانبياء والتاريخ بل اصل الانسانية باعتراف الدراسات الحديثة ، الجزيرة العربية قامت فيها حضارة العرب البائدة عاد وثمود الذين بنوا اعضم بناء يريدون ان يضاهوا بة الجنة " ارم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد " هذا البناء الفريد من نوعة الذي بني في الاحقاف في الربع الخالي الذي خسف بة رب العالمين لتكبرهم وكفرهم ، جزيرة العرب ارض نبي الله ابراهيم الذي بناء اول بيت بني للناس الكعبة المشرفة ، بنيت عندما كان اجدادكم في الكهوف فالكعبة اول بناء على وجة البسيطة ، جزيرة العرب ارض سيدنا اسماعيل علية السلام وسيدنا صالح وقومة الذين بنوا مدائن صالح في المدينة المنورة وهي مباني عملاقة وعلى طراز رفيع وحضارة عظيمة ، جزيرة العرب خرج منها اشرف الخلق سيدنا محمد صلى الله علية وسلم وال بيتة الطيبين الطاهرين ، جزيرة العرب فيها مكة والمدينة ونجران مدن قديمة قدم التاريخ بالاضافة الى الرياض " اليمامة سابقا " والطائف وتبوك وتهامة ، مدن لها تاريخ قديم جدا ومسكونة وحضارية منذ العصر الحجري كما تفيد الدراسات ، جزيرة العرب خرج منها من غير وجة البسيطة وحكموا العالم من حدود روسيا الى اسبانيا الى اواسط اوربا احفاد الفاتحين الذين حطموا اعظم الحضارات في تلك الحقبة فارس والروم هذا الحضارتين التي كانت تستعبدكم لوقت طويل جدا ، حطمناها ونحن على خيولنا وجمالنا التي نفتخر فيها بالامس واليوم وغدا باذن الله ، من يعتقد انا جزيرة العرب واصل العروبة بتاريخها العظيم بدينها وقدسيتها وعاداتنا وتقاليدنا وثقافتنا وقبائلنا ستتبخر وستبقى الصحراء التي تعايروننا بها وانتم لا تعلمون انها مصدر فخرنا هذة الصحراء التي لم تجعلنا عبيد للحضارات والامم كغيرنا لا تكاد امة او حضارة الا ومرت عليكم واستعبدتكم ، انتم واهمون واهمون ولو ذهب ال سعود وذهب معهم الملايين من شعبنا العظيم سنبقى بحول الله وقوتهة رمز العروبة والاسلام رضي من رضي وحسد من حسد . وباذن الله السعودية بعد عشرين سنة دولة عظمى لانها عظمى منذ ان خلقت .

جابر الثقفي - ا...22.10.2014 | 00:38 Uhr

معظم التعليقات علي المقال سطحية و تدل علي صحة وجهة نظر الكاتب من تعالي السعوديون علي ادراك الازمة القادمة و العمل علي تفاديها. التغيير قادم لا محالة فلا يعوم المرء في نفس النهر مرتين.

النيل03.12.2014 | 17:55 Uhr

المشكله هي محاوله الربط بين التقدم والاصلاح السياسي والمالي والاداري وبين العقيده الاسلاميه الكاتب يرى بان الموسسه التي وصفها بالوهابيه سبب بالوضع الحالي وعايق لفشل التحول لملكيه دستوريه على الاقل ويرفض القول بان اسره الحكم هي نفسها لن ولم تقم باي شي للمشاركه الشعبيه في اتخاذ القرار فلا مجلس شورى منتخب ولا حكومه منتخبه ولا مجلس مناطق ومحافظات منتخب ولاحد يعلم عن الميزانيه والاصول الخارجيه والعوايد الماليه الضخمه بالخارج التغيير سياتي لكن هل تغيير هادي يبني ع الموجود ام سندخل في نفق مجهول الله وحده هو العالم والمقدر

شبل ذاك الغلبان21.01.2015 | 01:49 Uhr

الصفحات