سنوات الرصاص في المغرب
مصالحة لكن لا اعتذار ولا محاسبة!

أنهت هيئة الإنصاف والمصالحة في المغرب عملها عن انتهاكات حقوق الإنسان بين عامي 1956 و1999. وألقى الملك محمد السادس خطابا أمر فيه بتنفيذ توصيات الهيئة لكنه تجنب تقديم اعتذار علني للضحايا. حوار مع صلاح الوديع وعبد الحميد أمين وسعيد السُّلامي

​​أنهت هيئة الإنصاف والمصالحة في المغرب عملها عن انتهاكات حقوق الإنسان بين عامي 1956 و1999 والمعروفة بسنوات الرصاص. وبهذه المناسبة ألقى الملك محمد السادس خطابا أمر فيه بتنفيذ توصيات الهيئة ودعا إلى طي صفحة الماضي وقدم مواساته للضحايا لكنه تجنب تقديم اعتذار علني لهم. القسم العربي بإذاعة الدويتشه فيله تناول هذا الموضوع في نقاش مع السادة: صلاح الوديع، عضو هيئة الإنصاف والمصالحة، عبد الحميد أمين، رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، سعيد السُّلامي، مدير مركز حرية الإعلام في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أدار الحوار أحمد حسو

أستاذ صلاح الوديع كيف تنظرون في الهيئة إلى مطالب بعض منظمات حقوق الإنسان المغربية بضرورة تقديم اعتذار واضح وعلني من الملك للضحايا وعائلاتهم ؟

صلاح الوديع، الصورة: www.ier.ma
صلاح الوديع، عضو هيئة الإنصاف والمصالحة

​​صلاح الوديع: بداية أريد أن أوضح بأنني عضو هيئة الإنصاف والمصالحة سابقا، اذ لم يعد للهيئة الآن، أي بعد خطاب الملك في السادس من الشهر الجاري، أي وجود قانوني وكل ما يتعلق بنتائج عملها أصبح موكولا للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان الذي عليه أن يتابع تنفيذ التوصيات.

أما بالنسبة للاعتذار، فقد جاء في توصيات الهيئة أن على الدولة المغربية أن تعتذر لضحايا الانتهاكات على لسان الوزير الأول وأمام البرلمان. اعتقدنا في الهيئة، عندما صغنا هذه التوصية، بأنه من الضروري أن يأتي الاعتذار على لسان الدولة. ويمكن أن نشير هنا إلى الخطاب الملكي، ذي الأبعاد التاريخية، الذي ألقي في القصر الملكي منذ أيام وورد فيه إقرار واضح بمسؤولية الدولة. هذه المسألة لا تُقرأ كفاية؛ فأن تتحمل الدولة المسؤولية فيما وقع، وأن يأتي على لسان العاهل المغربي نفسه كلمة الصفح الجميل، يعني أنّ هناك أبعادا يمكن أن تدخل ضمن هذا الإطار، إطار النظر إلى المستقبل بناء على عبر التاريخ وبناء على إقرار مسؤولية الدولة. أما التوصية التي رفعتها الهيئة في تقريرها، فهي مأمورة الآن، وعلى لسان العاهل المغربي نفسه، بتنفيذها.

أستاذ عبد الحميد أمين، ما الضير إذا اعتذر الوزير الأول أو الحكومة، ربما هذا يساعد أيضا في مبدأ تعزيز ملكية دستورية في المغرب، بمعنى أن الحكومة هي المسؤولة أمام الشعب، وهذا ما كنتم تطالبون به باستمرار في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان.

عبد الحميد أمين: لا مانع لدينا في أن يعتذر الوزير الأول باسم الدولة، شريطة أن يتم قبل ذلك تغيير الدستور، ويتم التنصيص فيه على أن الحكومة تتوفر على كافة الصلاحيات التنفيذية.

النقد ينصب على أن الحكومة تتوفر فقط على جزء ضئيل من الصلاحيات وأنها عادة لا تكون مطلعة على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في بلادنا. والحكومة المغربية في العديد من الأحيان تكون، لا أقول آخر من يعلم، لكنها تعلم في المستوى نفسه الذي نعلمه نحن في المنظمات الحقوقية.

أليست الحكومة هي التي قامت بتلك الانتهاكات، أعني أجهزتها الأمنية؟

 عبد الحميد أمين، الصورة: www.maroc-hebdo.press.ma
عبد الحميد أمين، رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان

​​عبد الحميد أمين: هناك من يقول إن وراء الانتهاكات أجهزة معينة، أما الحكومة فهي مسؤولة عن الانتهاكات فيما يتعلق بوزارتي الداخلية والعدل لأنّ الأخيرة هي التي غطت على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في فترات معينة عن طريق القضاء.
إذن أنا أريد، أولا، أن أعود إلى الموضوع برمته، لأن مسألة الاعتذار هي مسألة جزئية وبالنسبة إلينا فالدولة هي المطالبة بالاعتذار نظرا لأنها المسؤولة الأساسية عن الانتهاكات الجسيمة.

وحسب الدستور فإنّ الملك هو الممثل الأسمى للدولة وبالتالي من يجب أن يعتذر باسم الدولة هو الملك وليس الوزير الأول، الذي لا يمثل إلا الحكومة، والحكومة في المغرب ليست مسؤولة عن الجهاز التنفيذي برمته وفق الدستور الحالي. نحن في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان نرى أنه لا يجب أن نختزل موضوع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في بلادنا في مسألة الاعتذار؛ فحتى لو اعتذر الملك بشكل رسمي وعلني أمام البرلمان أو أمام الأمة في خطاب رسمي، فإنّ هذا لا يشكل حلاً نهائياً لمشكلة الانتهاكات.

نحن نرى أنّ الحل الديمقراطي لملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان يكمن في هذه الأركان الأساسية:

أولا. الحقيقة الكاملة؛ أي كشف الحقيقة عن كافة الانتهاكات الجسيمه لحقوق الإنسان. ثانيا .كشف المسؤوليات، بما فيها مسؤولية الدولة وعدم تمييع هذه المسؤوليات بالقول بأن أطرافا أخرى هي أيضا مسؤولة عن الانتهاكات الجسيمة. ثالثا. المسؤولية المؤسساتية، بمعنى تحديد مسؤولية كل مؤسسة على حده . المؤسسة الملكية، الجيش، الدرك، مختلف الأجهزه الأمنية، وزارة الداخلية، وزارة العدل، القضاء... هذه المسؤوليات يجب تحديدها بدقه؛ وكذلك تحديد المسؤوليات الفردية في الانتهاكات الجسيمة. فعنوان الحل الديمقراطي للانتهاكات الجسيمة يكمن في الحقيقة والإنصاف وإجراءات المحاسبة كي لا تتكرر هذه الانتهاكات.

أستاذ سعيد السُّلامي، أنت سمعت الأستاذين، نبدأ بموضوع الاعتذار فهناك وجهتا نظر: الأولى تقول بأن على الحكومة ممثلة برئيسها، أي الوزير الأول، أن تعتذر؛ والثانية تطالب بأن يعتذر الملك شخصيا باعتباره الممثل الأعلى للدولة، ما الفرق هنا؟

سعيد السُّلامي: طبعا الفرق كبير؛ فأن يعتذر رئيس الدولة، أي الملك، شيء وأن يعتذر رئيس الحكومة شيء آخر. وفي الوضع المغربي، وكما قال الأستاذ عبد الحميد أمين فإنّ رئيس الحكومة ليست له حسب الدستور صلاحيات كاملة كما هو متعارف عليه في المجتمعات الديمقراطية أو في الدساتير الديمقراطية. الملك له صلاحيات كثيرة وهو رئيس الدولة. أنا مشكلتي ليست في الاعتذار، فعندما يشكل الملك هذه الهيئة ويقر ببرنامجها المحدد وفق قانونها وتصدر هي تقريرها وتقدمه للملك وهو يتبناه ويخطب مباشرة في الموضوع ويطلب تجاوز هذه المرحلة فهذا أمر هام جدا. لا أقول إنه اعتذار إنما هو اعتراف رسمي من قبل الدولة بمسؤوليتها عن الانتهاكات الجسيمة.

ألا يكفي هذا؟

سعيد السُّلامي، الصورة: www.maroc-hebdo.press.ma
سعيد السُّلامي، مدير مركز حرية الإعلام في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

​​سعيد السُّلامي: بالنسبة إلي يكفي؛ لأننا سنبقى نناقش من يعتذر؟ الوزير الأول أم الملك؟ وهذا سيضيع علينا فرصة نقاش المسائل الأساسية وهي المقترحات التي قدمتها الهيئة. هي الإصلاحات الضرورية الواجب تطبيقها حتى نتجاوز هذه المسائل وحتى لا يرجع المغرب إلى ما عاشه في الماضي. هذا هو الأساس بالنسبة إلي.

قبل أن ننتقل إلى مناقشة هذا الجانب، الآن هنالك مبدآن: المصالحة والاعتذار ثم يأتي المبدأ الثالث، أي، المحاسبة. هل يتحمل المجتمع المغربي، بوضعه الآن وبتركيبته الحالية، هذه العلنية ومحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات وتحديد هوياتهم؟

سعيد السُّلامي: لا أظن أن المغرب قادر على استيعاب هذا الوضع لأنه لم يحصل تغيير جذري في النظام السياسي. هذه هي ميزة المغرب. إن محاسبة الماضي تتم في نظام لم يتغير، والمعروف تاريخياً أن هذه الهيئات، أي الحقيقة والإنصاف والمصالحة الخ.. اشتغلت في مجتمعات تغيرت. تغيرت أنظمتها، أي تغير رئيس الدولة ورئيس الحكومة إلخ... وأسطع أمثلة على ذلك هي بعض دول أمريكا اللاتينية والجنوبية ودول أوروبا الشرقية وجنوب إفريقيا. أما في المغرب فلم يتغير النظام إذ أنّ الملكية مازالت موجودة والعديد من الأشخاص المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمه ما زالوا في مواقعهم الأساسية. المطلوب هو أن تُقام مقابلات بين المسؤولين وبعض الضحايا؛ مثلاً في التلفزيون ويكون هناك اعتذار شخصي من هؤلاء الضحايا.

يعني كشف هويات المسؤولين عن الانتهاكات؟

سعيد السُّلامي: لا، ليس كشفهم؛ أقصد أن يتطوعوا هم ويقابلوا الضحايا ويعتذروا إليهم. أمر آخر أشار إليه الأستاذ إدريس بنذكري، رئيس الهيئة، إذ قال بأن بمقدور الضحايا أو عائلاتهم أن يرفعوا دعاوى ضد المسؤولين عن الانتهاكات أمام القضاء المغربي. وأنا قرأت اليوم في الصحافة أن هناك سيدة توفي زوجها تحت التعذيب وقام ابنها برفع دعوى ضد المسؤول عن تعذيب أبيه ومقتله والنتيجة أنّ العائلة (الأم وابنها) تعرضت لتهديدات من أشخاص مجهولين عبر الهاتف الخ... ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أنّ بعض العناصر قد بدأت تتحرك لبث الخوف في نفوس الضحايا وعائلاتهم لمنعهم من اللجوء إلى القضاء.

هناك فكرة أخرى أخذت طريقها إلى النقاش وهي الطلب من المسؤولين عن الانتهاكات الذين ما زالوا يتحملون مسؤوليات في الإدارات الرسمية، في الشرطة، الأمن أو الجيش، أن يقدموا استقالاتهم، أوأن تتم إقالتهم من مناصبهم. أما أن تقوم الدولة بمحاكمة هؤلاء الأشخاص و عددهم ليس بالمئات، بالآلاف، فدونه مخاوف من أن يؤدي هذا الأمر إلى عدم استقرار في البلاد. إذ مازال لدى هؤلاء المسؤولين نفوذ كبير في أجهزة الدولة وفي المجتمع الخ... والمغرب غير مستعد لأن يدخل مرحلة مواجهة ونخسر كل ما حصلنا عليه في العقد الأخير.

هيئتكم اسمها هيئة الإنصاف والمصالحة، كيف يمكن إرساء مصالحة والقيام بإنصاف الضحايا دون تقديم اعتذار ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات؟ ما هو تصوركم في الهيئة لمبدأ المحاسبة خصوصا وأنكم لم تحددوا في تقريركم المسؤولين عن الانتهاكات.

صلاح الوديع: أعترف بأنه لا يمكن أن يكون الحكم على أي عمل صائبا إذا لم يوضع في سياقه التاريخي. ومن هنا أقول إن السياقات التاريخية التي تفرض تشكيل مثل هذه الهيئات هي إقرار ضمني بأن الآليات المتعارف عليها في الدول والكفيله بضمان إنصاف الضحايا من هذه الانتهاكات تكون تاريخياً معطلة. وتكون هذه الانتهاكات من الاتساع ومن الخطوره بحيث لا يمكن أن تكون فيها مقاربة جنائية. الأساسي حينما يتم الوقوف على مثل هذه الحالات هو وضع آليات ما يسمى بعدالة انتقالية وليس عدالة جنائية أو عدالة عقابية.

إذن المجتمع المغربي بتركيبته الحالية لا يتحمل محاسبة جدية وواضحة للمسؤولين عن الانتهاكات وكشف هوياتهم. لماذا إصراركم في الجمعية على مبدأ المحاسبة؟

عبد الحميد أمين: أولاً، أنا لست متأكداً من أن المجتمع المغربي لا يتحمل. هذه المسألة تحتاج إلى دراسة. اعتقد أنهم يلجأوون إلى اعتبارات سياسية لتبرير هذا الموقف. أنا لا أريد أن أدخل في اعتبارات سياسية، لأنني رئيس جمعية حقوقية، ومنطلقي هو المبادئ الحقوقية التي تقول إن لكل جريمة أو لكل انتهاك مساءلة أو عقاب وبالتالي لا بد من طرح مبدأ عدم الإفلات من العقاب. وأنا مسرور جداً لكون هيئة الإنصاف والمصالحة، التي كانت في وقت سابق تعتبر أن المساءلة تدخل في إطار الترويج للانتقام وللضغينة والفتنة، تطرح اليوم في توصياتها استراتيجية وطنية لعدم الإفلات من العقاب، بمعنى أنّ هناك إعادة اعتبار لهذا المبدأ.

فانطلاقاً من هذا المبدأ وانطلاقاً من الواقع نفسه نرى أن الإفلات من العقاب يؤدي إلى تكرار ما جرى والدليل على ذلك هي الانتهاكات الجسيمة التي عشناها في المغرب في الفتره الأخيرة، خصوصا فيما يتعلق بملف محاربة الإرهاب. فقد عدنا من جديد إلى عمليات الخطف والتعذيب والمحاكمات الجائرة؛ وعدنا من جديد إلى الأحكام القاسية، بالضبط، لأننا لم نتخلص من شبح الماضي، ولم نتخلص من اللاعقاب الذي طبع الفترة بين عامي 1956 و1999والمعروفة بسنوات الرصاص. فالمبدأ الأساسي بالنسبة إلينا هو عدم الإفلات من العقاب. وكما قال الأخ سعيد السُّلامي، فإنّ أضعف الإيمان هو المساءلة الإدارية. لماذا تُبقي الدولة أشخاصا مسؤولين عن الانتهاكات الجسيمه لحقوق الإنسان حتى الآن على رأس مؤسسات الأمن والدرك؟ لماذا لا يتم على الأقل إقالتهم من مناصبهم؟

ثانياً، فيما يخص المساءلة، نحن كجمعية مغربية لحقوق الإنسان طالبنا بمساءلة ومتابعة عدد من المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وطرحنا لائحة تضم خمسة وأربعين مسؤولا عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وطلبنا من الدولة أن تتابعهم، أي على الأقل أن تستجوبهم لمعرفة ما إذا كانوا مسؤولين عن هذه الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان أم لا. هم قالوا لنا نحن لسنا ضد هذه المساءلة، فليذهب كل من يريد أن يقاضي شخصا ما إلى القضاء. وفعلا ذهب عدد من الأشخاص للقضاء ولم يتم التجاوب معهم. إذن هناك سياسة ممنهجة للإفلات من العقاب سواء كان ذلك على يد الدولة أو على يد القضاء. نحن في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان نلح على عدم الإفلات من العقاب وفي حده الأدنى على الأقل أي المساءلة الإدارية. فمادام هناك إفلات من العقاب ستتكرر الانتهاكات. إذن نحن في إطار سياسة عدم تكرار ما جرى، نلح على عدم الإفلات من العقاب.

توصيات اللجنة تتضمن توصيات للمستقبل أيضا. ليس فقط معالجة انتهاكات الماضي ومن ضمنها ما تحدثنا عنه الآن، أي عدم الإفلات من العقاب. فإذا كان المجتمع المغربي لا يتحمل الآن الكشف عن هويات المسؤولين عن الانتهاكات في الماضي، كيف يمكن ضمان المستقبل؟ الهيئة تتحدث عن عدة أمور، منها أولوية القانون الدولي على القانون المحلي الخ... كيف تنظر إلى المستقبل من خلال توصيات هذه الهيئة ؟

سعيد السُّلامي: أعود إلى مسألة عدم الإفلات من العقاب طبعا. إذا كانت الهيئة تطلب أرجحية القانون الدولي على القانون المحلي، هناك قانون دولي في موضوع عدم الإفلات من العقاب. لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أقرت في عام ألفين وثلاثة قرارا حول معاقبة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان ومن تعاون معهم. معاقبتهم طبعا في المحاكم وكل الدول التي تشارك في هذه اللجنة وافقت على هذا القرار ومنها المغرب أيضا. لكن هذا لم يطبق عندنا، يعني خاصية المغرب تُناقض القانون الدولي.

بأي معنى؟

سعيد السُّلامي: بمعنى أنها تناقض هذا القرار الذي أقرته الأمم المتحدة. التقرير أعده البروفسور جوانيه وهو قانوني دولي معروف وتبنته لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة ومن خلاله أصدرت قرارا وافقت عليه كل الدول. لا أفهم كيف بررت الهيئة اتخاذ هذا المجرى بالضد من القانون الدولي وهي تشتغل في إطار القانون الدولي. هل تريد الهيئة أن تعطي خصوصية للمجتمعات المختلفة، حتى تفلت منه، أنا لا أفهم الموضوع!

نطرح سؤالك على الأستاذ صلاح الوديع عضو هيئة الإنصاف وهو موجود معنا. سمعت الأستاذ السُّلامي وأريد أن أضيف شيئاً على السؤال، الأستاذ عبد الحميد أمين تحدث عن انتهاكات تحصل الآن، أي بعد عملكم وأنتم تتحدثون عن عدم الإفلات من العقاب وتحدث الآن انتهاكات. كيف تردون على هذين الأمرين؟

صلاح الوديع: أولا أنا أتحدث عن عملي وعن مسؤوليتي داخل هيئة الإنصاف والمصالحة. نحن في الهيئة وضعنا توصية لا غبار عليها وهي الإقرار دستوريا بأولوية القانون الدولي المتعلق بحقوق الإنسان على القانون المحلي. ومن هذه الزاوية ومن زاوية تفعيل هذه التوصية يهمني أنا شخصيا المسار المقبل المترتب على تفعيل هذه التوصية.

هذه مسألة أساسية. وهنا أريد أن أرد، وقد رددت على متدخلين سابقا في هذا الموضوع، بأن الأساسي ليس المحاسبة في حالة معينة مقابل قرار معين. بل المحاسبة على المسار ككل وعلى الدينامية ككل، وأعتقد بأن كون الهيئة تخرج بهذه التوصية وتُضَمّن في التقرير النهائي ويأمر العاهل المغربي مباشرة بنشره ثم يصدر أمرا ملكيا بالعمل على تفعيل هذه التوصيات ويخاطب جميع المؤسسات داخل الدولة من أجل التعاون مع الهيئة في هذا الموضوع، هو جواب واضح على كل الترددات المحتملة والممكنة بالنسبة إلى هذه القضية.

ولكن إذا كان التعذيب يمارس الآن...

صلاح الوديع: اسمح لي، أريد أن أكمل الحديث عن الإفلات من العقاب. واضح منذ البداية بأن الهيئة في مقاربتها للانتهاكات لم تعمل كمحكمة، فهي ليست محكمة، يعني هدفها أن تستدعي المتهمين والمتورطين المحتملين من أجل التحقيق معهم. الأساسي هو أن تثبت أولا حجم الانتهاكات وطبيعتها وسياقاتها. وهذه مسألة أساسية ومن يطلع على التقرير المنشور الآن على الإنترنت، ومستقبلا بالتأكيد على الورق، سيتأكد من المعطيات التي جاءت بها الهيئة في هذا المجال وبدون أي تردد أو غموض. ليس هناك ناشط واحد في مجال حقوق الإنسان يقول بأنه ضد مبدأ العقاب الذي يجب أن يوجه لكل من يتورط في انتهاكات جسيمة. ليس هذا هو الموضوع.

هناك من يقول لا؛ حتى لو كانت هناك انتهاكات فلا يجب أن يتجه العقاب إلى المسؤولين عنها. لا، أبدا. المسألة هي أولا فهم لماذا تصبح الدولة، في شروط محددة وفي فترات تاريخية معينة، وبالمناسبة فالحالة المغربية هي أطول مرحلة عكفت عليها هيئة من هذا النوع، من حامية للحقوق والحق في الحياة والممتلكات إلى معتد عليها؟ وكيف؟ وما هي الاختلالات الموجودة داخل مؤسسات الدولة؟ وكيف يمكن مواجهتها بالنسبة للمستقبل؟ ولذلك فإنّ مسألة عدم الإفلات من العقاب ليست شعارا في الهواء بل هي ممارسة وبرنامج على مستويات متعددة، لكي تضمن في المستقبل أن يتم إنزال العقاب بكل من تسول له نفسه المساس بحياة الآخرين أو بحريتم أو بحقوقهم.

أستاذ عبد الحميد أمين، ما تعليقك على القسم المتعلق بالمستقبل في توصيات الهيئة.

عبد الحميد أمين:
التوصيات المطروحة من قبل هيئة الإنصاف والمصالحة هي توصيات إيجابية لا غبار عليها، ونحن نصفق لها. لكنها توصيات غير كافية لإقرار دولة الحق والقانون. لأن دولة الحق والقانون هي الضمانة الأساسية لعدم تكرار الانتهاكات الجسيمة في المستقبل. ونحن في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان سنعمل من أجل إعمال تلك التوصيات وسنضغط بجميع الوسائل لتطبيقها. لكننا، في الوقت نفسه، نعتبرها غير كافية. ومن هنا تشبثنا بمبدأ المساءلة وعدم الإفلات من العقاب. كما نتشبث بتوصيات المناظرة الوطنية حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي تمت سنة ألفين وواحد وهي توصيات مهمة جدا ومازالت ذات راهنية وقابلة للتطبيق.

أدار الحوار أحمد حسو
حقوق الطبع دويتشه فيله 2006

قنطرة

جلسات الاستماع العمومية، بين الدور التربوي والإحجام عن تحديد المسؤوليات
تعذيب جسدي ونفسي واعتداءات جنسية، هذا ما عاناه الآلاف من السجناء السياسيين في المغرب أثناء حكم الملك حسن الثاني. هيئة الإنصاف والمصالحة تعطي منذ بداية هذا العام الضحايا فرصة للتعبير عن تجربتهم. تقرير ياسين عدنان

التعذيب مستمر في الوطن العربي
تلاحظ منظمات الدفاع عن حقوق الانسان ترديا لأوضاع حقوق الانسان في الجزائر وتونس والمغرب بشكل خاص. ففي المغرب على سبيل المثال تكاد تكون غالبية الضحايا من الرجال، الذين تعتقد أجهزة المخابرات السرية أنهم من أتباع الجماعات الاسلامية. تقرير روديغير ماك من الرباط

مدونة الأسرة الجديدة في المغرب
هناك إجماع شبه كامل بين القوى الاجتماعية والسياسية المختلفة في البلاد على أن الإصلاحات القانونية التي تخص حقوق المرأة المغربية ضرورية وتدعم دمقرطة المغرب. تحليل الصحفية مارتينا صبرا.

ملفات خاصة من موقع قنطرة