رواية الكاتب المغربي الطاهر بن جلون "شجرة الذاكرة"

مخبول يتحدث بلسان من يخاف رفع صوته ضد بؤس العالم ونفاقه

ألّف الكاتب المغربي الطاهر بن جلون قبل أكثر من 30 عاما روايته الاجتماعية "شجرة الذاكرة" التي جعلها فريق ألماني-مغربي أساس عمل مسرحي يلقي نظرة على "حرية جديدة" يتمتع بها الفقراء وهي حرية ناتجة عن "عدم امتلاكهم لأي شيء"، كما تطلع لاورا أوفرماير موقع قنطرة.

يعيش الحكيم المخبول "موها" على شجرة، ليست كأية شجرة، إنها شجرة الذاكرة. يستطيع "موها" أن يرى كل شيء في الماضي والحاضر على حد سواء ويقول كل ما يريده فهو في النهاية "مخبول".

شخصية المخبول حاضرة بشكل كبير في ثقافة الحكي بأدب شمال إفريقيا، كممثل للضعفاء والمقموعين ومن لا يستطيعون رفع أصواتهم. يستطيع المخبول بالطبع أن يقول ما يخاف غيره من الناس النطق به خوفا على حياتهم، فهو في النهاية يتمتع بدرجة أكبر من الحرية كونه مخبولا.

توضح المخرجة المسرحية ارينل روف طبيعة شخصية "موها" في الرواية وتقول:"يمكن لكل شخص أن يتحدث بلسان موها". وتعرف روف جيدا طبيعة شخصية المخبول في الأعمال الروائية والفنية بشمال إفريقيا إذ أنها نشأت في المغرب وتونس. وأدركت روف من خلال أعمال بن جالون، أن شخصية المخبول لم تفقد أهميتها كما أنها صالحة للطرح حتى في عصرنا الحالي.

فريق ألماني-مغربي جعل من رواية "شجرة الذاكرة" التي جعلها أساس عمل مسرحي Foto: ©  Laura Overmeyer
شخصية المخبول من الشخصيات الحاضرة بقوة في أدب شمال إفريقيا

بين الخيال والنقد اللاذع للمجتمع

نشر الكاتب المغربي الطاهر بن جلون روايته شجرة الذاكرة (الترجمة الألمانية للعنوان الأصلي الفرنسي) عام 1978. تجمع الرواية بين عالم الخيال والواقع المؤلم وتنتقد على لسان شخصية "موها" النفاق والبؤس والتضليل المنتشر في العالم. وبالرغم من أن الإطار المكاني للرواية يتركز على تاريخ المغرب خلال فترة الاستعمار إلا أن مفردات العمل صالحة لكل زمان ومكان.

كانت الرواية محظورة في المغرب حتى عام 2006. ويعلق الطالب الألماني يان على الأمر قائلا:" يمكن اليوم قراءة الرواية في المغرب لكن لا يمكن شراؤها". يان هو فرد من فريق مكون من 14 شخصا من الفنانين الشباب الذين تعاونوا مع المخرجة ارينل روف في تحويل الرواية إلى عمل مسرحي عرض في هامبورغ للمرة الأولى في العاشر من حزيران/ يونيو 2013.

وبظهور هذا العمل على المسرح تحقق حلم قديم للمخرجة فقد استغرق تحقيق هذا الحلم تسع سنوات والعديد من جلسات العمل.

مشروع ألماني مغربي مشترك

بدأت روف العمل مع سبعة من طلبة جامعة هامبورغ قبل عام ونصف وتقول الطالبة روزا المشاركة في فريق العمل :"قرأنا الكتاب واختار كل منا الجزء الذي مسه بشكل كبير ورسمنا صورة لكل من هذه الأجزاء لنضع حجر الأساس الذي انطلقت منه مرحلة التطوير والابتكار".

غلاف رواية "شجرة الذاكرة"
شخصية "موها" في الرواية هي لسان من يخاف رفع صوته. "موها" الثوري يطالب الناس "بعدم كظم الغيط والنزول للشارع وتحديدا للميادين الكبرى والخروج من حالة الصمت والخوف".

النص المكتوب للعمل المسرحي يعتمد على رواية "شجرة الذاكرة" للطاهر بن جلون بالإضافة إلى أفكار خاصة من مجموعة العمل. النص المسرحي لا يعتمد على معالجة محددة بل على مجموعة متتالية من التصورات حول مواضيع معينة كما لا توجد في العمل الكثير من الأدوار الثابتة فكل جزء وفكرة تعرض شخصيات مختلفة. وكل شخصية في العمل تتحدث بلسان "موها".

بدأ العمل في المشروع الألماني المغربي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2011 من خلال سبعة طلبة من الدار البيضاء وسبعة طلبة ألمان، سبعة رجال وسبع نساء شكلوا في النهاية مجموعة عمل شابة عملوا على صياغة شخصية "موها" بنصوص عربية وألمانية وأغانٍ ورقصات.

صور عالمية صالحة لكل زمان ومكان

عما يتحدث "موها"؟ عن الماضي والحاضر وعن كل الأشياء التي يتم تجاهلها أو غض الطرف عنها أو حتى قبولها على مضض. تتحدث المرأة المقموعة على لسان "موها" وتنتقد المجتمع الذكوري والإساءة لجسدها.

ويتحدث المعارض العلماني على لسان "موها" ويفضح التناقض بين التدين الشكلي والواقع الاجتماعي وينتقد إساءة استخدام الدين والاتجاه للرأسمالية الغربية مع تنامي الفقر في البلاد ويتحدث عن "حرية جديدة" يتمتع بها الفقراء وهي حرية ناتجة عن "عدم امتلاكهم أي شيء".

يتطرق "موها" إلى الماضي الاستعماري للفرنسيين الذين "أصابوا كرتنا الأرضية". ويعبر "موها" بطبيعة الحال عن قضايا الحاضر ويتحدث عن "النفاق الإجرامي للاتحاد الأوروبي والخطة الأمريكية لتمرير الديمقراطية غصبا في العالم العربي". أما "موها" الثوري فيطالب الناس "بعدم كظم الغيط والنزول للشارع وتحديدا للميادين الكبرى والخروج من حالة الصمت والخوف".

الصور التي يقدمها العمل تصلح لكل زمان ومكان حتى بالرغم من أن اللغة والملابس والموسيقى توضح العنصر العربي بشكل ملموس إلا أن المحتوى يصلح لكل مكان. والعمل في النهاية هو دعوة للمزيد من الإنسانية والصراحة والتعقل ورفض لضياع الثقافة والهوية في العصر الحاضر وأمل في عالم به المزيد من مشاعر التضامن.

 

لاورا أوفرماير

ترجمة : ابتسام فوزي

تحرير: هبة الله إسماعيل

حقوق النشر: قنطرة 2013

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.