ناديا العلي، الصورة من الارشيف الخاص

تدمير الأخلاق والقيم

تتناول ناديا العلي، الأستاذة الزائرة في جامعة بوخوم الالمانية، التحول الذي طرأ على حياة المرأة العراقية وعلى علاقتها بالرجل، لا سيما في ظل الوضع الراهن.

العراقيات لسن خرفان ضحية

أحدثت الحرب تغييرات جذرية على ظروف الحياة في العراق؛ تغييرات تتحمّل العراقيّات في المقام الأوّل وزر تبعاتها. خلال السبعينات والثمانينات من القرن المنصرم كانت حالة العراقيّات جيّدة، لكنّ وضعهنّ قد شرع في التّدهور منذ حرب الخليج الثانية 1991. تتطرّق نادية العلي إلى التحوّل الاجتماعي الحالي من وجهة نظر العلاقات بين الجنسين ومن وجهة نظر أنتربولوجيّة وكذلك من موقعها كشخصيّة نشطة في المجال السياسيّ.

الصورة: أ ب
إمرأة تتحدث إلى جندي في البصرة

​​وكما هو متداول في العالم كلّه، تجد العراقيّات أنفسهنّ مُقصَيات من الجدالات الدائرة حول الديمقراطيّة ومسائل تمثيليّة الأغلبيّات والأقليّات في العراق. وذلك برغم أنّ 55 إلى 60 بالمائة من مجمل سكّان العراق من النساء، وهو وضع ديموغرافي خاصّ متأتّ عن الحروب الثلاث التي عرفتها العراق ( الحرب العراقيّة الإيرانيّة 1980-1988، وحرب الخليج عام 1991، والغزو الأميركي الأخير2003)، وكذلك عن ظاهرة الهجرة والقمع السياسي والإعدامات التي كان يمارسها النظام الحاكم. مع ذلك لا مكانة للعراقيّات في تحاليل وتعاليق وسائل الإعلام. لا أحد ينتبه إليهنّ لا في حضورهنّ اليومي في شوارع المدن العراقيّة ولا كجزء من التجمّعات السياسيّة المساندة أو المعادية لأميركا على حدّ السواء.
يمكن لهذه الوضعيّة أن تبدو للغربيّين الذين اعتادوا على الصورة العامةّ للمرأة المسلمة المضطهَدة والمستسلمة كشيء "عاديّ" ( ألم يكن الأمر هكذا في أفغانستان؟). لكنّ المرأة العراقيّة كانت في الحقيقة وإلى حدّ قريب ( قبل بضعة سنوات) جزءً نشطًا في "الحياة العموميّة" للمجتمع. وبالرغم من السياسة القمعيّة الشاملة لنظام صدّام حسين البعثي فقد استطعن الحصول على أرقى مستوى تعليمي في المنطقة بأكملها. كنّ مندمجات في الحياة المهنيّة وكان لهنّ حضور مرئيّ ونشط في مواقع من مختلف المستويات في شتّى المؤسّسات وأجهزة الإدارة. أمّا اليوم فقد صرْن لا يتجرّأن على الخروج من بيوتهنّ بسبب الخوف وانتشار حالة الشعور بانعدام الأمان السائد. أعمال النّهب والمداهمات العنيفة والعصابات الشّبه مافيويّة التي تمشّط المدينة ليلا، وأعمال العنف الجنسيّ بما فيها الاغتصاب؛ كلّ هذه العوامل قد دحرت المرأة مجدّدًا إلى موقع خلفيّ في الحياة.

تدهور على كل المستويات

ومنذ وقت سابق على حرب سنة 2003 كان واضحًا أنّه قد حصل تراجع في مظاهر التحسّن التي عرفتها أوضاع المرأة خلال السبعينات وبداية الثمانينات. فإلى جانب النتائج المتأتّية عن الأوضاع الإنسانيّة المفزعة برزت تغيّرات على العلاقات الاجتماعيّة بين الجنسين وتحوّلات إديولوجيّة في العلاقة بين الجنسين في إطار التبدّلات الاجتماعيّة العامّة النّاجمة عن الحرب وعن العقوبات الدولية وتغيّر سياسة الدولة.
كان من نتائج العقوبات الدوليّة أن حصل منذ ذلك الوقت السابق على الحرب الأخيرة تدهور شامل للبنية التحتيّة للبلاد (الماء الصالح للشراب، معدّات التطهير، قنوات التصريف، الكهرباء)، تدهور أثّر تأثيرًا سلبيًّا مطّردًا على نوعيّة الحياة اليوميّة للعائلات العراقيّة التي كان عليها في أغلب الأحيان أن تتحمّل الحياة بلا ماء ولا كهرباء. وقد غدت ظاهرات وفايات الصّبيان (حوالي 4000 إلى 5000 شهريًّا)، وسوء التغذية ذات الانتشار الواسع والأمراض المعدية وسرطان الدم المتزايد وبروز أنواع أخرى من السرطان والتشويهات التكوينيّة لدى المواليد الجدد، كلّها من "النتائج الموازية" البادية للعيان لنظام العقوبات. إلاّ أنّ التغيّرات الطارئة على الحياة اليوميّة لم تتجلّ في تدهور الأحوال الاقتصاديّة والبُنى التحتيّة فقط، بل إنّ نسيج الرّوابط الاجتماعيّة والثقافيّة للمجتمع العراقي قد استهدفته هو أيضًا هذه التغيّرات.
تحليل النتائج المنجرّة عن مفعولات العقوبات الاقتصاديّة والحرب ووقعها على المرأة في العراق يتطلّب أوّلا وقفة إخباريّة موجزة عن الخلفيّات التاريخيّة للوضع العامّ للمرأة العراقيّة قبل فرض نظام العقوبات سنة 1990.

السياسة تجاه المرأة في السبعينات

لقد استطاعت أغلبيّة سكّان العراق في السبعينات من القرن المنصرم، وبالرغم من سياسة القمع التي لا جدال حولها، أن تحظى بمستوى معيشيّ ذي مستوى مرتفع وذلك بفضل الطفرة الاقتصاديّة والتطوّر السريع الذيْن أسفر عنهما ارتفاع أسعار النفط وسياسة النموّ المتّبعة من قبل الحكومة. كانت تلك سنوات ازدهار اقتصاديّ شهدت بروز وتطوّر فئة وسطى عريضة. كانت السياسة الحكوميّة المتّبعة آنذاك موجّهة إلى استئصال الأميّة وتعليم المرأة وإقحامها في مجالات العمل. فالحكومة العراقيّة، وفي علاقة بالتطور الاقتصادي السريع الذي عرفه العراق على إثر أزمة النفط سنة 1973، وجّهت اهتماما مكثّفًا بالمرأة قصد إدماجها في المجال المهني.
وتنبغي الإشارة إلى أنّ سياسة تشجيع المرأة على الإقبال على سوق الشغل لا يمكن ردّها إلى اختيار متأتّ عن مبدأ مساواة بين الجنسين، فصدّام حسين لم يكن نسويًّا ! إنّ الأيدولوجيا التي يتأسّس عليها حزب البعث تقوم على القوميّة العربيّة والاشتراكيّة. وفي إطار هذا المقال لا يمكن التطرّق إلى الدوافع المحدَّدة والأديولوجيا البعثيّة الخاصّة بدور وموقع المرأة في المجتمع بالتفصيل. بل ينبغي القول بالأحرى أنّ طاقات اليد العاملة كانت محدودة، وفي حين التجأت بلدان الخليج إلى استيراد اليد العاملة من الخارج، اتّجهت الحكومة العراقيّة إلى تجنيد القوى الداخليّة الخاصّة. وبالتّالي فإنّ مسألة العمل خارج البيت بالنسبة للمرأة لم تكن مقبولة فحسب، بل تحوّلت إلى نموذج ومصدر هيبة. علاوة على ذلك هنالك عامل آخر ينبغي أخذه بعين الاعتبار وهو أنّ الدولة سعت إلى تأطير مواطنيها إيديولوجيًّا -رجالا ونساءً على حدّ سواء-، ومن الواضح أنّه سيكون من الأسهل بلوغهم وتأطيرهم عندما يكونوا متواجدين في ما يدعى بالمجال العموميّ، وعندما يكون حضورهم مرئيًّا خارج الأطر المقفلة لبيوتهم.

وبالرغم من بروز بعض علامات تدهور واضحة في ظروف الحياة العامّة أثناء الحرب العراقيّة الإيرانيّة (1980-1988)، كانت تسود القناعة بأنّ الأوضاع ستتحوّل دون شك باتّجاه التحسّن من جديد بعد انتهاء الحرب. وبينما فقدت العديد من العائلات آنذاك أبناء وإخوة وآباء وأصدقاء وجيرانًا، كانت الحياة داخل المدن تبدو "عاديّة" نسبيًّا، وكانت النساء تلعب دورًا مهمًّا في مجال الحياة العموميّة. لكنّ سنتين قصيرتين من "السلام" قد تبعتها بسرعة أحداث اجتياح الكويت(أغسطس/آب 1990)، وحرب الخليج (يناير/كانون الثاني 1991)، ثمّ فرض نظام العقوبات الشاملة الذي تواصل لحوالي ثلاثة عشر سنة، ثمّ الحرب الجديدة سنة 2003.

فقدان الأحبة والمكاسب

إنّ فقدان الكثير من الأحبّة والعزيزين غدا التجربة المشتركة للكثير من النساء العراقيّات. إلاّ أنّه وإلى جانب الحزن والاكتئاب النفسيّ ومشاعر الحنق أحيانًا تطوّرت لدى العراقيّين، رجالا ونساءً من كلّ سنّ، حالة من التّسليم القدَريّ مذهلة وتكوّنت لديهم قدرة خارقة على الصّمود في وجه الوجع والألم ودرء الانشغال الكلّي بهما.
إنّ الحرب والعقوبات قد تركت، إلى جانب النتائج البادية للعيان بخصوص استراتيجيّات البقاء الأساسيّة، بصماتها على النسيج الاجتماعي والثقافي للمجتمع العراقيّ. لقد خسرت النساء دون شكّ الكثير من المكاسب التي حصلت عليها في العقدين السابقين، ولم يعد بإمكانهنّ اكتساب الاعتبار لا عن طريق مستوى عالٍ من التعليم ولا عن طريق العمل، إذ كلا القطاعين قد شهدا تدهورًا ملحوظًا؛ فالتكوين ذو المستوى العالي قد انهار، ومرتّبات القطاع العموميّ الذي مازال –بمحض مفارقة- يشغّل أكثر فأكثر من النساء قد عرفت هبوطًا فائقًا وغدت غير قادرة على مجاراة نِسب التضخّم وارتفاع تكاليف المعيشة.
وفي ظلّ ظروف التعليم المتدنّية بسبب النّقص في الإطار التعليمي والإمكانيّات الماديّة غدا العديد من الأولياء يرون أنّه عليهم تولّي تعليم أبنائهم بأنفسهم، ولهذا السبب تركت العديد من النساء وظائفهنّ المهنيّة. لكنّهنّ في الوقت نفسه قد صرن مفتقرات لخدمات مؤسّسات المساندة التي شملها التدهور هي أيضًا.
كان نظام مؤسّسات المساندة مكوّنًا من عدد كبير من الحضانات ورياض الأطفال مدعومة بشبكة نقل عموميّ مجانيّ للوصل مع المدارس ومواقع الشغل بالنسبة للنساء. أمّا الجانب الآخر لنظام المساندة فيتمثّل في المساعدة التي كانت تقدّمها العائلة الموسّعة والجيران في رعاية الأطفال. إلاّ أنّ العائلات فقد غدت بسبب حالة الشعور بانعدام الأمان، لا ترغب كثيرًا في أن تدع أطفالها للجيران والأقارب.

ارتفعت نسبة الأعمال الإجراميّة منذ حرب الخليج، والكثير من النساء يروين أنّهنّ كنّ لا يغلقن أبواب بيوتهنّ قبل فرض نظام العقوبات، وأنّهنّ كنّ يشعرن بالأمان التامّ. أمّا الآن فقد أصبحت أعمال النّهب و مداهمات البيوت وجرائم القتل والاغتصاب واسعة الانتشار، ولم يعد هناك سوى أئمّة المساجد وحدهم الذين يسهرون على تركيز أمان عمومي منظّم.
وكانت أواصر الرّابطة العائليّة العراقيّة في أصلها متينة متلاحمة ومتعاضدة، إلاّ أنّ العلاقات العائليّة قد تعرّضت بدورها إلى التفكّك بفعل ظاهرات الحسد والمنافسة المتولّدة عن الصراع اليومي من أجل البقاء. كان الأطفال في ما مضى يترعرعون داخل العائلة الكبرى ويقضّون جلّ أوقاتهم عند أجدادهم وأعمامهم وعمّاتهم وغالبًا ما ينامون لديهم، أمّا اليوم فإنّ نواة العائلة الصغرى قد غدت الوسط الأكثر أهمّية في الحياة؛ داخلها يجد الفرد نفسه ملزمًا بالتّفكير في نفسه أوّلا وفي أقرب المقرّبين إليه.

هجرة الرجال

الصورة: أ ب
صبي يعمل كبائع متجول في بغداد

​​إنّ التشويش الذي دخل على البنية الديموغرافيّة من خلال الحروب الثلاث، وكذلك الهجرة المرغَمة للرجال التي انطلقت بموجب فرض وتمديد مدّة نظام العقوبات قد ألقت بعبء مسؤوليّات عائليّة على عاتق عدد كبير من النساء. وليست أرامل الحرب وحدهنّ اللاتي افتقدن رجالهنّ، بل كذلك عدد من النساء اللاتي هاجر أزواجهنّ إلى الخارج هربًا من الأوضاع البائسة وبحثًا عن سبل لإعالة أسرهم. وهناك رجال آخرون قد هجروا زوجاتهم وأطفالهم فقط لمجرّد كونهم غدوا عاجزين عن التلاؤم مع الأوضاع الجديدة، بحيث لم تعد لديهم القدرة على لعب الدور الاجتماعي المناط بعاتقهم كعائلين لأسرهم وضامني مورد رزقها.
لقد أثّرت الأوضاع العامّة تأثيرًا مخرّبًا على العلاقات الزوجيّة. ولئن لم تكن بحوزتنا إحصائيّات مضبوطة، إلاّ أنّه من الممكن الملاحظة بأنّ نسب الطلاق قد عرفت تطوّرًا ملحوظًا في الفترة الأخيرة. والكثير من النّساء يؤكّدن أنّ أزواجهنّ قد غدوا عنيفين وكثيري الإيذاء.
كما أنّ تحديد النّسل قد أصبح عنصر توتّر إضافيّ بين الأزواج. فقبل الحرب العراقيّة الإيرانيّة كانت كلّ وسائل منع الحمل شرعيّة وفي متناول الجميع، لكنّها أصبحت ممنوعة أثناء الحرب، وقد حاولت الحكومة استعمال شتّى وسائل الإغراء كتوسيع قانون حماية الأمومة واستيراد ودعم أغذية الرضّع، بهدف تشجيع النساء على "إنتاج" عدد أكبر من المواطنين الجدد.
وظلّت وسائل منع الحمل مفقودة بعد حرب الخليج لسنة 1991، لكنّ موقف النساء تجاه الإنجاب قد تغير بفعل الأوضاع الماديّة والظروف المعنويّة المحيطة. فقد نشأ لديهنّ خوف من الأمراض المرافقة للمواليد وحوادث الولادة التي ارتفع عددها ارتفاعًا مذهلاً منذ حرب الخليج 1991. وخلافًا لما كانت عليه الأمور من قبل، لم تعد للنساء العراقيّات رغبة في إنجاب الكثير من الأطفال. وبما أنّ عملياّت الإجهاض ممنوعة فإنّ أغلب النساء يخاطرن بصحتهنّ وحياتهنّ بالالتجاء إلى إجراء تلك العمليّات بصفة غير قانونيّة في غرف منزوية خفيّة. مدير إحدى مآوي الأيتام قد أشار سنة 1997 إلى بروز ظاهرة جديدة في العراق وهي أنّ نساء كثيرات رحن يتخلّصن من مواليدهنّ الجدد.

لكن وبالرغم من التأثيرات السلبيّة العامّة فإنّ بعضًا من النساء يؤكّدن أنّ علاقاتهنّ بأزواجهنّ قد عرفت تحسّنًا في السنوات الأخيرة. علياء ربّة بيت في أواخر الثلاثينات من العمر تصرّح: " قبل نظام العقوبات لم يكن زوجي الذي كان يشتغل في مصنع خارج مدينة بغداد ليهتمّ بأيّ شيء من أعمال البيت. ومنذ أن توقّف عن العمل أصبح يساعدني على إعداد الخبز ورعاية الأطفال. أصبحنا نتفاهم أكثر من ذي قبل، إذ أنّه شيئًا فشيئًا أصبح يدرك كم هو متعب العمل الذي أقوم به في البيت".

وفي حين تجد العائلات والأزواج نفسها في مواجهة صعوبات متنوّعة، لا حلم للكثير من النساء العراقيّات إلاّ بزواج وبناء عائلة. ومن بين النتائج العديدة لوضع عدم التوازن الديموغرافي الحالي بالعراق أنه أصبح من الصعب جدًّا على الفتيات التوصّل إلى زواج.
أمّا ظاهرة تعدّد الزوجات التي كانت في فترة ما منحصرة في أوساط الأرياف ولدى أشخاص من غير المتعلّمين، فقد عرفت هي أيضًا تطوّرًا جديدًا خلال السنوات الأخيرة. كما برز اتّجاه جديد لدى الفتيات وهو الارتباط بزيجات مع مهاجرين يعيشون في الخارج ممّن يكبرونهم سنًّا بكثير في أغلب الأحيان، وهو أمر مرتبط في المقام الأوّل بنتائج الأوضاع الاقتصاديّة المتدهورة التي جعلت أغلبيّة الرجال العراقيّين غير قادرين على تكوين عائلة والإيفاء بحاجياتها.تدمير الأخلاق والقيم

الصورة من الأرشيف الخاص
ناديا العلي

​​وبينما غدا الزواج مشروعًا صعب المنال، تجد العديد من الفتيات نفسها تحت وطأة ضغوطات محيط "ثقافيّ" جديد. والعديد من النساء اللاتي استجوبتهنّ أيدنّ رأي إحدى قريباتي عندما يتحدّثن بحزن عن الانقلاب الشامل الذي طرأ على منظومة الأعراف الثقافيّة والقيم الأخلاقيّة. ولن أنسى أبدًا ما قالته لي إحدى عمّاتي: " اعلمي إنّ الجسور والبيوت بالإمكان إعادة بنائها من جديد. قد يتطلّب ذلك وقتًا ما، إلاّ أنّه ممكن. لكن ما نجحوا في تدميره فعلا، إنّما هي أخلاقنا أو قيمنا". ومثلها مثل العديد من النساء الأخريات اللاتي استجوبتهنّ تلاحظ أنّ النزاهة لم تعد قيمة مجدية، فقد طغى على الناس الفساد والجشع، والثقة غدت عبارة نادرة الاستعمال، بينما الحسد سائد حتّى بين أقرب الأقرباء.

العراقيات الشابّات غالبا ما يتكلّمن عن التغيّرات التي طرأت على المعاملات الاجتماعيّة؛ في العلاقات العائليّة وبين الجيران والأصدقاء. فبينما كان آباؤهنّ، من الفئات المتوسّطة، لا يجدون صعوبة في الالتقاء بالفتيات في أيّام شبابهم، غدت لقاءات الشبّان والفتيات اليوم أكثر فأكثر صعوبة. وقع التفريق بين الجنسين داخل المدارس، وحتّى داخل المدارس المختلطة أصبح التواصل بين الجنسين محاطًا بتضييقات مشدَّدة. الفتيات منشغلات كثيرًا بسمعتهنّ وغالبًا ما يحاولن تفادي المواقف التي تضعهنّ على انفراد مع الشبّان. وقد تكون هذه المخاوف قد ازدادت حدّة خلال العقد الأخير بسبب الحالات المعهودة المتكرّرة لجرائم "القتل من أجل الشّرف" (honor killing ).
الكثير من الفتيات العراقيّات يشتكين من التطوّر المتزايد للعقليّة المحافظة ومن الخطر الذي يتهدّد شرفهنّ عن طريق القيل والقال. وهنّ يقاسين بصفة خاصّة من الجوّ العام الذي يتميّز بانتعاشة القيم البطرياركيّة وبتراجع الدولة عن سياستها السابقة الساعية لإدماج المرأة في الحياة الاجتماعيّة.
لقد دفعت الأزمة الاقتصاديّة بعدد من النساء إلى البغاء، وهو اتجاه غدا معروفًا على مستوى واسع ومثارًا لمأساة كبيرة داخل مجتمع يعتبر "شرف المرأة" فيه مرآةً لشرف العائلة.
لا بدّ أن يقع التطرّق إلى التّضييقات الاجتماعيّة المضروبة على النساء والفتيات وبخاصّة ظاهرة البغاء، ضمن الإطار الواسع للمتغيّرات الاجتماعيّة الشاملة المتميّزة بوجود عدد هامّ من النساء المشرفات على الشؤون الاقتصاديّة للعائلة، والانتشار الواسع للبطالة واستخدام عناصر من الرموز الإسلاميّة من قبل حكومة صدّام حسين، وصعود القوى السياسيّة الإسلاميّة بعد انتهاء حكم صدّام حسين.

الدين هو البديل

في خضمّ التحوّلات التي شهدتها القيم الأخلاقيّة ومنظومة الأعراف الثقافيّة، وفي إطار الأزمة الاقتصاديّة والقمع السياسيّ لجأت العديد من النساء (والرجال أيضًا) إلى التوجّه إلى الدين بحثًا عن شيء من السّلوان. وأنا لا أميل شخصيًّا إلى تقييم تصاعد التديّن في حدّ ذاته. لكن في ما يخصّ السياق العراقي فإنّ ظاهرة الاتّجاه إلى الدّين مقترنة، كما هو الشأن بالنسبة لمسار التوجّه الإسلامويّ في بقيّة بلدان الشرق الأوسط عامّة، بظاهرة تطوّر للموقف المحافظ وبتضييقات اجتماعيّة تستهدف المرأة بصفة خاصّة. وبعبارة أخرى، فإنّه ليس هناك فقط اتّجاه تديّني لدى المرأة، بل إنّ النساء خاضعات لضغط اجتماعيّ متزايد يطالبهنّ، ويفرض عليهنّ إبداء علامات الطّاعة الدينيّة. وبالنسبة للنساء يظلّ الأمر الذي يكرّر نفسه على الدوام هل يقبلن بارتداء الحجاب أم لا، ذلك أنّ الحجاب هو العلامة الواضحة والمرئيّة على الطّاعة الدينيّة وعلى تحوّل أخلاقيّ حميد على حدّ زعم الدّعاة إليه. وفي الوقت الحاضر توجد أخبار عديدة عن المضايقات التي تتعرّض لها غير المحجّبات في الشارع من قبل الإسلاميّين الذين يطالبون بضرورة أن تضع كلّ النساء غطاء الرأس أو العباية (العباءة التقليديّة السوداء).

للنساء دور كبير في عملية إرساء السلام

هذه الصورة الأوليّة القاتمة لا تضمّ غير بعض المظاهر ممّا أفرزته الحرب ونظام العقوبات من تبعات على حياة المرأة والعلاقات بين الجنسين في عراق اليوم. وإنّ الوقت لم يحن بعد لتمثّل الطرائق المتداخلة المتنوّعة التي ستتجلّى عليها تأثيرات الحرب المتواصلة على الحياة اليوميّة وعلى الرؤى الأيديولوجية للعلاقة بين الجنسين. لكنّه بإمكان المرء على العموم ومن خلال الوضع الحاليّ أن يلمس أنّ النساء قد وجدن أنفسهنّ مندحرات حاليًّا إلى خلفيّة المشهد الاجتماعي ومحشورات داخل البيوت مجدّدًا، وأنّهنّ يقاسين في الآن ذاته من تردّي أوضاع الحياة الإنسانيّة ومن التدهور المطّرد للأمن في الشوارع. وبصرف النظر عن انعدام الأسباب الأوّليّة للحياة ( من ماء وكهرباء ورعاية طبيّة ومواد غذائيّة ) وغياب الأمان، فإنّ غياب التّواجد النسائيّ داخل الأحزاب السياسيّة المختلفة والهيئات المنبثقة عنها حاليًّا يمثّل مشكلة ستكون لها تبعات على المدى البعيد .
لا بدّ من التأكيد أيضًا على أنّ مشاركة المرأة في إعادة بناء العراق لا يمكن أن تتمّ بالبساطة التي يمكن أن يوحي بها شعار " إقحام النساء وإعادة الخلط ". إنّما ما يُفتقَر إليه هنا هو منظور جنسويّ يتوافق والقرار 1325 المصادق عليه من قبل الأمم المتّحدة في تشرين 2000 والذي أقرّ بأهمّية إشراك المرأة وضبط فحوى لجنة "الحقيقة والتصالح " (truth und recociliation ) بخصوص كلّ المسائل المتعلّقة بنظام ما بعد الحرب وعمليّات إرساء السلام.

إنّ دراسة التجارب السابقة لمناطق نزاعات أخرى في العالم ولأوضاع ما بعد الحرب التي عرفتها تلك المناطق مثل إيرلندة الشماليّة والبوسنة والهرسك وقبرص وإسرائيل/فلسطين تثبت كلّها أنّ للنساء قدرة أكبر على تجاوز الشّقاقات الأثنيّة والدينيّة والسياسيّة، وأنّهنّ يلعبن دورًا بالغ الأهميّة في عمليّات صنع السلام (Peacemaking ). وفي رأيي إنّه لا يمكن التوصّل إلى تحقيق سلام مستقبليّ في العراق إلاّ عن طريق عمل مواجهة وتتناول ماضي العراق تقوم به لجنة للحقيقة والتصالح تتصدّى بحزم لكلّ أشكال التعدّي على حقوق الإنسان بما في ذلك العنف الجنسي .

داخل الحكومة الانتقاليّة لا بدّ أن يكون للمرأة حضورها في كلّ الوزارات والهيآت ومجالس التّفكير التي تعنى بمسائل نظام الحكم وتسيير المؤسّسات الوطنيّة والمحليّة البلديّة. كما ينبغي أن تكون المرأة حاضرة و ذات دور نشيط داخل المؤسّسات القضائيّة و جهاز الشرطة، وفي الإشراف على رعاية حقوق الإنسان وعلى توزيع الاعتمادات الماليّة وتطوير الإعلام الحرّ وكلّ أنواع العمليّات الاقتصاديّة. كما يجب تشجيع تأسيس الجمعيّات النسائيّة المستقلّة (NGO) والمنظّمات المتجذّرة في الواقع المحلّي.
لكنّ الأوضاع الحاليّة للأسف تبعث على الشكّ في النوايا الأميركيّة بخصوص الحكم السليم Good Governance وفي التزامهم برعاية حقوق الإنسان وتأسيس الديمقراطيّة. وبالنظر إلى سابقات السياسة المحافظة لجورج بوش في مجال الشؤون النسائيّة في أميركا، فإنّني شخصيًّا لا أنتظر الكثير من سلطة الاحتلال في ما يخصّ المرأة بالذّات وسياسة العلاقة بين الجنسين. وإنّ مثال أفغانستان ليعدّ سابقة مؤسفة في هذا المجال، فالحكومة الأميركيّة، ولئن كانت تعترف بطرف اللسان بحقوق المرأة، فإنّها لم تفعل شيئًا بعد الحرب من أجل تكريس وفرض هذه الحقوق.

النساء متفوقات على الرجال

لكن دعوني أنهي هذا المقال بنبرة متفائلة شيئًا ما. إنّه من الهامّ جدًّا أن نؤكّد أنّ العراقيّات لسن مجرّد ضحايا مستسلمات. وأنا لا أتكلّم هنا عن تلك اللاتي كنّ مورّطات مع النظام السابق، بل عن نساء من مختلف الفئات الاجتماعيّة. خلافًا للتصوّرات المتداولة عبر وسائل الإعلام عن النساء العربيّات المضطهَدات، برهنت النساء العراقيّات وبطرق متنوّعة على مدى ما يتمتّعن به من قدرة على الابتكار والتلاؤم تفوق مقدرات الرّجال. إننا نشهد العديد من البرامج اللاّنمطيّة التي تتوالد بكثرة عن طريق بادرات نسائيّة في مجال توزيع الأغذية على سبيل المثال، كما أنّ قدراتهنّ في مجال الأعمال اليدويّة وإعادة تحويل(رسْكلة) الملابس القديمة وموادّ أخرى تشهد لهنّ بقدرات ابتكاريّة فائقة. ومع أنّني لا أريد بأيّة حال الدفع إلى الاعتقاد بأنّ النساء من حيث طبيعتهنّ أفضل من الرّجال، فإنّني لا أرى أنّ مستقبل العراق بإمكانه أن يتأسّس على يد معارضة رجاليّة متشظّية ومحزّزة بالانقسامات والخصومات، بل إنّه لن يأتي إلاّ على أيدي من عرف كيف يظلّ محافظًا على كرامته، مجرّدًا من كلّ عنف وإنسانيًّا في كلّ الأحوال.

ترجمة علي مصباح

يرتكز هذا النص، الذي نشر في صحيفة فرانكفورتر روندشاو بتاريخ 30.07.2003،ّ على محاضرة لناديا العلي بعنوان "الفوارق الجنسيّة والتحوّل الاجتماعي في العراق" –Gender and Social Change in Irak ألقتها بجامعة بوخوم يوم 3 يوليو/تموز 2003 في إطار دعوة لكرسيّ المحاضرين الضيوف Marie-Jahoda-Gastprofessur . نقدّم هنا ملخّصًا عن هذه المحاضرة، مع الإشارة إلى أنّ النصّ الكامل سينشر في مجلّة Peripherie
Zeitschrift fuer Politik und Oekonomie in der Dritten Welt (Heft 92, Dezember 2003)

ناديا العلي أستاذة الأنتربولوجيا الاجتماعية في جامعة إكستر. تركز في أبحاثها على موضوع النساء والجنوسية في الشرق الأوسط. كانت أستاذة زائرة في جامعة بوخوم الألمانية خلال الفصل الصيفي 2003. من أهم إصداراتها:
• Secularism, Gender and the State in the Middle East: The Egyptian Women’s Movement. Cambridge University Press, 1994.
• Feminism and Contemporary Debates in Egypt. In: Dawn Chatty; Anika Rabo (Hrsg.); Women Organized in Groups in the Middle East: formal and informal groups. Verg Publishers, 1997.
• New Approaches to Migration: Transnational Communities and the Transformation of Home. Herausgegeben mit: K. Kose. Routledge, 2002

ملفات خاصة من موقع قنطرة