نصيف فلك، الصورة: الأرشيف الخاص
رواية تصدر في بغداد تحاكم البعث وإيران:

"خضر قد والعصر الزيتوني"

من الظاهر أن العراقيين متعطشون لأدب يسعى إلى تناول التاريخ القريب للبلد. هذا ما يفسر النجاح الاستثنائي لرواية نصيف فلك التي استثمر فيها جزء من تجربته الشخصية خلال عقد الثمانينيات. بقلم أحمد السعداوي
نصيف فلك، الصورة: الأرشيف الخاص
الكاتب العراقي نصيف فلك

​​

على مدى اسبوعين تقريباً تصدر اعلان كبير ملون صفحات جريدة الصباح العراقية المدعومة حكومياً، والتي توزع على نطاق واسع في جميع محافظات العراق ومدنه. الشيء الاستثنائي في هذا الاعلان، انه يعلن عن قرب صدور رواية، الأمر الذي اعتبره بعض المتابعين أول دخول للرواية العراقية في سياق التسليع الثقافي.

طبعت جريدة الصباح من الرواية خمسة آلاف نسخة بورق أسمر، وهو عدد لم تبلغه أية رواية عراقية أخرى في طبعة واحدة. وتم توزيع الرواية من خلال الشركة الموزعة للجريدة، فوصلت الرواية في وقت واحد الى كل المحافظات العراقية. وهذه التفاصيل كلها استثنائية فيما يخص المطبوع الادبي، والروائي بالذات داخل العراق. وخصوصاً في الظرف الراهن، الذي تعيش فيه الثقافة العراقية والحياة بصورة عامة أسوأ اوضاعها.

العمل الذي قامت به الجريدة يأتي كفاتحة لمشروع أعلنت عنه لأصدار كتاب شهري في مختلف المجالات المعرفية والابداعية، ولكن المشروع توقف أو تلكأ، ولم يصدر كتاب آخر بعد هذه الرواية.

"خضر قد والعصر الزيتوني" هو اسم الرواية، وبالنسبة لمؤلفها نصيف فلك فأنه قد حظي بفرصة نادرة لاخراح واحد من كتبه الى النور. وهو لا يفكر بمصير مشروع جريدة الصباح، أكثر من انشغاله بالصدى الذي حققته روايته، التي قرئت على نطاق واسع، وفي وقت متزامن.

فخلال شهرين من صدور الرواية ظهرت في الصحف العراقية أكثر من عشرة مقالات نقدية حول الرواية، بالاضافة الى المتابعات الصحفية المختلفة، واجريت مع الكاتب عدد من المقابلات، وأقيمت أمسيات احتفائية.

رواية رائجة

الذي حقق الرواج لرواية "خضر قد والعصر الزيتوني" التوزيع الجيد، ورخص ثمن الرواية، ولكن الرواية نفسها تستحق القراءة. ويفضل نصيف فلك ربط هذا الرواج بمشكلة الرواية في العراق، فهو يعتقد انه حقق نجاحاً نسبياً لأنه اجهد نفسه للأبتعاد عن ازمات الرواية العراقية والتي يعتقد انها ولجت خلال العقدين الماضيين، بسبب الضغط السياسي واسباب أخرى تتعلق بالخيارات الفنية للكاتب، في نفق التعمية، والهذيان، وقذفت هذه الكتابة بالقارئ العادي بعيداً عنها. واصبح من العسير التواصل مع روايات عديدة.

هذه الرواية هي الكتاب الاول لنصيف فلك، رغم انه يحسب على الجيل السبعيني من الكتاب في العراق. والسبب يعزى الى ابتعاد فلك عن الحياة الثقافية التي كان تهيمن عليها موجهات السلطة البعثية الحاكمة، مفضلاً انتاج مؤلفات وكتب مضادة لثقافة النظام، ظلت على مدى عقدين مجرد مخطوطات.

وفي روايته هذه يستثمر الكاتب جزءاً من تجربته الشخصية خلال عقد الثمانينيات، من الهروب من الخدمة العسكرية، والهروب الى ايران، عارضاً لوجهة نظر شخص يجرب النظر الى الحرب العراقية الايرانية من جانبي هذه الحرب.

وفي الوقت الذي يستعرض الكاتب الحياة العراقية في ظل الحرب وهيمنة النظام الديكتاتوري الذي عسكر المجتمع، وضيق الخناق على ذوي الاراء المستقلة والحرة، فأنه يغوص عميقاً في آلام ومحن العراقيين الذين اضطرتهم ظروفهم الى الهروب نحو ايران.

هناك مشاهد مطولة لتفاصيل الحياة في معسكرات الاسرى واللاجئين في ايران، حيث يكتشف هذا العراقي الهارب أنه بحاجة الى هرب جديد. وهو ما نجح فيه البعض وفشل في انجازه آخرون.

ايران الرومانسية

لا يفضل بعض الكتاب العراقيين الخوض في الذاكرة السوداء لحقبة الثلاثين عاماً الماضية من تاريخ العراق، بدواعي البحث عن بداية جديدة، ونسيان آلام الماضي، لكن نصيف فلك يرى ان الشعوب المتخلفة فقط هي من تنسى سريعاً، وهو يعتقد ان العراقيين، او الكثير منهم نسوا سريعاً المآسي الكثيرة التي كانوا يحيون في ظلها قبل سقوط النظام الديكتاتوري.

ويرى ان مسؤولية الادب ان يقوم بالتذكير، وان يحارب النسيان، خصوصاً حين تكون التجربة التي يراد نسيانها ضخمة وكثيرة التفاصيل، ولم تقرأ بشكل وافٍ ومستفيض حتى الآن، كما هي تجربة حكم البعث للعراق.

في روايته، يقوم فلك بشيء من مراجعة هذا التاريخ الاسود، وتوثيق حكايات واحداث مرت على الناس خلاله، ولكنه يقوم ايضاً بوضع النظام الايراني نفسه على لائحة الإتهام، فمن كان تحت سطوة حكم البعث وصدام، يرى الحياة في إيران أكثر انسانية.

وهي فكرة رومانسية سرعان ما تتحطم، حين يواجه اللاجئ الى ايران صنوف التجاهل والمعاملة السيئة، الى الحدود التي جعلت العديد من ذوي التوجهات الاسلامية، والذين مثلت ايران لهم في وقت ما نموذجاً، يعيدون حساباتهم ويرتدون بشكل حاد الى توجه معاكس ومضاد.

لا يريدنا نصيف فلك مع روايته هذه ان ننسى البعث ونخفف من بشاعة جرائمه، تحت أي ظرف كان، ولا يريدنا ايضاً، ان نبقى اسرى صورة رومانسية عن النموذج الايراني، وهي رسالة موجهة بالذات الى ابناء جلدته، ممن تحدث عنهم في الرواية وصورة حياتهم، وهو يفتح دائرة الاتهام في مآسي العراق لتشمل اطرافاً عديدة، تقف إيران مع النظام الديكتاتوري للبعث في مقدمتها. اللذين تعاونا على ادامة حرب مجنونة وقاسية تسميها الرواية بـ"حرب الكلاب".

أحمد السعداوي
حقوق الطبع قنطرة 2007

قنطرة

عن المثقفين في زمن الاستبداد
مئات من المثقفين العرب والعراقيين كانوا خلال العقود الماضية يروجون "لثقافة" نظام صدام حسين وحزب البعث. بعد أربع سنوات من سقوط هذا النظام، هل ثمة مبادرات للتعامل النقدي مع هذه المرحلة؟ بقلم الكاتب والصحفي أحمد السعداوي

ملفات خاصة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.