استغلال الإرهاب الدولي للنزاعات المحلية - استهداف كنائس سريلانكا

جذور هجمات الفصح الإرهابية - صراع بوذيين ومسلمين في سريلانكا وميانمار؟

يرى محللون أن هجمات عيد الفصح -على كنائس وأجانب- ناجمة أصلاً عن صراع محلي بين بوذيين ومسلمين في سريلانكا وميانمار، أفرز تطرفا إسلاموياً وبوذياً في المنطقة. لكن لماذا هوجمت كنائس مسيحية بدلا من أهداف بوذية؟ شاميل شمس يبحث عن إجابة.

نقلت وكالة رويترز أن المسلمين في سريلانكا نُوشِدُوا الصلاة بالمنازل يوم الجمعة 26 / 04 / 2019، وطُلِبَ من السكان عدم الذهاب إلى المساجد أو الكنائس، وذلك بعد تحذير أجهزة المخابرات من هجمات محتملة بسيارات مفخخة وسط مخاوف من أعمال عنف انتقامية بعد تفجيرات عيد القيامة يوم الأحد 21 / 04 / 2019.

وناشدت السفارة الأمريكية في سريلانكا أيضا مواطنيها بتجنب أماكن العبادة خلال عطلة نهاية الأسبوع المقبلة‭ ‬بعد أن حذرت السلطات من احتمال وقوع مزيد من الهجمات تستهدف مراكز دينية.

وأصبحت سريلانكا على صفيح ساخن بعد تفجيرات انتحارية استهدفت ثلاث كنائس وأربعة فنادق أوقعت نحو 300 شخصا قتيلاً ونحو 500 مصاب. وأعلن تنظيم الدولة الإسلامية المسؤولية عن الهجمات.

وقال الرئيس السريلانكي مايثريبالا سيريسينا يوم الجمعة إن الشرطة تبحث عن 140 شخصا يعتقد أن لهم صلات بتنظيم الدولة الإسلامية. وأضاف قائلا للصحفيين إن شبانا سريلانكيين كانوا على صلة بالتنظيم المتشدد منذ عام 2013، وإن كبار قيادات الدفاع والشرطة لم تبلغه بمعلومات أشارت لاحتمال وقوع هجمات وشيكة.

وألقى الرئيس باللائمة أيضا على حكومة رئيس الوزراء رانيل ويكرمسينغ في إضعاف نظام المخابرات بتركيزها على مقاضاة عسكريين فيما يتعلق بمزاعم ارتكاب جرائم حرب خلال الحرب الأهلية التي استمرت عشر سنوات مع الانفصاليين التاميل.

وقال الجيش يوم الجمعة إنه يجري نشر حوالي عشرة آلاف جندي في أنحاء الدولة، وهي جزيرة في المحيط الهندي، للقيام بأعمال البحث وتأمين المراكز الدينية.

وتدفع مخاوف من أعمال عنف طائفي انتقامية كثيرا من المسلمين للفرار من منازلهم وسط مخاوف من تفجيرات وملازمة المنازل جبرا والمداهمات الأمنية.

 

{"تستغل الجماعات الإرهابية الدولية على نحو متزايد النزاعات المحلية لتوسيع نطاق الجهاد العالمي إلى أجزاء مختلفة من العالم." - محللون.} 
 

واجهة فندق مدمرة في مدينة كولومبو - سريلانكا. Foto: picture alliance / AA / Chamila Karunarathne
سريلانكا على صفيح ساخن: أصبحت سريلانكا على صفيح ساخن بعد تفجيرات انتحارية استهدفت ثلاث كنائس وأربعة فنادق أوقعت نحو 300 شخصا قتيلاً ونحو 500 مصاب. وأعلن تنظيم الدولة الإسلامية المسؤولية عن الهجمات.

 

{تضامنَ علماء الدين المسلمون في سريلانكا مع الضحايا المسيحيين وأدانوا الهجمات الإرهابية على الكنائس والفنادق: "باسم مسلمي سريلانكا نقدم تعازينا إلى أتباع الديانة المسيحية ونمد أيادي الصداقة تضامناً".}
 

وناشدت جمعية علماء سريلانكا، وهي الهيئة الدينية الإسلامية الرئيسية في سريلانكا، المسلمين الصلاة في المنازل يوم الجمعة في حالة "كانت هناك حاجة لحماية الأسرة والممتلكات". كما ناشد الكاردينال مالكوم رانجيث القساوسة عدم إقامة أي قداس بالكنائس حتى إشعار آخر. وقال "الأمن مهم".

وألقت الشرطة القبض على ما لا يقل عن 76 شخصا، بينهم أجانب من سوريا ومصر، في إطار تحقيقاتها حتى الجمعة.

كيف "ترسَّخ الإرهاب الإسلاموي" في سريلانكا؟

فما مدى نشاط الخلايا الجهادية في سريلانكا؟ هل كان بإمكان تلك الجماعات المتطرفة الصغيرة في البلاد أن تشن هجمات إرهابية متعددة ومنسقة في مناطق مختلفة من البلاد، دون دعم المنظمات الجهادية العالمية؟

وكانت الحكومة السريلانكية أعلنت يوم الإثنين (22 نيسان / أبريل 2019) أن "جماعة التوحيد الوطنية"، وهي جماعة إسلاموية محلية متطرفة، كانت وراء التفجيرات الدموية التي وقعت يوم عيد الفصح وأسفرت عن مقتل حوالي 300 شخص.

وقال راجيثا سيناراتني، المتحدث باسم الحكومة السريلانكية والعضو في مجلس الوزراء أيضاً، إن الحكومة السريلانكية تحقق فيما إذا كانت "جماعة التوحيد الوطنية" قد حصلت على "دعم دولي".

وقال: "لا نعتقد بأن منظمة صغيرة كهذه قد تمكنت من فعل كل ذلك لوحدها". وأضاف: "تحقيقاتنا الآن تتجه لإيجاد الداعم الدولي لهم، أو أي علاقات أخرى، وكيف أنتجوا مفجرين انتحاريين هنا، وكيف تمكنوا من التوصل لقنابل من هذا القبيل".

وذكَرَ تقرير صدر يوم الأحد (21 نيسان/أبريل 2019) أنَّ قائد شرطة سريلانكا كان قد أصدر تحذيراً في 11 نيسان /أبريل 2019، قائلاً إن "وكالة استخبارات أجنبية" حذرت من أن "جماعة التوحيد الوطنية" تخطط لشن هجمات على الكنائس والمفوضية العليا الهندية. كما أفادت الشرطة يوم الأحد أنها ألقت القبض على 13 مواطناً سريلانكياً يُعتقد بأن لهم صلة بالتفجيرات.

خريطة سريلانكا
مخاوف من انبعاث العنف الطائفي: أثارت هجمات يوم الأحد 21 / 04 / 2019 (في عيد الفصح المسيحي) مخاوف من انبعاث العنف الطائفي مجدداً الذي طالما اُبتُلِيَتْ سريلانكا به.

ما الذي نعرفه عن "جماعة التوحيد الوطنية"؟

 

"لا نعرف الكثير عن (جماعة التوحيد الوطنية) غير أنها تبدو مشابهة للعديد من الجماعات الإرهابية الأخرى الناشطة في جنوب آسيا، مثل جماعة "أنصار الله - البنغال" في بنغلاديش. وشأنها كشأن جماعة أنصار الله البنغلاديشية تبدو جماعة التوحيد الوطنية شبيهة بتنظيم القاعدة"، هذا ما قاله سيغفريد فولف، خبير جنوب آسيا في المنتدى الديمقراطي لجنوب آسيا ومقره بروكسل، لـدويتشه فيله. وأضاف: "هدفها الرئيسي هو نشر إيديولوجية جهادية وخلق الخوف والكراهية. كما أنها ضد أي نوع من أنواع المصالحة الوطنية وبالتالي تعمل على إبقاء النزاعات العرقية والدينية حيّة".

والجدير بالذكر أن العلاقات في المجتمع السريلانكي بين الأغلبية البوذية والأقلية المسلمة كانت مشحونة خلال السنوات القليلة الماضية.

 

{"يُعتَبر صراع الإويغور في مقاطعة شينغيانغ غرب الصين ونزاع الروهينجا في ميانمار مثالين واضحين على استغلال الإرهاب الدولي للنزاعات المحلية. إذ في الحالتين تسعى المنظمات الجهادية العالمية إلى الاستفادة من النزاعات المحلية لتوسيع إطار الدعم لنفسها" - محللون}.
 

ففي آذار/مارس في العام الماضي 2018، أعلنت السلطات حالة الطوارئ على مستوى البلاد لقمع العنف الطائفي بين المسلمين والأغلبية البوذية السنهالية في الجزيرة التي تقع في المحيط الهندي. غير أن محللين يقولون إنه على الرغم من أن سريلانكا قد دمرتها عقود من التمرد الانفصالي للتاميل، الذي سُحق عسكرياً في عام 2009، إلا أن البلاد لا تخلو من تاريخ العنف الإسلاموي.

يُذكَر أيضاً أن سريلانكا بلد ذو أغلبية بوذية، حيث 6 في المئة فقط من السكان ينتمون إلى الطائفة المسيحية الكاثوليكية. فيما يشكل المسلمون 10 في المئة من مجموع السكان.

وقال س. ت. ناليني، ناشط حقوقي سريلانكي لـدويتشه فيله إن "الجماعات الإسلامية المحلية ليست قوية جداً في سريلانكا، ولكن الحقيقة تشير كما قالت السلطات إلى أن معظم المشتبه بهم في تفجيرات يوم الأحد ينتمون إلى الإسلام".

وأضاف ناليني: "التطرف الديني ينمو في جميع أنحاء جنوب آسيا. وقد تكون هجمات الأحد ناجمة عن الصراع بين البوذيين والمسلمين، ليس فقط في سريلانكا، بل في ميانمار أيضاً. لهذا السبب تنشط الجماعات الإسلاموية المتطرفة، والمنظمات البوذية الراديكالية في المنطقة".

علاقة مع جماعات إرهابية عالمية؟

 

 

{أدان كبار زعماء المسلمين في سريلانكا هجمات الكنائس والفنادق، ووصفوها بأنها "أفعال فظيعة" تستحق "أقصى العقوبات".}
 

ويبقى السؤال هو لماذا اختار الجهاديون المحليون في سريلانكا استهداف الكنائس والأجانب في عيد الفصح، بدلاً من محاولة إلحاق الأذى بالبوذيين؟

المحلل فولف يرى بأن "جماعة التوحيد الوطنية"، وعلى غرار العديد من الجماعات الإسلامية المحلية الناشطة في جنوب آسيا، ترغب بنشر الحركة الجهادية العالمية في سريلانكا أيضاً".

"تستغل الجماعات الإرهابية الدولية على نحو متزايد النزاعات المحلية لتوسيع نطاق الجهاد العالمي إلى أجزاء مختلفة من العالم. ويعتبر صراع الإويغور في مقاطعة شينغيانغ غرب الصين، ونزاع الروهينجا في ميانمار مثالين واضحين على ذلك. إذ في الحالتين تسعى المنظمات الجهادية العالمية إلى الاستفادة من النزاعات المحلية لتوسيع دعمهم".

يقول محللون إن الجماعات المتشددة مثل "الدولة الإسلامية" و"القاعدة" في شبه القارة الهندية أصبحت نشطة بشكل أكبر في جنوب آسيا، مع تركيز فروعها أيضاً على بلدان أخرى غير أفغانستان وباكستان، حيث إنها قوية جداً في تلك المناطق مسبقاً.

وقال فولف إن المنظمات الإرهابية الدولية ترغب أيضاً في الحصول على اهتمام دولي واكتساب موارد جديدة. وأضاف: "تحولت سريلانكا إلى إحدى أكثر الوجهات السياحية شعبية في السنوات العشر الماضية بجهود هائلة من الحكومة. ومثل هذه الهجمات تعد باهتمام دولي كبير"، مشيراً إلى أن الكنائس في سريلانكا تعتبر "أهدافاً سهلة للإرهابيين".

وأشار الباحث المقيم في بروكسل إلى وجود تاريخ طويل بين الجماعات السريلانكية المسلحة والمنظمات الإرهابية الدولية، وقال إن "ضرورة جمع الأموال دفعت حتى الجماعات الانفصالية مثل نمور التاميل إلى طلب مساعدة خارجية".

 

 
 

احتدام التوتر

أثارت هجمات يوم الأحد (في عيد الفصح المسيحي) مخاوف من انبعاث العنف الطائفي مجدداً الذي طالما اُبتُلِيَتْ سريلانكا به. وقد أفادت الشرطة في وقت متأخر من يوم الأحد، أن أحد المساجد في الشمال الغربي تعرض لهجوم بقنبلة "بنزين" وأن متجرين يملكهما مسلمون في الغرب استهدفا من قبل مخربين. وقد أدان كبار زعماء المسلمين هجمات الكنيسة والفنادق، ووصفوها بأنها "أفعال فظيعة" تستحق "أقصى العقوبات". وقال مجلس علماء الدين المسلمين: "باسم مسلمي سريلانكا، نقدم تعازينا إلى أتباع الديانة المسيحية ونمد أيادي الصداقة تضامناً".

تمثل هذه التفجيرات إخفاقاً كبيراً للسلطات السريلانكية، حيث تمكنت من كبح جماح بعض أعمال العنف في البلاد خلال السنوات العشر الماضية، حين قتلت عقودٌ من تمرُّد التاميل في شمال البلاد الآلاف من الناس، إلى أن تمكن الرئيس السابق ماهيندا راجاباكسا من سحق الحركة الانفصالية لـ"نمور التاميل" في عملية عسكرية عام 2009.

وقال فولف: "على الرغم من نهاية ذلك النزاع العرقي رسمياً في عام 2009، غير أن النزاع ما يزال قائماً في البلاد لعدم وجود حل سياسي لهذه المشكلة المعقدة". كما أشار إلى التوترات الاقتصادية والمالية المتزايدة.

وأضاف: "على الرغم من ازدهار السياحة، إلا أن التنمية غير المتساوية والتدخلات الأجنبية تعمل كحافز للنزاعات السياسية في سريلانكا".

 

 
 
شاميل شمس
ترجمة: ريم ضوا
حقوق النشر: دويتشه فيله / رويترز 2019

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.