انسجام الشرق والغرب - توافق الإسلام مع حضارة أوروبا وأمريكا

كشف زيف أسطورة "صراع الحضارات"

علاقة العالم الإسلامي بالحضارة الأوروبية الأمريكية، تطغى عليها سردية صراع الإيديولوجيات والثقافات. فسردية "صراع الحضارات" أسطورة راسخة في الخطاب الثقافي، لكنها مستندة على ثنائيات زائفة لم تنجح في تهشيمها حتى العولمة وتكنولوجيا الاتصالات. والأطروحة الأكثر دواماً هي تنافر الشرق والغرب وتفوق حضارة أحدهما على الأخرى. محمد وافي يوضح لموقع قنطرة سبب سقوط فرضية القطبية الأزلية بين الإسلام والغرب.
في عمله المؤثر "الإسلام بين الشرق والغرب"، قام علي عزت بيغوفيتش بعمل رائع عبر استكشاف الثنائية القطبية للإسلام، معرّفاً الإسلام بوصفه توليفة للحضارة والثقافة، لدوافع الإنسان الحيوانية والأخلاقية، للجسد والروح، للحقيقي والسامي – وللغرب العلمي والفكري والشرق الديني والفني.
 
بيد أن تحليلاته، وقد كُتِبت في وقت مبكر من ثمانينيات القرن الماضي حين كان العالمُ مشطوراً إيديولجياً وعسكرياً إلى المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، لم تكن ذات بصيرة كافية للتنبؤ بـ [تزحزح] الصفائح [الأرضية] التكتونية السياسية التي ستحدث في غضون عشرة أعوام فقط، مؤذنة بـ "انتصار" الديمقراطية الليبرالية والرأسمالية على منتقديها.
 
وقد شهدنا تبدّد الانقسامات التي تحدّث عنا عزت بيغوفيتش حين سادت الديمقراطية الليبرالية والرأسمالية فوق "الإيديولوجيات الأقل شأناً"، مغيرة النظرة إلى الحرب الباردة بين الشرق والغرب. وقد أُشِيد بفرانسيس فوكوياما بوصفه الفيلسوف الذي صوّر روح العصر، وهو الذي جادل بأن الانتشار العالمي للديمقراطيات الليبرالية، ناهيك عن أسلوب حياة ورأسمالية السوق الحرة الغربية، قد يكون مؤشرا على نقطة نهاية التطور الاجتماعي الثقافي للإنسانية، وقد يصبح الشكل الأخير لحكومة إنسانية.
 
ومن ثم أتى الإيديولوجيون الذين لطالما كرروا واشتكوا من أن الإسلام يحل محل الشيوعية بوصفه المنافس اللدود لليبرالية والرأسمالية والديمقراطية وأيٍّ كان ما يسانده الغرب. ففي الحقيقة، بدلاً من القطبية بين الغرب والشرق التي تناولها عزت بيغوفيتش بصورة واسعة في كتابه، كان من المفترض أن القطبية الأزلية بين الإسلام والغرب هي التي ستطل برأسها في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين.
 

صورة رمزية حول الإسلام والمسيحية واليهودية. (source: picture alliance/Godong)
يكتب محمد وافي حول تجاهل الأرضية المشتركة أن: "الاختلافات التي بُنِيت على ذرائع كاذبة كهذه قد أسهمت في الأسطورة القائلة إن الإسلام ينتمي إلى الشرق بينما تنتمي التقاليد المسيحية واليهودية إلى الغرب. وهذا، رغم حقيقة أن كلاً من المسيحية واليهودية (مثل الإسلام) نشآ في الشرق الأوسط".
وقد خمّن صامويل هنتنغتون، الذي يُسوَّق على أنه المخلِّص المنتظَر لهذا النوع الجديد من النزاع الذي يركّز على الهوية الثقافية، أن الاختلافات الثقافية والإيديولوجية المتجذرة عميقاً ستسيطر على السياسات والعلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين. وبينما يسعون للبحث عن الـ "آخر" في الإسلام لأيٍّ كان ما يسانده الغرب، بما في ذلك حريته، وديمقراطيته، وليبراليته، وتسامحه الديني، وروحه العلمية...إلخ، فقد أعاد المفكرون النيو ليبراليون [الجدد] الذين يشكل هنتنغتون مصدر إلهامهم اختراع المغالطات والأساطير القديمة، التي يعود تاريخها إلى الحروب الصليبية. ولقد وضّح جورج بوش ذلك بصورة جلية في واحدة من خطاباته للاستعداد للحرب على الإرهاب.
 
أسطورة صراع الحضارات
 
ومن منظور تاريخي أوسع، فإن العلاقة بين الشرق والغرب أو، بصورة أدق، بين ما يُسمّى العالم الإسلامي والحضارة الأمريكية الأوروبية، تطغى عليها في كثير من الأحيان سردية الحروب الثقافية و الصراع الذي لا نهاية له بين الإيديولوجيات. لكن هل هذا الوجود القطبي أو العداء المتبادل شيء جوهري بصورة لا يمكن تغييرها في طبيعة كل من الحضارتين، بمعنى: هل من المقدّر لهما البقاء على مسار تصادم لا رجعة فيه؟ أم أنه وُلِد من بعض الأخطاء التاريخية الفادحة التي لا علاقة لها بالدين أو بالثقافة بحد ذاتها، ولكن لها كل العلاقة بالطموحات الإقليمية والاقتصادية والسياسية لهؤلاء الذين يمسكون بمقاليد السلطة خلال منعطفات تاريخية معينة؟ وهل تعمّقت الشقوق التي خُلِقت، مما سمح للجروح بأن تتفاقم لعدة قرون؟
 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : كشف زيف أسطورة "صراع الحضارات"

حج العرب موجود على الأرض الحضارة قوم عاد إلى قوم ثمود إلى إبراهيم الى خاتم الأنبياء والمرسلين الصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى سائر الأنبياء والمرسلين

محجوب بيجاوي 22.08.2018 | 11:59 Uhr