سياسة الرياض الخارجية والعلاقات السعودية-الأمريكية

هل يستنجد آل سعود بباكستان حين تتخلى واشنطن عنهم؟

تورِد مي يماني، الكاتبة المنحدرة من أصول سعودية، أسباباً عديدة لتباعد العلاقات السعودية-الأمريكية إثر ثورات الربيع العربي. وترى أن جفاء العلاقة بين الرياض والبيت الأبيض قد يجعل حُكّام السعودية يولون وجوههم باتجاه باكستان، رغم مشاكلها الداخلية، بحثاً عن دولة جديدة تحميهم عسكرياً من التهديدات الخارجية، وتستبعد في تحليلها التالي، تقاربهم مع إيران الشيعية عدوتهم الأيديولوجية، أو مع تركيا إردوغان منافستهم اللدود على حمل لواء زعامة المسلمين السُنّة.

على مدى السنوات القليلة الماضية، أصبحت المملكة العربية السعودية في تباعد متزايد عن الولايات المتحدة، التي وفرت لها الحماية ردحاً من الزمن. فقد رأت في دعم أميركا لخلع حسني مبارك من السلطة في مصر ــ وقبولها لحكومة الإخوان المسلمين لاحقا ــ خيانة لها. ثم جاء امتناع الرئيس الأميركي باراك أوباما عن فرض "خطه الأحمر" في سوريا، بعد إقدام نظام الرئيس بشار الأسد على استخدام الغاز السام ضد معارضيه. غير أن دعم أميركا الاتفاق المؤقت الأخير بشأن برنامج إيران النووي كان بمثابة القشة الأخيرة القاصمة.

الواقع أن ارتياب المملكة العربية السعودية المتزايد في الولايات المتحدة ليس بالشأن الضئيل الأهمية، لأن المملكة العربية السعودية كانت كلما استشعرت تهديداً لبقائها ــ وهي ترى في طموحات إيران الإقليمية تهديداً من هذا القبيل ــ تعتمد على قوة خارجية لحمايتها. ولكن إذا لم يعد بوسعها الاعتماد على الولايات المتحدة، فإلى أي وجهة قد تولي المملكة وجهها بحثاً عن القوة العسكرية الكافية؟

يبدو أن الإجابة تكمن في باكستان، البلد الذي تنظر إليه بقية العالم ككيان يوشك أن يتحول إلى دولة فاشلة.

في وقت سابق، خدمت باكستان مصالح المملكة بتزويدها بمساعدات عسكرية وأمنية في أوقات التوتر. ففي عام 1979، وقت قيام الثورة الإسلامية في إيران، استقبلت المملكة العربية السعودية نحو ثلاثين ألف جندي باكستاني. وظلت هذه القوات باقية في المملكة حتى منتصف ثمانينيات القرن العشرين.

كما وظف السعوديون الآلاف من الجنود الباكستانيين خلال حرب الخليج عام 1991. وفي بداية عام 2014، قام وزير الخارجية سعود الفيصل وولي العهد الأمير سلمان بزيارة إلى إسلام أباد لتجديد الاتفاقيات العسكرية بين البلدين حول الإنتاج المشترك للأسلحة. وكان المقصود من الزيارة أيضاً إرساء الأساس لإرسال ثلاثين ألف جندي ومستشار عسكري باكستاني إلى المملكة.

ولكن لماذا باكستان، ولماذا الآن؟

إحدى ثلاث قوى إقليمية

Der türkische Ministerpräsident Recep Tayyip Erdoğan; Foto: picture-alliance/RIA Novosti/dpa
"تُعتَبر تركيا منافساً للسعودية على حمل لواء زعامة المسلمين السُنّة ،ـ وهو اللواء الذي حملته الإمبراطورية العثمانية لفترة طويلة. الواقع أن وصف رئيس الوزراء التركي رجب طيب إردوغان على نحو متكرر بأنه يُضمِر طموحات "عثمانية جديدة" لبلاده يفترض بوضوح وجود هذا التنافس"، كما تذكر مي يماني

ينظر حكام السعودية إلى باكستان باعتبارها واحدة من ثلاث قوى إقليمية، إلى جانب إيران وتركيا، قادرة على فرض تأثير حاسم على الشرق الأوسط. والتحالف مع إيران الشيعية ــ عدو المملكة الأيديولوجي الأشد خطورة، والذي تحركه طموحات الهيمنة الإقليمية ــ أمر غير وارد على الإطلاق. أما تركيا فإنها تعتبر منافساً على حمل لواء زعامة المسلمين السُنّة ــ وهو اللواء الذي حملته الإمبراطورية العثمانية لفترة طويلة.

الواقع أن وصف رئيس الوزراء التركي رجب طيب إردوغان على نحو متكرر بأنه يُضمِر طموحات "عثمانية جديدة" لبلاده يفترض بوضوح وجود هذا التنافس. وقد أسقط العثمانيون دولتين سعوديتين/وهابيتين تاريخيتين. الأولى (1745-1818) دمرها محمد علي باشا والي مصر بدعم عثماني؛ وهُزِمَت الثانية (1824-1891) أيضاً على يد العثمانيين.

وعلى النقيض من ذلك، لا ينطوي تاريخ المملكة مع باكستان على مثل هذه الأحداث الإشكالية. بل على العكس من ذلك، يمول السعوديون الدولة الباكستانية، وقد أثبتوا سخاءهم في استضافة رئيس وزرائها الحالي نواز شريف، أثناء فترة منفاه الطويلة في أعقاب الانقلاب العسكري الذي أطاح بحكومته عام 1999.

تعاون مع منبع الإسلام

والواقع أن المملكة العربية السعودية استثمرت بكثافة في باكستان منذ سنوات استقلالها الأولى. ولأن باكستان تأسست في عام 1947 على أساس ديني، فمن غير المستغرب أن يسعى زعماؤها آنذاك إلى طلب الدعم من منبع الإسلام مكة التي كانت تحت الحكم السعودي. وبدورها صَدَّرَت المملكة تعاليمها الوهابية إلى "أرض النقاء"، والتي غذت في نهاية المطاف التطرف الإسلامي والعنف الطائفي من قِبَل حركة طالبان وغيرها.

كما استثمرت المملكة العربية السعودية في برنامج الأسلحة النووية الباكستاني، أو ما يُسَمى بالقنبلة السُنّية، من خلال التمويل المباشر لبحوث عبد القدير خان، والد الجهود الباكستانية في هذا المجال. ولكن في عام 2003، أُحبِطَت آمال المملكة في الاستفادة بشكل مباشر من قدرات باكستان النووية، عندما اكتشفت الولايات المتحدة احتمال نقل المعرفة النووية وما هو أكثر من ذلك.

Pakistans Ministerpräsident Nawaz Sharif mit Vertretern des Militärs; Foto: Reuters
"يمول السعوديون الدولة الباكستانية، وقد أثبتوا سخاءهم في استضافة رئيس وزرائها الحالي نواز شريف، أثناء فترة منفاه الطويلة في أعقاب الانقلاب العسكري الذي أطاح بحكومته عام 1999"، كما تذكر مي يماني.

وعلاوة على ذلك، كانت القوات التي أرسلتها باكستان إلى المملكة على مر السنين تعتبر موالية عموما. فبرغم أن نحو 30% من الجيش الباكستاني من الشيعة، فإن السعوديين لا يقبلون سوى الجنود السُنّة، وكانت باكستان تقدم جنودها بسرور كمرتزقة، يُرسَلون على التناوب ويلقون معاملة العمال المستضافين.

عمود فقري لقوة عسكرية

يتلخص جزء من الخطة السعودية اليوم في استخدام الباكستانيين كعمود فقري لقوة عسكرية مشتركة تابعة لمجلس التعاون الخليجي. وقد استُخدِمَت القوات الباكستانية تحت قيادة سعودية في عمليات قمع الانتفاضات الشيعية في البحرين عام 2011، والآن يريد السعوديون قوة احتياطية جاهزة لإخماد استفزازات الإسلاميين والشيعة كلما وأينما ظهرت في الخليج. وفي حال نشوء خطر يهدد بقاء المنطقة، وبخاصة حدوث مواجهة مع إيران، فإن باكستان لن تتردد في أن تقدم للمملكة شكلاً من أشكال الحماية المميتة التي قد يمتنع الغرب عن توفيرها لها.

إلى أي مدى إذن تستطيع باكستان حقاً تعزيز أمن المملكة العربية السعودية، وخاصة في حال خوضها الحرب ضد إيران؟ إن باكستان تعاني من انقسامات شديدة، فضلاً عن تفشي الإرهاب الداخلي هناك. وتفتقر مؤسستها العسكرية إلى القدرة على التدخل للدفاع عن المملكة العربية السعودية في حين تحافظ في الوقت نفسه ليس فقط على الأمن الداخلي بل وأيضاً على جاهزيتها لخوض حرب ضد الهند (وهو الهوس الذي يتملك جنرالات باكستان).

حرب طائفية؟

وقد ينضم أبناء الطائفة الشيعية الكبيرة في باكستان فضلاً عن ذلك إلى صفوف الساخطين بشدة، إذا دعمت المؤسسة العسكرية السعوديين في حرب طائفية. ويتقاسم حزب الشعب الباكستاني، الذي يشكل قوة محلية عاتية رغم كونه في المعارضة الآن، مصالح قوية مع إيران.

وعلى هذا، فبرغم أن القيمة الاستراتيجية المترتبة على إقامة علاقات عسكرية وثيقة مع باكستان تبدو موضع شك إلى حد كبير، فإن الخيارات المتاحة للمملكة العربية السعودية ضئيلة. فمجلس التعاون الخليجي يكاد يتفكك في واقع الأمر، بعد طرد قطر بسبب دعمها للإخوان المسلمين وانسحاب سلطنة عمان باختيارها من المجلس. ويعمل هذا، إلى جانب تفاقم حالة انعدام ثقة المملكة في الولايات المتحدة، على تأجيج الشعور المتزايد بالعزلة. وقد لا تتناسب باكستان مع فكرة أي طرف في أن تكون حليفاً له في مواجهة خطر يهدد بقاءه؛ بيد أنها بالنسبة للملكة العربية السعودية فكرة حان وقتها.

 

مي يماني

ترجمة: إبراهيم محمد علي

تحرير: علي المخلافي

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت 2014

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : هل يستنجد آل سعود بباكستان حين تتخلى واشنطن عنهم؟

ليس عيباً ان تكون علاقات السعودية وباكستان بتلك القوة والسعودية وقفت مع باكستان مواقف مشرفة لن تنساها باكستان وليس عيباً أن تقف باكستان مع السعودية فكل مواطن مسلم شريف يهمه أمن السعودية وأمن الحرمين واعتقد من المعيب تصغير السعودية عن الدفاع عن نفسها فهي تستطيع ان تدمي كل من يحاول زعزعة امنها وسلامت اراضيها

احمد علي12.05.2014 | 22:09 Uhr

ليس عيب أن تساعد باكستان السعودية أو العكس واعتقد لولا السخاء السعودي في البرنامج النووي الباكستاني لما استطاعت الباكستان الآن مواجهة الهند والتعاون العسكري السعودي الباكستاني يرجع مع بداية قيام باكستان وهي صديقة جداً للسعودية ولو مر على السعودية ظرف عصيب مثال مواجهة بين السعودية وايران فاإن باكستان حكومة وشعباً ستقف مكتوفة الاأيادى وحتى لو تخاذلت أي حكومة باكستانية مع اني اشك في ذلك فاالشعب الباكستاني لن يصمت وعلى العموم السعودية لديها من القوة سوى العسكرية أو البشرية ما تستطيع أن تدافع به عن نفسها وعن أراضيها وشعبها والجيش السعودي قادر على ردع اي عدون وليس مثل قوات المالكي التي هربت بعد ان شلحت سراويلها في معركة أم السراويل

احمد الغامدي02.07.2014 | 04:09 Uhr

ليس عيب أن تساعد باكستان السعودية أو العكس واعتقد لولا السخاء السعودي في البرنامج النووي الباكستاني لما استطاعت الباكستان الآن مواجهة الهند والتعاون العسكري السعودي الباكستاني يرجع مع بداية قيام باكستان وهي صديقة جداً للسعودية ولو مر على السعودية ظرف عصيب مثال مواجهة بين السعودية وايران فاإن باكستان حكومة وشعباً ستقف مكتوفة الاأيادى وحتى لو تخاذلت أي حكومة باكستانية مع اني اشك في ذلك فاالشعب الباكستاني لن يصمت وعلى العموم السعودية لديها من القوة سوى العسكرية أو البشرية ما تستطيع أن تدافع به عن نفسها وعن أراضيها وشعبها والجيش السعودي قادر على ردع اي عدون وليس مثل قوات المالكي التي هربت بعد ان شلحت سراويلها في معركة أم السراويل

احمد الغامدي02.07.2014 | 04:10 Uhr

يبدو ان الكاتبه كانت على علم بالتعاون السعوديه الباكستاني لدرجة انها عرفت ان الضباط الباكستانيين اللذين يأتون للملكه يأتون كمرتزقه - عجب عجاب

دعيني احدثك عن عملي معهم بحكم اني عسكري سعودي و تشرفت بالعمل معهم - يا سيدتي الضباط و حتى الافراد الباكستانيين على قدر عالي من المهنيه و الانضباطيه و الاحترام - و الحقيقه ان الباكستاني بطبعه رجل كريم و لديه نخوه و حميه و هم عندما يأتون للملكة عسكريين او مدنيين فهم و مهع الفروقات اللغويه من اكثر الغير سعوديين امانه و ادب و احترافيه و يعتبرونهم السعوديين قريبين جدا من عاداتهم و تقاليدهم بحكم طبيعة المجتمع الباكستاني "القبلي" ناهيك عن الدين و المصير المشترك و ما الى ذالك .. و ان كان هناك 30 الف عسكري باكستاني فأيضا هناك اضعافهم من الفنيين و الحرفيين و العلماء و هم يجدون الترحاب و التقدير من كافة اطياف الشعب السعودي -

و الباكستاني بطبعه عزيز نفس لا تنطبق عليه الاوصاف اللتي وصفتيه بها و أسأل الله ان يديم العلاقه بين البلدين لما فيه خير لهم و لاخوانهم المسلمين

محمد الازوري20.11.2014 | 05:28 Uhr

هههه الكاتبة مو من أصول سعودية هي من أصول يمنية وباين معطيه للشيعة أكبر من حجمهم بس معروف الشيعة بباكستان ينجلدوا من الجنود وينقتلوا ما لهم أي أثر على الباكستانيين روحي موتي بغيظك يا مريضة

نور08.05.2015 | 01:21 Uhr

الجيش الباكستاني مانو مرتزق وياللي بيقمع شيعة البحرين مو من الجيش الباكستاني البحرين تعرض على الباكستانيين فيز ليتوظفوا عندهم وبعدين تعطيهم الجنسية البحرينية وتدربهم يعني بيكونوا بحرينيين من أصل باكستاني والدولة الباكستانية ما لها سيطرة عليهم بعدين ايش التناقض بالمقال مرة تصور لنا أنو الباكستانيين قوة رادعة لشيعة البحرين وبنفس الوقت تصور لنا انهم ما يقدروا يقاتلوا شيعة اليمن لحتى ما ينقلبوا عليهم شيعتهم!
الجيش الباكستاني قاتل مع ياللي ضعف عددو بسبعة مرات ههه مح يقدر يقاتل كم حوثي من قطاع الطرق بس رفض لأنو الصين وإيران عرضت عليهم عروض قوية
أما على الانقسامات الداخلية فايران تعاني منها بشكل أقوى وبلوشستان باللي من باكستان كمان متسلطين ع ايران

نور08.05.2015 | 01:35 Uhr

وجب معرفة أن تركيا ليست منافسة للسعودية ! بل صديقة و أخت السعودية.
و لا أتفق مع مي يماني

بنقدور نبيل17.04.2016 | 00:50 Uhr