أمين معلوف، الصورة: د ب أ
أمين معلوف:

الإحساس بالغربة في كل مكان

"بدايات" الرواية الأخيرة للكاتب اللبناني المقيم في باريس أمين معلوف تدور حول تاريخ العائلة التي تعكس أيضا التطورات التاريخية في الشرق الأوسط خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. بريغيته نويمان تحدثت مع أمين معلوف.
أمين معلوف، الصورة: د ب أ
"نحن نحيا جميعاً في عالم يشعر فيه كل إنسان في نهاية الأمر بأنه غريب، وينتمي لأقليته الخاصة به."

​​

كتاب أمين معلوف الجديد "بدايات" هو حقاً من غرائب الأمور. شيء ما بين البينين. فهو من ناحية إحتفاء بالشعراء والمفكرين والمعلمين وبدعاة التنوير المنتمين لعائلة معلوف، في لبنان في القرنين التاسع عشر والعشرين، وهو إحتفاء ببطرس، ذاك الرجل الجَموح والمرهف، مدير مدرسة في جبال لبنان تضم أطفالاً من كافة الديانات.

لكن الكتاب من ناحية أخرى شهادة على التحفظ تجاه هذه العائلة بالذات. فبالرغم من إقتفاء أمين معلوف لأثر روادها في كل أنحاء العالم لسنوات طويلة، ودأبه على قراءة حقائب بأكملها من الرسائل والأشعار المكتوبة في كراريس مدرسية مهترئة إلى حد ما، ومخزنة في أكواخ ريفية لبنانية عفنة، لمجرد أن العم بطرس سكن هناك في الزمان الغابر. كل ذلك لم يؤد فيما يبدو لإبراز مودة فعلية تجاه العائلة.

فكرة العائلة

"أهلي وطن لي في الأدب، ولكنهم لا يمثلون عاملاً حاسماً في واقع وجودي. أحب فكرة هذه العائلة التي تعيش متناثرة في كل أنحاء العالم. الفكرة تعجبني، لكنني لا أحس بالانتساب إليها. إذ أفضل الابتعاد عن المجالس العائلية الكبيرة. ما بقي عندي هو أقرب إلى ظاهرة قصصية لها مكان صغير في رؤيتي للأمور ليس أكثر".

يحدد الكاتب اللبناني البالغ من العمر ستة وخمسين عاماً، على الصفحة الأولى من كتابه الذي يؤرخ فيه حياة عائلته، رؤيته بقوله: "الأشجار بحاجة إلى جذور على عكس البشر... وأقدامنا إنما تصلح للسير". غادر أمين معلوف بيروت مع بداية الحرب الأهلية عام 1976، وانتقل مع زوجته وأولاده الثلاثة إلى باريس، حيث يقطن منذ ذلك الحين.

قراءة "بدايات" صعبة، بسبب معاناتها من الفتور الذي يستعرض به الروائي المتمكن، أولئك الذين تحدّر منهم، وربما من تنصّل الكاتب أيضاً، الذي لا يود الانتساب إلى أي من المجتمعات.

الشعور بالانسجام

"لا أستطيع ببساطة استعراض المجتمع بعبثه وألعابه وتسوياته الفاسدة وأن أقول بعدها: ما الضير في ذلك؟ هكذا هم الناس! كلا، لا أستطيع القبول بذلك. لذا أميل دائماً للبقاء خارجاً. هذا الشعور أليم وليس جميل.

أتمنى أحياناً أن أشعر بالانسجام مع الأغلبية، وبالتواجد في الصميم. لكنني أعلم أن لحظة كهذه لن تكون لي أبداً. فأبقى غريباً إذاً –في كل مكان– في أوروبا، وإذا عدت يوماً ما إلى لبنان، فسأكون هناك غريباً كذلك.

أحاول التماشي مع هذا، من خلال مخاطبتي لنفسي: نحن نحيا جميعاً في عالم يشعر فيه كل إنسان في نهاية الأمر بأنه غريب، وينتمي لأقليته الخاصة به. أما من يزمع أن يكون كاتباً، فهو دائماً خارج دائرة الإنتماء. لذا فالأدب في واقع الأمر هو الموطن الوحيد الذي أملك اليوم".

يُعتبر أمين معلوف في هذه البلاد أخصائياً معترفاً به في قضايا العالم العربي وفي العلاقات بين الغرب والشرق الأوسط. أعمال الشغب المستمرة منذ أكثر من عشرة أيام في الضواحي الفرنسية والتي يقوم بها شبان مغاربيون، هي بحسب رأيه من نتائج الإزدياد المضطرد لعمق الهوة بين الحضارات.

المقصود هنا ذلك الفرق الشاسع بين أولئك الذين يتمتعون بالفرص وأولئك الذين يجدون أنفسهم على رصيف قطارات المجتمع المعطلة. فثلث الشباب ما دون سن الخامسة والعشرين في الضواحي الفرنسية بلا عمل. ولكن –حسب معلوف– هناك أيضاً بعد عالمي معادي للغرب في أعمال الشغب. وفي ظل غياب الحوار، يتم في النهاية ترسيخ الهوة بين الحضارات.

أمل الغرب بأن يعم التنوير أخيراً في العالم الإسلامي وأن يدفع ذلك الناس للإقبال على التحديث والديموقراطية، ظل بالرغم من جهود الكثيرين بلا جدوى. الرسائل التي كتبها بطرس، والد جد أمين معلوف، في نهاية القرن التاسع عشر، تمثل أحد الشواهد الحية على ذلك.

رمز لاندماج ناجح

"كانت لجدي وجهة نظر تشبه وجهة نظر أتاتورك: ليس على المرء سوى تحفيز الناس بعض الشيء، وتحسين القوانين، ليأتي التحديث بعدها تلقائياً. لكنه لم يأت. وذلك من جراء الاستهانة بالهوة التي كانت قد نشأت بين الشرق والغرب. بالإضافة لذلك شعرت النخبة العربية–الإسلامية بالإنشداد إلى نموذج المجتمع السوفييتي في مرحلة تاريخية معينة.

ليس لإعجابهم المفرط بإيديولوجيته، بل من موقف المعارض للمستعمر. لقد سعوا بهذه الطريقة لتصفية حساباتهم مع الغرب. في نهاية المطاف، وقعت مجمل هذه النخبة، من المغرب حتى اندونيسيا، والتي كانت تريد تحقيق مجتمع علماني، في شراك الشيوعية. اليوم زال الاتحاد السوفييتي، وزالت معه نخبة التحديث في العالم العربي–الإسلامي كذلك. ومن حل محلها؟ الإسلامويون".

أما أن يكون أمين معلوف رمزاً ناجحاً للإندماج، يسعه ربما أن يؤثر بطريقة أو بأخرى بإعتباره وسيطاً بين الأطراف، فهذه فكرة يقابلها الكاتب بضحكة مستهجِنة. إذ أن مهمته تكمن في أن يفكر وأن يروي كما يقول، ولا يصلح لمواجهة الواقع المنفلت من عقاله.

بقلم بريغيته نويمان
ترجمة يوسف حجازي
حقوق طبع النسخة العربية قنطرة 2005

قنطرة

التبادل الأدبي الألماني - العربي
يعتبر الأدب دوما أحد الوسائل الرئيسية في حوار الحضارات، وغالبا ما يتمثل هذا في شكل أنشطة صغيرة تعمل في الخفاء، المترجم والناشر مثلا اللذان يعيشان على حافة الكفاف، ويقتاتان من العمل في التعريف بالثقافة الغريبة المحبوبة. ونقدم هنا مبادرات ألمانية وعربية

ملفات خاصة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.