ومع ذلك، كان رد ترامب على قضية خاشقجي، خاليا من أي قيم شمولية. ومن أجل التوضيح، منذ عقود من الزمن، يرعى رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية بالإضافة إلى الزعماء الأوروبيين المملكة العربية السعودية، وغالبا ما يعتمد القادة في جميع أنحاء العالم في قراراتهم المتعلقة بالسياسة الخارجية على السياسة الواقعية، وليس على الاعتبارات الأخلاقية.

ولكن هذه أول مرة يعترف فيها رئيس أمريكي دون خجل، بالطبيعة التجارية المحضة لقراراته السياسية. إذ قال ترامب بوقاحة، إن المملكة العربية السعودية "تنفق 110 مليار دولار على التجهيزات العسكرية وأشياء أخرى تساهم في خلق فرص الشغل" في الولايات المتحدة الأمريكية. وأضاف قائلا: "لم تعجبني فكرة إيقاف استثمار بقيمة 110 مليار دولار في الولايات المتحدة الأمريكية".

ضرورة الحفاظ على مصداقية النظام العالمي

ورغم أن الأرقام المعلن عنها مشكوك فيها، إلا أن تعليقات ترامب ماهي إلا تصريحات صريحة عن مصالح مالية. وتدل الراحة بل حتى الافتخار اللذان عبر بهما من خلال التعليقات، على أننا دخلنا في مرحلة جديدة، حيث لم يعد بإمكاننا أن نتوقع من قادتنا حتى احترام أبسط المعايير، ألا وهي، التعبير عن قراراتهم بأسلوب مبني على القيم والقواعد.

إن هذا أمر خطير، لأن مثل هذا الأسلوب ضروري للحفاظ على مصداقية النظام العالمي وحشد الدعم المحلي لصالح هذا النظام. وعلى غرار القيادة الناجعة واحترام سيادة القانون، فبعض الإيمان بالنظام -حتى ولو غلب عليه طابع التوتر بسبب عدم المساواة أو الحصانة- ضروري لاستمرارية هذا النظام.   

إن عالَماً -لا يهم فيه إلا عقد الصفقات ولا توجد فيه مبادئ تحكم التصرفات وتعزز نُظُم الحكم- هو عالمٌ لا يعلم فيه المواطنون ماذا يتوقعون من قادتهم، ولا تعلم فيه الدول ماذا تتوقع من حلفائها. ومثل هذا العالم - غير المستقر والذي لا يمكن التنبؤ به- ليس النموذج الذي ينبغي علينا قبوله بلا تبصر.

ولم يفت الأوان بعد على الرد على جريمة القتل البشعة التي تعرض لها خاشقجي، بطريقة تعزز المبادئ التي نعتمد عليها بدل إضعافها. ولعل تعليق المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل لعملية بيع الأسلحة للسعودية بداية جيدة، رغم أن الدافع الأكبر وراء هذا القرار هو دعم حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي ترأسه الذي كان مقبلاً على الانتخابات الإقليمية في ولاية هيسِن. تماما كما هو الحال بالنسبة لتراجُع واشنطن عن برنامج التجارة الاعتيادي الذي تعتمده في علاقتها مع السعودية.

ولكن، يجب فعل المزيد، لاسيما إعلان القادة ذوي المبادئ بشكل واضح أن ما وقع في إسطنبول غير مقبول، وإلا فسنتخلى عن خطاب القيم والمبادئ - وهو ما من شأنه أن يتركنا دون أي خطاب متماسك مُعَزز للاستقرار.

 

 

آنا بالاسيو
ترجمة: نعيمة أبروش
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت 2018

 

ar.Qantara.de
آنا بالاسيو هي وزيرة الخارجية الإسبانية سابقاً ونائبة رئيس البنك الدولي سابقاً، كما أنها محاضرة زائرة في جامعة جورج تاون الأمريكية.

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : انهيار وشيك للنظام العالمي بعد مقتل خاشقجي؟

انهيار وشيك للنظام العالمي بعد مقتل خاشقجي . لكن مقتل مئات الالاف من السوريين يجعل النظام العالمي متماسك هههه . يخرب بيتكم محللين فاشلين ومرتزقه

خالد 04.11.2018 | 09:17 Uhr

هي نظرة مركزية شرقية للعالم .. حتى مركزية شرقية مجتزأة .. لا أطفال اليمن و لا الحرب الأهلية السنية الشيعية التي تطحن تحت تلك الكراهية المجنونة آلاف البشر بل تحديدا الخاشقجي هو معيار تحقيق العدالة اليوم .. طبعا عدا عن ملايين البشر الجوعى و المهمشين و الذين يجبرون على أن يقمعوا ذواتهم و ينكروها و آلاف المعارضين و أنظمة امتهنت قمع كل صوت معارض و أفكار سائدة تقمع كل فكر مستقل الخ الخ .. لا شك أن ابن سلمان مجرم و يستحق الملاحقة لكن كل حكام الشرق الأوسط و العالم الثالث هم مجرد قتلة الخ الخ ..

مازن كم الماز04.12.2018 | 18:15 Uhr