الصورة د.ب.ا
قراءة في عالم الموضة الإسلامية في القارة الأوروبية:

أزياء حديثة بروح إسلامية

ترى أنليز مورس، الأستاذة في المعهد الدولي للدراسات حول الإسلام في العالم الحديث في جامعة امستردام، أن التصاميم الخاصة بأزياء المسلمات الشابات لم تحظ إلا باهتمام ضئيل في أوروبا بخلاف فضايا الحجاب والنقاب. الباحثة مورس تسلط الضوء في هذه المقالة المطولة على الطرق المختلفة التي تتبعها النساء المسلمات لنسج خيوط العلاقة بين عالمي الدين والأزياء.

الصورة د.ب.ا
"هناك وعي كبير بالأزياء بين النساء المسلمات الأكثر شبابا ورفاهية، أدى إلى تنوع أكبر في الأزياء الإسلامية، وبالتالي إلى تطبيع الزي الإسلامي عموما"

​​

"الأزياء الإسلامية" موضوع يشهد انتشارا سريعا وواسعا، كما تشهد بذلك أية رحلة بحث سريعة في الإنترنت، هي في ذات الوقت ممارسة خياطية تلهمها النزعة الإسلامية و تتبلور معالمها في عالم الأزياء العام. فما هو أصل تشكيلات الأزياء الإسلامية؟ بعد الانتشار التدريجي للأزياء الأوربية إلى أجزاء من العالم الإسلامي خلال القرن العشرين، ومع نشوء حركة النهضة الإسلامية في مطلع السبعينات، بدأت أعداد متزايدة من النساء، ومن الشابات المتعلمات على وجه الخصوص، لبس أغطية الرأس الإسلامية المختلفة التصاميم (التي تسمى أيضا الحجاب). وانتشرت هذه النزعة، التي منحها الأدب الأكاديمي لقب" التحجب الجديد"، مثل جذور العشب، كحركة معارضة، وخصوصا بين الطلبة. وجدت هذه النزعة لها محط قدم أيضا بين منتقدي انتشار العلمانية المتزايد في الحياة اليومية، فكانت نوعا من المقاومة للهيمنة الغربية، تصديا للحكومات المتسلطة أيضا، ومعارضة للثقافة المادية التي ما انفكت تنتشر وتتوسع. وأعرب العديد من المهتمين بالموضوع عن أملهم أن يقضي التحجب الجديد على الأزياء والموضة وأن يزيل تمايز الأزياء بين الأثرياء والفقراء. وكجزء من هذا النزعة، وفي أثرها، ظهر زي موحد وغطاء رأس رصين.

وعلى أية حال، فإن تطور الأزياء وولادة التصاميم الجديدة، من "بطانة" ذلك اللباس الإسلامي البسيط، المتزمت، والعديم الصلة بعالم الأزياء، لم يستغرق طويلا. إذ تحولت حركة النهضة الإسلامية في أواخر الثمانيات، ومن ثم في التسعينات، إلى حركة هيتروجينية ( متغايرة الخواص)، وبدأت بالتحول من حركة جذرية في رفضها للاستهلاك إلى نزعة إصلاحية أكثر فردانية وتشظيا، وإلى هويات تنفرز أكثر فأكثر من خلال الاستهلاك. هذا أدى بدوره إلى ظهور وعي أكبر بالأزياء بين النساء المسلمات الأكثر شبابا ورفاهية، إلى تنوع أكبر في الأزياء الإسلامية، وبالتالي إلى تطبيع الزي الإسلامي عموما. وعلى نفس المنوال استجد ميل واضح في القرن العشرين نحو تصاميم أزياء الملابس التي تظهر بشكل تشكيلات في حين بقيت الأغطية الخارجية قياسية موحدة.

إذا كانت الكتابة حول التحجب والأزياء قد تقفت آثار انبثاق الأزياء الإسلامية من رحم اللباس الإسلامي المعارض والمتزمت، فأن الجزيرة العربية، كمثل، كانت شاهدة أيضا على انتشار و تحوّر الأردية الخارجية السائدة والممتدة بين العباءة والجلباب والقفطان، وتحولها المتسارع إلى ما يعتبر أزياء حديثة. الحصيلة الصافية هي ولادة سوق عالمية للأزياء الإسلامية. ومع التحول من التصاميم المتزمتة إلى الأزياء الأكثر حداثة، انتقلت الأزياء الأسلامية من طراز الإنتاج الموسوم بالايديولوجيا والنمطية، إلى طراز الإنتاج الريعي. وصارت عروض الأزياء الإسلامية، منذ مطلع التسعينات، تنتشر عالميا، وأحتلت تركيا رأس قائمة رواد مطلقي النزعات في هذا المجال. وفي "واحات" الأزياء الإسلامية، مثل دبي واندونيسيا وماليزيا، يجتمع رواد تصميم الأزياء الإسلامية (من المسلمين وغير المسلمين) للمشاركة في مسابقات عرض الأزياء.

ويمكن الحصول على كاتلوجات الأزياء الإسلامية في كل مكان، وظهرت مجلات نسائية جديدة تتخص في تقديم العروض المغرية للنساء اللاتي يبحثن عن الملابس المصممة حسب الأزياء الإسلامية. وفتح العالم الافتراضي اليوم صفحاته الإلكترونية أمام هذه النزعة، وتحولت هذه الصفحات إلى مواقع تصنع وتنشر الرغبة في السعي وراء الأزياء الإسلامية. ومنذ نهاية التسعينات وحتى الآن نبتت ونمت المواقع الإلكترونية المختصة ببيع الأزياء الإسلامية كالفطر، وزادت شعبيتها خصوصا بين المسلمين الذين لا تقع مخازن بيع الأزياء الإسلامية في محيط حركتهم، اما لأنهم مسلمون جدد في مناطق جديدة، أو وهو الأكثر شيوعا، لأنهم مسلمون يعيشون في أوروبا.

مثال هولندا

 الصورة د.ب.ا
كثير من الفتيات المسلمات في أوروبا يمزجن بين الملابس الإسلامية والعصرية

​​

تعتبر أوروبا عارضا متأخرا نسبيا على مسرح الإزياء الإسلامية العالمي. فالفتيات الشابات، من بنات العمال المهاجرين،
ومن بنات اللاجئين و معتنقي الإسلام الجدد على نحو أقل، انهمكن منذ نهايات التسعينات في هولندا في البحث عن الأزياء والتصاميم التي تعبر في آن واحد عن الحداثة وسهولة الفرز من قبل الناظرين كأزياء إسلامية. وهن عموما بنات أفضل تعليما وثقافة من امهاتهن، يتمتعن بإهتمام متزايد بدينهن الإسلامي، ربما لمجرد مخاطبتهن اعتياديا كمسلمات، لهن مداخيل مالية خاصة بهن( وأن كان بعضهن في المدارس)، ولهن اهتمام كبير في متابعة تصاميم الأزياء الإسلامية. ويجدر بي التأكيد هنا على أن الكثير من الشابات المسلمات في أوروبا لايرتدين غطاء رأس، وبالتالي فأنه من الصعب التعرف عليهن كمسلمات من قبل الآخرين. ويقدر بعضهن أن صنع علاقة بين الدين وارتداء نوع خاص من الملابس يخلق لهن مشاكل هن في غنى عنها، لأنهن يعتقدن أن الدين قضية إيمان.

البعض الآخر منهن يقفن من غطاء الرأس موقفا إيجابيا، لكنهن لا يفضلن ارتدائه بإنتظام. هذا يعني أن النساء اللاتي يرتدين غطاء الرأس يحملن تصورات مختلفة عن علاقة الرداء بالدين. لبس زي من تصميم معين بالنسبة للبعض قد يعبر عن هوية محددة، في حين يعتبر البعض الآخر ملابس التغطية الخاصة نوعا من الورع الخاص بالذات. وأخيرا هناك بعض النسوة يعتبرن الزي الإسلامي"اردافا خلفيا" أو لنقل محاولة لجمع نقيضين. والإسلام بالنسبة لهذه النسوة، كعالم لكل ما هو روحي ومقدس، وكحاضنة للقيم والعفة السرمدية، لا يتلائم مع الرغبات والسفاسف الدنيوية المتعلقة بمتابعة عالم الأزياء الإسلامي. بيد أن الحضور المتزايد للمنتجين والمصممين والنساء الباحثات عن آخر تقليعات الموضة في عالم الأزياء الإسلامية، يكشف بأن الجزء الأكبر من "العارضين" على المسرح لا يرون أية مشكلة حقيقية في الربط بين الإسلام والأزياء.

فيما يلي سأركز من جهة على شدة إنسياق هذه الشابات في شبكة الدين-الأزياء في مجرى حياتهن اليومية. سأتناول في البداية مشكلة ما إذا كان التحول نحو المزيد من تصاميم الأزياء، وبالتالي المشاركة الجمالية أو الإسلوبية مع الآخرين، يمكن أن يعتبر انحرافا عن المنحى الأجتماعي الثابت في الاعتقاد الديني. وسأناقش في المقطع اللاحق لماذا نحتسب حضورهن البصري والجسدي العلني على رصيد الجدل الدائر في أوروبا حول الإسلام. وسأفعل ذلك من خلال تسليط الضوء على الملابس من خلال حكايات روتها ثلاث نساء، واركز على أحكامهن الشرعية ونظرتهم لموضوع الأزياء الخاصة التي تجمع بين الحداثة والإسلامية في ذات الوقت. و ينبغي هنا مراعاة عدم التعامل مع هذه القصص كحكايات عابرة ترويها نساء يرتدين الزي الإسلامي في هولندا، إذ أنه حينها فقط ستوفر لنا القصص فهما أفضل للأساليب المختلفة التي تتبعها النساء الشابات في التوفيق بين الإلتزام الإسلامي وعالم الأزياء.

عن الإيمان وتصاميم الأزياء

ويبدو للوهلة الأولى أن عالم الدين، بقيمه السرمدية العميقة الجذور، وعالم الأزياء الذي يركز على المظاهر السطحية العابرة، عالمان عصيان علي القياس بنفس الوحدات. كيف يتسنى إذن للمسلمات المقاربة بين الأزياء و الإسلام؟ هل ينطوي التحول نحو تصاميم الأزياء الإسلامية بالضرورة على تحول عن الإيمان والأخلاق الدينيين لمصلحة ذوق وقيم المجتمعات الأخرى الجمالية؟ ثلاث قصص مختصرة عن الأزياء تدير بوصلتنا في ثلاثة إتجاهات مختلفة.

فريدة، فتاة مهاجرة من قرية فقيرة، تستر رأسها حكما للعادة بغطاء أثناء تأدية العمل. تصيغ موقفها بلسانها" لا يساورني أي هم تجاه خيارات الموضة والأزياء"؛ وبدأت تغير أزياءها منذ مرحلة المراهقة، حال تحسن مورد والدها الاقتصادي قليلا. صارت مثالا بارزا على حركة الارتقاء الاجتماعي إلى أعلى، تحولت إلى مسلمة واعية وحرفية، ترتدي أزياءها بإناقة، وغالبا ما تكون ملابس طويلة تصل إلى أسفل القدمين مع غطاء رأس مناسب لها. وحينما تعيد فريدة تعريف نفسها حاليا كـ"تركية متدينة" تقول أنها تنتمي بمشاعرها إلى اسطنبول الكوزموبوليتانية أكثر من انتمائها إلى شرق تركيا حيث نشأت عائلتها. وحين تبرر ارتدائها غطاء الرأس تقول أنه" نوع من عبادة الخالق، نوع من التقوى". وهي واعية جدا إلى أن ليس كلما تلبسه( كعبان يطقطقان، تنّورة ذات فتحة) مقبول إسلاميا، لكنها لا تعتبر ذلك قضية أساسية. وحينما نسألها ما إذا كان ارتداء ملابس التغطية مهما لها أيضا كطريقة لتجنب جلب أنظار الرجال، ترد بالقول مباشرة أنها لا تشعر بنفسها مسؤولة عن مشاعر الرجال.

الصورة د.ب.ا
كيف يتسنى إذن للمسلمات المقاربة بين الأزياء و الإسلام؟ هل ينطوي التحول نحو تصاميم الأزياء الإسلامية بالضرورة على تحول عن الإيمان والأخلاق الدينيين لمصلحة ذوق وقيم المجتمعات الأخرى الجمالية؟

​​

خريطة فصال ملابس مليكة سارت بمنحنيات بعيدة كل البعد عن فصال سابقتها فريدة. فالفتاة التي تنحدر عن والدين مهاجرين مغربيين جربت كل أنواع تصاميم الأزياء الشبابية- الممتدة بين"الغانغستا"(موضة الهبهوب) وفترة الملابس الأكثر أناقة أوالمبرزة للمفاتن، قبل أن تنتقل إلى ارتداء غطاء الرأس أولا، ومن ثم إلى الأردية الخارجية الطويلة، و إلى الحجاب الكبير بالألوان المحتشمة أخيرا. ارتداء غطاء الرأس بالنسبة لها التزام بتعاليم القرآن، وليس سوى خطوة في عملية اشتملت أيضا على المزيد من مظاهر الطاعة الضمنية مثل الصلاة يوميا، الامتناع عن مصافحة الرجال، والإحجام عن سماع الموسيقى. هدفها كان الاحتذاء بالمثل الذي ضربته النساء المسلمات المهاجرات من الجيل الأول، لأنها تنوي بدورها، ومن خلال طريقة لبسها، خلق انطباع لاجنسي عند الناظرين.

ليزا، أبنة عائلة هندوسية-باكستانية مختلطة من المراتب السفلى للعوائل المتوسطة الحال، تشرح كيف أن تحولها نحو غطاء الرأس كان نتاج رحلة بحث فكرية عما يعنيه الإسلام فعلا للمرأة. فهي ترعرعت في مجرى حياة عائلة متحفظة بعض الشيء، دون التمسك بزي يميزها كفتاة مسلمة، ثم تحولت في المراهقة إلى ملابس أكثر رياضية و حضرية. وحينما تطور التزامها بالإسلام، جراء انضمامها إلى منظمة طلابية إسلامية، صارت على نفس المنوال تمازج تصاميم ملابسها الحضرية بغطاء الرأس، ترتدي سروال الجينز( ولكن ليس الضيق تماما)، بلوزة طويلة تغطي السروال، حذائين مطاطيين والغطاء الذي يغطي الرأس والعنق دائما. تفهم غطاء الرأس كطريقة للتعبير عن حب الله ويسمح لها إيمانها الشخصي بإختيار ملابسها من طيف واسع من الموديلات الإسلامية.

وتشي لنا هذه النماذج الثلاثة، رغم إختلاف طرق تعبيرها عن العلاقة بين الإيمان الديني والنزوع نحو الأزياء، كيف تربط هذه النسوة العلاقة بين أزيائهن والإسلام بقوة. كلهن يقيّمن موديلات ملابسهن كتجسيد ديني من الطراز الأول. ورغم أنهن يمارسن الإسلام بطرق مختلفة فأنهن يستخدمن لغة إنعكاسية حادة لإبعاد النفس عن أشكال التدين الأخرى الناجمة عن الممارسة بحكم العادة، ويؤكدن أنهن توصلن إلى خيار ناجم عن معرفة وإطلاع. ولا يبدو تأثير" ذوق المجتمعات" التي يعشن فيها، وقيم هذه المجتمعات الجمالية الخاصة بها، ظاهرا للعيان إلا بعد الابتعاد عن النقاش حول "غطاء الرأس" كضرب خاص من تشكيلات أزياء الشباب.و الملابس التي يرتدينها تختلف إختلافا ظاهرا.

وتبدو فريدة أكثرهن ارتياحا إلى ملابسها الأنيقة، التي تؤلفها تشكيلات من التنورات التي تمس الأرض بطولها، والجاكيتات المفصلة على مقاساتها، المخاطة من الأنسجة العالية الجودة، والمستوردة من تركيا كما هو واضح. تبدي عناية خاصة بإرتداء أغطية رأس تنسجم مع ملابسها، لكنها لا تحب حشيات الرأس الشائعة بين معظم الفتيات التركيات، التي توضع تحت غطاء الرأس، بغية منحه شكلا ملتفا ومنفوشا. اسلوبها في اللبس خاص بها، تلهمه طرق لبس أغطية الرأس المختلفة الشائعة في شرق تركيا. ليزا، للمقارنة، لا تهمها الإناقة، لا التكلّف، ولا، وهذا واقع حال، الكعب العالي.

تصف ليزا أسلوبها في اللبس بالبسيط، الرياضي، الحضري، واللمريح. ترتدي دائما سروال الجينز وتغطيه بتنورة طويلة أو بلوزة طويلة، مع القلنسوة التي تغطي الرأس والعنق، وتستكمل كل ذلك بتشكيلة من حقيبة بسيطة وحذاء "نايكي". لم تستمع إلى كلمات مسيئة بسبب ارتدائها "السروال والقميص"(Shalwar qamiz ) إلا في المناسبات التي يحضرها أبناء الجالية الهولندية-الباكستانية. ملابس مليكة أقل أزياء الفتيات الثلاث تنوعا، فهي ترتدي ثوبا طويلا غير مخصر يغطي كامل جسدها، تخيطه لها خياطة متخصصة. بمثل هذه الملابس، وتوالفه مع حجاب يغطي كامل رأسها، وترتدي أحيانا القفازات. رغم ذلك، لا يبدو أن مليكة خلعت اهتمامها السابق بالموضة بالكامل عنها، حينما ترتدي أفخر ماركات سراويل الجينز تحت هذه التشكيلة، و ثيابها الخارجية الطويلة الفضفاضة مفصلة بشكل أنيق، مطرزة، ومزينة بالزخارف الأخرى.

بكلمات أخرى، أن النساء الثلاث يلتزمن من جهة بتعاليم وفروض الدين ويقاسمن المجتمع الذي يعشن فيه" ذائقته" من جهة أخرى. فطريقة اللبس التي يخترنها لا تنطوي على قناعة بأن ما يلبسنه هو مقبول إسلاميا فقط ، وإنما تنطوي على عناصر أخرى يجب أن تؤخذ في الحسبان. حينما يحدثن أزياء خاصة يلبسنها فأنهن لا "يحدثن" الدين نفسه فحسب، وإنما يحققن، في ذات الوقت، أهدافا أخرى بينها الجهر بالصعود طبقيا، التعريف بالهوية الأثنية، التعريف بالإنجازات المهنية والتأثر بثقافة الشباب. ورغم أن فريدة تنأى بنفسها عن الأزياء الأكثر التقليدية التي يرتديها جيل البنات التركيات، فأن زيها يعبر، ويترك انطباعا، عن هويتها التركية وحرفيتها.

بالمقارنة لاترتدي مليكة ولا ليزا، أزياء تربطهن مباشرة بخلفيتهن الأثنية، ليس في الحياة اليومية في أقل تقدير، و غالبا ما يلبسن هكذا في المناسبات الاحتفالية فقط. ولأن مجال الخيار في أزياء ثياب مليكة أكثر محدودية مما هو لدى غيرها، نجدها تبدي اهتماما أعظم في اختيار الأنسجة، الفصال، والتطريز بغية إظهار أزيائها بأكثر ما تكون إنسجاما و بهرجة. و يعبر زي ليزا الإسلامي، والحضري في آن، عن حس خاص بها بالأزياء، وظيفته التوفيق بين هويتها الإسلامية وحضورها في ثقافة شبابية خاصة. وإذا كانت فريدة، بزيها التركي، وفريدة بزيها العربي "الخليجي"، كما يسميه البعض، تمثلان تشكيلتي أزياء خاصتين بأقليتين معينتين، فأن زي ليزا المنمق بتشكيلات دار "H&M" و محلات "زارا Zara"، التي تستمد عناصرها من الموضة السائدة، والمنسجم مع غطاء رأسها، يعرض لنا زيا حديثا، إسلاميا في ذات الوقت، وهو الأكثر شيوعا بين المسلمات الشابات اليوم.

سياسة الحضور الجسدي

كيف يرتبط هذا التحول في الأزياء الإسلامية بين المسلمات الشابات بالجدل الدائر حول حضور الإسلام العلني في المجتمع؟ أن الحكم القائل بأن الحجاب يعبر عن اضطهاد المرأة- بغض النظر عن موقف المرأة المحجبة نفسها وما إذا كانت تقر هذا الطرح أم لا- يجعل الاستماع إلى المرأة المسلمة المغطاة الرأس متعذرا. لهذا السبب ظهرت أشكال أخرى من أشكال التفاعل مع الوسط العام- من خلال الحضور البصري والجسدي في هذه الحالة- واصبحت وسيلة جديدة لاستعراض الرأي البديل أمام الرأي العام. هذا في يد، وما هو أهم، في اليد الأخرى، هو انفتاح مجال المشاركة في هذا الاستعراض أمام أعداد أكبر من النساء كي يلتحقن به. فمرتديات الأزياء الإسلامية الحديثة من المسلمات الشابات في أوروبا خلقن حضورا يمكن أن يكون الأرضية الصالحة لهز الموقف المتحجرة السائدة عنهن بين أوساط الرأي العام.

الصورة د.ب.ا
الحضور في عالم الموضة والأزياء يتطلب من الفتيات المسلمات في المجتمعات المحافظة الكثير من الجرأة والدعم

​​

النساء المسلمات المتحجبات أنفسهن يقلن أنهن معنيات بالـ"تعبير من خلال العرض". وهن غالبا ما يكن أكثر من واعيات لحقيقة أنهن "ككليشيه جاهزة" لا يمكنهن التملص من عبء الاستعراض. ولأنهن يجدن أنفسهن مشخصات كمسلمات، فأنهن يشعرن بمسؤولية أكبر في التصدي للأحكام السلبية الجاهزة عن الإسلام عن طريق تقديم صورة أكثر إيجابية. ويصح هذا أكثر على النساء ذوي الحضور القوي في الحياة العامة، إما بسبب انهماكهن الوظيفي، أو بسبب النشاطات العامة التي يشاركن بها. بل أن مليكة نفسها، التي ترفض المساومة على أزياء إسلامية أكثر انفتاحا، تأخذ في نظر الاعتبار كيف ينظر الناس إليها حينما تضفي على ثوبها الخارجي ألوانا فاقعة. إذا، ما الذي تحاول هذه النسوة التعبير عنه من خلال جماليات حضورهن الجسدي؟ إرتداء الأزياء الحديثة يعني، أولا وقبل كل شيء، الوقوف ضد الصورة التقليدية عن المرأة المسلمة كامرأة فارغة، مسحوقة بالأقدام، مضطهدة، وبعيدة الحس تماما عن الحداثة. وبالضبط لأن الأزياء ارتبطت تاريخيا بالحداثة بقوة، فان النساء المسلمات يعمدن إلى توكيد حضورهن الجسدي الجمالي برغبة محو الصور السلبية الجاهزة عن الجيل القديم من النساء المحرومات، القادمات من المناطق الريفية المتخلفة، والمقيمات في عزلة تامة عن المجتمع الهولندي.

فارتدائهن الحجاب لا يعبر عن هويتهن كمسلمات، وإنما يظهرهن في ذات الوقت، كمتابعات لعالم الأزياء والتقليعات، وبتعبير أدق، كمنتميات إلى جماعات سكانية ذات أسلوب خاص في الحياة، تتنوع خياراتها بين" الجميل، الأنيق، والفريد"، مع العديد من العناصر "الرياضية، الحضرية والجمالية". وأن تشكيلاتهن المنتقاة بعناية، المنسجمة رغم تنوع عناصرها، هي جزء من دنيا الحداثة و عالم المستهلكين الخلاقين. وحين نقول أن التحول إلى نمط الأزياء الإسلامية الحديثة هو نزعة حديثة بالتأكيد، فهذا لا يعني عدم وجود أصوات مخالفة. فالرأي العام الإسلامي محمل بآراء متباينة حول تعاليم اللبس وضرورات التقيد بهذه التعاليم. وبينما يرى البعض، ممن يحبذون الملابس التي تغطي الجسم، يحجمون عن نقد الآخرين، ويؤسسون حججهم على أساس أن التغطية بحد أقل قد تكون أيضا خطوة في الإتجاه الصحيح، يعبر البعض الآخر عن مشاعر القلق من "الإنزلاق" نحو خيارات جمالية أخرى، مثل التشكيلات التي تجمع بين أغطية الرأس الملونة وسراويل وفانيلات الجينز التي تزداد التصاقا بالجسد يوما بعد يوم، التنورات التي تغطي بالكاد الركبتين، التنورات الفضفاضة التي تلبس على جوارب النايلون الملتصقة بالجسد والأكمام التي ما انفكت تبتعد عن الرسغين. ويثير التنافر بين غطاء الرأس، كتعبير عن العفة في الإسلام، وبين الأزياء التي تنتهك هذه العفة، ألما لا يحتمل بالنسبة للبعض الآخر.

هناك تيار قوي بين الغالبية غير المسلمة من الرأي العام يعبر بمشاعر البهجة عن الأزياء الإسلامية الحديثة. واحدى نتائج هذا الموقف كمثل هو أن المرأة التي لا تجاري مثل هذه الأزياء صارت تعامل كنموذج محكوم بالسلبية. يشكو البعض من أن أرباب العمل لا يشغلون امرأة ترتدي غطاء الرأس، ويفضلون عليهن النساء اللاتي يرتدين أشكالا أخرى من أغطية الرأس(والملابس)، وهذا لأن أغطية الرأس التقليدية تبالغ في التغطية، قاتمة جدا، لا تلائم "العصر" تماما، وباختصار" ليست زيا حديثا" بما يكفي. نظرة الغالبية العظمى من الرأي العام لحضور المرأة المسلمة في الحياة العامة صار يرتهن أكثر فأكثر بمدى إنشراح الناظر من جمالية وأناقة أزيائها الإسلامية.

أنليز مورس
ترجمة: ماجد الخطيب
حقوق النشر: معهد غوته ومجلة فكر وفن 2011

أنليز مورس مؤلفة كتاب "النساء، الملكية، والإسلام: خبرات فلسطينية 1920-1990( مطبوعات جامعة كامبرج 1995)، أستاذة في المعهد الدولي للدراسات حول الإسلام في العالم الحديث في جامعة امستردام.

ملفات خاصة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.