خالد الحروب: لماذا يريد نقاد غليون أن تبقى سوريا حديقة خلفية لإيران وسياساتها؟
انصافا لبرهان غليون ورؤيته السياسية

الهجوم على برهان غليون: من ''اغتيال العقل'' إلى ''اغتيال السياسة''

يفند الكاتب والمحلل السياسي المعروف خالد الحروب في تعليقه التالي انتقادات أصحاب مقامات المناحة المقاومية لرؤية برهان غليون، رئيس "المجلس الوطني السوري" المعارض، لدور سوريا ما بعد نظام الأسد، خاصة وهي ترسم علاقاتها مع حزب الله الذي وقف ضد ثورتها. كما يتساءل، لماذا يريد نقاد غليون أن تبقى سوريا حديقة خلفية لإيران وسياساتها؟ ولماذا يرفضون أن تلعب سوريا الجديدة دورا مستقلا وفاعلا في قلب المنطقة العربية.

الذين يعرفون برهان غليون عن قرب وعلى مدار سنوات طويلة يعرفون اخلاص وصلابة هذا المثقف العميق لكل قضية لها علاقة بتحرر العرب من الاستبداد والدكتاتورية. ويعرفون مدى تشبثه وايمانه بالإرادة الشعبية وقدرتها على الانفكاك من هيمنة السلطات الداخلية وتجبر القوى الخارجية. إنشغالاته الفكرية والنظرية التي يعرفها مثقفون وطلاب واكاديميون في طول وعرض العالم العربي لم تبرح قضايا تحرير العقل من الأوهام، وتحرير البشر من الاستبداد.

ما كتبه برهان غليون عن "اغتيال العقل" و"بيان من اجل الديموقراطية" و"الاختيار الديموقراطي في سوريا"، و"ادوار المثقفين" جزء من اهتمام اوسع بقضايا استحوذت جهده وتفكيره. في منفاه الباريسي، دارسا ثم محاضرا في السوربون، كان سهلا عليه أن يركل جانبا كل قضايا العرب ومجتمعاتهم وينحاز إلى أنانية أكاديمية تبدع في شأن من شؤون الفلسفة أو الاجتماع النظري وتبقى محلقة في ابراجها العاجية. هناك ألوف من الأكاديميين العرب في الجامعات الغربية فضلوا ان يغرقوا في علومهم المتخصصة والضيقة بأنانية الباحث المفهومة.

ضرورة خروج المثقف من برجه العاجي

آخرون لم يستطيعوا التخلص من الانشغال بالهم العام وبقوا مشتتين بين الرغبة الجامحة في التخصص في علومهم، والاهتمام في ما يحدث في بلدانهم والانخراط فيه. هؤلاء كانوا غرامشيين بهذا المعنى او ذاك، رأوا في العلم والثقافة والتثاقف أدوارا يجب أن تكون عضوية في قلب الحراك الاجتماعي لشعوبهم وفاعلة في تحدي الاستبداد الجاثم فوقها والبحث عن مستقبل افضل. أكثرهم رأى دوره في انتاج الفكر السياسي والتثقيف والتعبئة وفتح الآفاق التي تغلقها السلطة، السياسية والثقافية التقليدية في آن معا. أقلية من هؤلاء قادتها امواج الحراك السياسي والانعطافات الكبرى لتحتل ادوارا سياسية وقيادية, كما حصل مع برهان غليون. دور لم يركضوا خلفه ولم يبحثوا عنه، بل وجدوا أنفسهم في مواجهته، ومواجهة لحظة صدق واخلاص مع مقولاتهم التي كانوا يرددونها حول اهمية دور المثقف في الميدان، وعدم بقاءه في البرج العاجي.

لماذا يريد بعض الغوغائيين اغتيال برهان غليون؟

كاتب "اغتيال العقل" يتعرض اليوم لـ"اغتيال سياسي" فج وبشع من قبل كثيرين قرروا اغتيال عقولهم والحد الأدنى من الإنصاف والعقلانية والموضوعية قبل دلق احكامهم بالتخوين والتكفير والعمالة. اسلاميون وقوميون وماركسيون وغيرهم هجموا على برهان غليون في اعقاب مقتبسات قصيرة مترجمة بطريقة سخيفة وغير دقيقة من مقابلة في غاية الاهمية اجرتها معه "وول ستريت جورنال" الامريكية في منزله في باريس.

في المقابلة المذكورة تحدث غليون وبالعمق المشهود له فيه عن قضايا شائكة في الشأن السوري: الطائفية والمواطنة، الدولة والنظام والاجهزة الأمنية، العلمانية والشريعة، خيارات السوريين والتدخل الخارجي، سوريا الجديدة ما بعد سقوط النظام وعلاقاتها الخارجية، وسوى ذلك كثير.

برهان غليون خلال لقاء مع وزير الخارجية الفرنسي ألان جوبيه في باريس
برهان غليون خلال لقاء مع وزير الخارجية الفرنسي ألان جوبيه في باريس

​​
في جانب العلاقات الخارجية أجاب عن سؤالين حول العلاقة مع ايران وحزب الله، وهي الإجابة التي أثارت عليه أعشاش دبابير حلفاء نظام الاسد والمدافعين عن جرائمه ضد شعبه. معظم التعليقات والاتهامات التي وجهت إلى برهان غليون بسبب تلك الاجابة اقترفت ثلاث خطايا في آن معا:

الأولى لها علاقة بفهم وتناقل ما قاله غليون فعلا (نقلا عن الترجمة غير الدقيقة للنص الانجليزي)، مع تحريف ولي ما قيل وتضخيمه، والثانية لها علاقة بالمنطق و"العقل" حيث يفترض النقاد أن على المجلس الوطني والثورة السورية وسوريا ما بعد الأسد ممارسة الحب مع ايران وحزب الله والامتنان لهما بعد موقفهما من الثورة، والثالثة في اعتبار ما قال غليون (سواء بدقة او محرفا) وكأنه القول الفصل في تشكيل سوريا ما بعد البعث. فهنا غليون يعبر عن رأيه وتطلعاته وبالتأكيد لا يريد ولا يستطيع حتى إن اراد ان يفرض ذلك الرأي وتلك التطلعات على كل السوريين وإلا لتحول إلى دكتاتور آخر.

كما انه من السذاجة الافتراض أن سوريا الجديدة سوف تخضع لرأي شخص واحد مهما كان, بل إن في ذلك إهانة للشعب السوري وثورته والمستقبل الذي يريد.

وقبل ايراد ما ورد على لسان غليون في تلك المقابلة (استنادا إلى النص الاصلي الانجليزي) وبشأن علاقات سورية المستقبلية ايران وحزب الله وحماس من المفيد التعريج سريعا على واحدة من أهم الموضوعات التي وردت في المقابلة المذكورة، وهي لا تقل أهمية إن لم تكن اهم مما ذكر عن العلاقة مع ايران، وبهدف وضع الموضوع في إطار المقابلة الاوسع وعناوينها العديدة.

برهان غليون: النظام السوري يستغل البعد الطائفي

تحدث غليون عن الوحدة الوطنية، والطائفية في سوريا، وقال إن خطوط التواصل بين المعارضة والعلويين على وجه الخصوص مفتوحة تماما وان الكثيرين منهم يقفون وبقوة في صف المعارضة. وقد اراد النظام ان تظهر الطائفة العلوية شريكة في الجرائم التي قام بها، فيم واقع الامر ليس كذلك. بل على العكس، فإن النظام عامل العلويين بسوء بالغ، والشريحة العلوية التي استفادت من النظام صغيرة جدا.

ثم تحدث عن استغلال النظام للبعد الطائفي وتخويفه للمسيحيين مثلا من اي تغيير قد يحصل في سوريا. وقال ان النظام قام عمليا برهن الطوائف المختلفة وإثارة عداواتها ضد بعضها البعض بهدف الحفاظ على السلطة لا اكثر. وعاد غليون إلى التاريخ السوري الحديث قبل سيطرة عهود حكم البعث حيث كان البعد الطائفي غائبا تماما في الحياة الوطنية.
واشار إلى الأدوار الكبيرة التي لعبتها شخصيات بارزة في التاريخ الوطني الحديث لسوريا، حيث كان المسيحي فارس الخوري اول رئيس وزراء لسوريا بعد الاستقلال، وكان متصدرو الحركة الاستقلالية وقياداتها يتوزعون على الطوائف من دون اية محاصصة او إدعاء او انتماء طائفي، ومنهم سالح العلي – العلوي، وسلطان باشا الاطرش – الدرزي، وابراهيم حنانو – الكردي، وحسن الخراط - السني.

ثم أكمل غليون رؤية المجلس الوطني لسوريا ما بعد الاسد إزاء المسألة الطائفية والاقليات وقال إن التمييز على اساس طائفي او إثني سيعتبر جريمة، وانه لا فرق بين الاقلية والاغلبية، والجميع متساوون على مبدأ المواطنة، وأضاف أن هناك وعي بضرورة تفادي التجربتين اللبنانية والعراقية اللتان كرستا الطائفية.

كما رفض غليون وصف ما يحدث بأنه حرب اهلية، بسبب بعض الاحتكاكات الطائفية، التي سببها سياسات النظام الطائفية التي تحاول تأليب الناس ضد بعضها البعض. وقال بأن هناك بعض الظواهر والممارسات السلبية، لكن هناك وعي عميق بعدم الانزلاق للحرب الاهلية وان شعار "لا للطائفية" من اهم الشعارات المرفوعة في كل المظاهرات في سوريا.

الآن, وفي تناول ما قاله غليون بدقة فإن اجابته عن العلاقة مع ايران هي التالية: "العلاقة الحالية مع ايران غير طبيعية، وهي غير مسبوقة في تاريخ السياسة الخارجية السورية. سوريا الجديدة سوف تكون جزءا لا يتجزأ من الجامعة العربية، وسوف تعمل على تحسين دور الجامعة العربية ودور الدول العربية اقليميا، وبخاصة أنهم (اي جامعة الدول العربية والدول العربية) اتخذوا قرارا تاريخيا وغير مسبوق لدعم الشعب السوري. سوريا في قلب المشرق العربي، ولا يمكن ان تعيش خارج اطار علاقاتها مع الجزيرة العربية ودول الخليج ومصر والدول العربية الاخرى. نحتاج إلى دعم اقتصادي واستثماري من اشقائنا العرب في المستقبل. ومستقبلنا مرتبط بحق بالعالم العربي والخليج على وجه التحديد. وفي المستقبل سوف نحتاج إلى مساعدة حقيقية وجدية مالية واقتصادية لإعادة بناء سوريا. علاقاتنا مع ايران سوف يُعاد النظر فيها مثل بقية الدول في المنطقة، كي تكون قائمة على تبادل المصالح الاقتصادية والدبلوماسية، وفي إطار تحسين الاستقرار في المنطقة، ولن تكون علاقة خاصة. لن تكون هناك علاقة خاصة مع ايران. وهذه هي القضية الاساسية، أي التحالف العسكري. إنهاء العلاقة الخاصة معناه إنهاء التحالف العسكري الاستراتيجي، لكننا لا نمانع في استمرار العلاقات الاقتصادية".

لماذا يجب أن تبقى سوريا حديقة خلفية لإيران ونفوذها؟

ما المشكلة في كل ذلك؟ لماذا يريد نقاد غليون ان تبقى سوريا حديقة خلفية لإيران ونفوذها وسياساتها؟ ولماذا يرفضون ان تلعب سوريا الجديدة دورا مستقلا في قلب المنطقة العربية وتعيد حشد طاقة عربية جديدة ليكون لها دور اقليمي. الكل يتباكى على غياب دور اقليمي عربي في ظل تقاسم المنطقة بين نفوذ تركي وآخر إيراني. أليس من المنطق تأييد توجه غليون وبأمل ان يكون التوجه الجماعي بعد الثورات العربية، أي بناء كتلة عربية مستقلة وفاعلة في الاقليم؟ اضافة إلى ذلك ما المشكلة في انهاء العلاقة الخاصة مع ايران وان تعود إلى شكل طبيعي متوازن؟

في الإجابة عن السؤال الخاص بحزب الله قال غليون ما يلي: "علاقتنا مع لبنان سوى تكون علاقة تعاون واعتراف متبادل وتبادلات قائمة على المصالح، وبحيث نعمل مع لبنان على تحسين الاستقرار في المنطقة. وكما ستتغير علاقتنا مع ايران فإن علاقتنا مع حزب الله ستتغير. حزب الله بعد سقوط النظام السوري لن يبقى كما هو، ولبنان يجب ان لا يُستخدم ساحة لتصفية الحسابات السياسية كما كان يحصل ايام الاسد. اما حماس فقد انتقلت الى سياسة جديدة وهي تعمل الان مع منظمة التحرير الفلسطينية لتوحيد الفلسطينين, ولن تكون حماس المدعومة من قبل النظام السوري. علاقتنا مع حماس سوف تكون من خلال علاقتنا مع منظمة التحرير من ناحية سياسية ومن خلال علاقتنا مع المجتمع المدني الفلسطيني."

مرة أخرى، أين "الطامة الكبرى" التي استدعت ذلك النواح المقاومي الكبير؟ اين المشكلة عندما يرسم غليون صورة لسوريا ما بعد نظام الاسد وهي ترسم علاقاتها مع حزب الله الذي وقف ضد ثورتها، ويقول سوف تكون علاقتنا مع الدولة اللبنانية، وقائمة على احترام سيادتها. وأن سوريا الجديدة سوف تكون مع الفلسطينين موحدين وليس مع طرف منهم ضد الطرف الآخر؟

أصحاب مقامات المناحة المقاومية يريدون دولا "ساحات" تعج فيها الفوضى وسمتها الدمار الشامل. الشيء الوحيد المُشتعل فيها هو ضجيج الشعارات التي تهدد اسرائيل والامبريالية بالويل والثبور. في واقع الامر يقول ان من قتلهم نظام المقاومة والممانعة من شعبه, من الشعب السوري الثائر, تجاوزوا حتى الآن من قتلتهم اسرائيل في حرب تشرين كلها. عند كثيرين هذا كله وغيره لا يهم, ما يهم هو الشعار الطنان!

 

خالد الحروب
حقوق النشر: موقع قنطرة 2011
مراجعة: لؤي المدهون

خالد الحروب كاتب وخبير إعلامي عربي معروف ومحاضر أكاديمي في جامعة كامبردج البريطانية

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
ملفات خاصة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : الهجوم على برهان غليون: من ''اغتيال العقل'' إلى ''اغتيال السياسة''

إن الوضع السياسي في سوريا بالغ التعقيد، ربما قد يستعصى حتى على المتواجدين في قلب المعركة السورية، فهم ما يجري فيه من أحداث، نظرا لتضارب المصالح المتباينة الجيوسياسية. و هذا قد يتبين من خلال المواقف المتناقضة حتى من جانب قوى إقليمية و دولية. إن جوهر المشكل السوري و العربي بصفة عامة، في نظري، يتجلى في غياب وعي بالضرورة الحيوية القصوى لجعل الدولة و جميع مؤسساتها المدنية، بما فيها الإدارة و البرلمان و القضاء، في منأى عن النعرة القبلية أو الطائفية الدينية. لأن الدولة هي التي ينبغي أن تحتكر مشروعية حق ممارسة العنف في مجتمعها. و بالتالي لا يجوز مطلقا أن تقحم نفسها في المسائل الدينية. و هذا لا يمنع من فتح المجال للمواطن أمام مساهمته في تشكيل الرأي العام السياسي، أو أن نستثني من مجال التواصل الاحتماعي و السياسي العمومي، أي صوت كيفما كان، بما فيه إتاحة إمكانية مساهمة المتديين أو الجماعات الدينية، باعتبارهم مواطنيين أولا و قبل كل شيئ، في الحياة السياسية، و مشاركتهم التامة فيها، ليعبروا عن رأيهم في القضايا و المواضيع التي تهم مجتمعهم، من قبيل الأسئلة الأخلاقية المتعلقة بالتعديلات الجينية الوراثية، أو الإجهاض أو حقوق الحيوانات و حماية البيئة الطبيعية. لكن يشترط وضع قواعد لمناقشة تلك المواضيع في صيغة عقلانية، و في إطار الدولة الدستورية الليبرالية ذات طابع علماني- وليس إلحادي، كما قد يشاع.

محمد علي برادة24.12.2011 | 18:38 Uhr