ووقع أوباما على قرار رئاسي (عملية خشب الجميز) يدعو وكالة الاستخبارات المركزية إلى العمل مع المملكة العربية السعودية (الصَرَّاف) من أجل الإطاحة بالأسد. لكن أوباما، الذي كان حريصا على تجنب المعارضة الشعبية القوية في الولايات المتحدة لحرب أخرى تقودها الاستخبارات المركزية مع إرسال قوات أمريكية إلى ساحة المعركة، اختار دعم الجهاديين بدلا من ذلك. 

بيد أن الغرض من العملية السورية كان واضحا: تثبيت نظام سوري يحمل كل الود لتركيا والمملكة العربية السعودية، وحرمان روسيا من حليف، ودفع القوات الإيرانية إلى الخروج من سوريا. وكان كل شيء واضحا للغاية من منظور الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا والمملكة العربية السعودية.

ولكن كما هي حال عمليات تغيير النظام التي تقودها الاستخبارات المركزية الأمريكية دوما، انتهت العملية إلى الفشل الذريع. ولم تتردد روسيا في تحدي التهويش الأمريكي، فسارعت إلى دعم الأسد، ووفرت له إيران كذلك دعما حيويا. من ناحية أخرى، أفضت حرب الوكالة التي أشعلت شرارتها الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى مقتل أكثر من 500 ألف مقاتل ومدني وتشريد ما يزيد على عشرة ملايين سوري حتى يومنا هذا، فضلا عن أزمة لاجئين كبرى في أوروبا لا تزال تبعاتها تزعزع أركان السياسة في الاتحاد الأوروبي. 

ثم كان انفصال طائفة من الجهاديين عن أخرى لتأسيس تنظيم الدولة الإسلامية. وفي أعقاب انتشار مقاطع فيديو مروعة صورت قطع رؤوس أمريكيين وأسرى آخرين، قرر أوباما التدخل في عام 2014 بشن هجمات جوية وإرسال بعض القوات الأمريكية لدعم هجوم بقيادة الأكراد على معاقل داعش.

من منظور ترمب، لم يكن تثبيت نظام سوري ألعوبة في يد الولايات المتحدة لطرد روسيا وإيران في نهاية المطاف يمثل أهمية مركزية للأمن القومي الأمريكي فضلا عن استحالة تطبيق ذلك عمليا. وهنا كان ترمب محقا على سبيل التغيير.

مجلس الأمن الدولي في مقر الأمم المتحدة في نيويورك. Foto: picture-alliance/dpa
"الولايات المتحدة لم تكن منزعجة بشأن الديمقراطية في سوريا": يرى جيفري د. ساكس أن بوسع المرء أن يجزم عن يقين بأن الولايات المتحدة لم تكن منزعجة بشأن الديمقراطية في سوريا أو أي مكان آخر في المنطقة، كما يتبين لنا بوضوح من احتضانها الدافئ للمملكة العربية السعودية. قررت الولايات المتحدة تعزيز تمرد يسعى إلى الإطاحة ببشار الأسد في عام 2011 ليس لأن الولايات المتحدة وحلفاء من أمثال المملكة العربية السعودية كانوا متلهفين على الديمقراطية في سوريا، بل لأنهم قرروا أن الأسد يمثل عائقا لمصالح الولايات المتحدة الإقليمية. وكانت خطايا الأسد واضحة: فهو متحالف مع روسيا، وهو يحصل على الدعم من إيران.

{يتلخص مفتاح السلام في الشرق الأوسط في التعايش السلمي بين الأتراك والإيرانيين والعرب واليهود.}

لا شك أن انسحاب الولايات المتحدة بترتيب أحادي الجانب من شأنه أن يخلق كارثة أعظم. فقد تغزو تركيا شمال سوريا لسحق القوات الكردية، وربما تنزلق روسيا وتركيا إلى مواجهة بالغة الخطورة. وقد تشن إسرائيل حربا ضد القوات الإيرانية في سوريا. في حقيقة الأمر، شكلت إسرائيل والمملكة العربية السعودية بالفعل تحالفا صامتا ضد إيران. بل وقد تتوسع الحرب السورية لتتحول إلى حرب شاملة في الشرق الأوسط. وكل هذا محتمل إلى حد مفزع.

"ست خطوات لترسيخ سلام أرحب"

بيد أن هذه السيناريوهات ليست حتمية على الإطلاق. فالدبلوماسية الناجحة ليست مستحيلة، إذا أدركت مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية ولو لمرة واحدة أن الدبلوماسية القائمة على الأمم المتحدة، وليس الحرب، ربما تكون الطريق الأكثر حكمة. فتحت رعاية مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (في ظل موافقة أساسية من جانب الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، وفرنسا، والمملكة المتحدة)، يمكن الاتفاق على ست خطوات لترسيخ سلام أرحب، وليس إزكاء نيران حرب أوسع نطاقا.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.