تونس بعد الانتخابات البرلمانية 2014

تونس...انطلاقة إلى ضفاف جديدة أم عودة إلى المربع الأول؟

هل يعني فوز حزب نداء تونس في الانتخابات عودة إلى الآليات والمحسوبيات وهياكل السلطة القديمة؟ أم أنَّ التحالف السياسي سوف ينجح في وضع مسارات جديدة لمستقبل تونس، وفي تعزيز تسويات مقبولة اجتماعيًا وفي المباشرة بسرعة في الإصلاحات الاقتصادية الملحة؟ إيزابيل شيفر أستاذة العلوم السياسية بجامعة هومبولت في برلين تحاول الإجابة على هذه التساؤلات في تحليلها التالي لموقع قنطرة.

بعد مرور ثلاثة أعوام على أوَّل انتخابات حرة للجمعية التأسيسية لصياغة الدستور في شهر تشرين الأوَّل/ أكتوبر 2011، أدلى المواطنون التونسيون بأصواتهم من جديد: فبعد أوَّل تجربة لهم مع تولي حزب النهضة الإسلامي مسؤولية الحكم (2011-2013)، باتت تفضِّل الآن أغلبية المواطنين التونسيين العودة إلى الاستقرار والأمن وعدم وجود نهج سياسي يغلب عليه الطابع الديني.

الاستقرار والأمن، هذا ما تأمله أغلبية الناخبين التونسيين الآن من حزب نداء تونس، الذي يعتبر بمثابة إطار جامع لليبرالي الاقتصاد ولأنصار النظام القديم وممثِّليه وكذلك أيضًا للنقابيين ولبعض المثقفين.

لقد تمت دعوة الناخبين التونسيين حتى من قبل بعض الليبراليين اليساريين والمثقفين إلى التصويت "تكتيكيًا" -أي لصالح حزب نداء تونس- بهدف أساسي يهدف إلى تفادي حصول حزب النهضة على أغلبية برلمانية. ويبدو أنَّ هذه الاستراتيجية قد نجحت.

حصل حزب نداء تونس في الانتخابات البرلمانية على خمسة وثمانين مقعدًا (من أصل 217 مقعدًا) وهذه النتيجة تجعله الفائز الواضح في الانتخابات. وأتى بعده حزب النهضة بتسعة وستين مقعدًا، وحزب الاتِّحاد الوطني الحرّ بستة عشر مقعدًا. وكان تم تأسيس حزب الاتِّحاد الوطني الحرّ من قبل رجل الأعمال التونسي سليم الرياحي، صاحب "النادي الأفريقي لكرة القدم".

راشيد الغنوشي . Foto: picture-alliance/dpa
درس سياسي لراشد الغنوشي - لقد كان حزب النهضة حتى الآن القوة المهيمنة في الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور، التي تم تشكيلها في شهر تشرين الأوَّل/ أكتوبر 2011، ولكنه فقد مؤخرًا الدعم الشعبي.

استطاعت بعض الأحزاب الأصغر تحقيق نجاحات مفاجئة -مثل حزب الجبهة الشعبية اليساري المتطرِّف بزعامة حمة الهمامي، حيث حصل على خمسة عشر مقعدًا أو حزب آفاق تونس (حصل على ثمانية مقاعد). من الواضح أنَّ الخاسرين في هذه الانتخابات هم حزب التكتّل ذو التوجّهات الاشتراكية الديمقراطية (حصل على مقعد واحد) بزعامة رئيس المجلس الوطني التأسيسي مصطفى بن جعفر، المرشَّح أيضًا للانتخابات الرئاسية، وكذلك حزب المؤتمر من أجل الجمهورية (حصل على أربعة مقاعد) بزعامة الرئيس الحالي المنصف المرزوقي. وبالإضافة إلى ذلك فقد حقَّقت الكثير من الأحزاب الأخرى الأصغر نتائج سيئة نسبيًا، مثل الحزب الجمهوري التونسي.

معاقبة الإسلاميين

لقد أقرّ حزب النهضة رسميًا بهزيمة انتخابية، لم تتوقّعها بهذا الحدّ قيادتُه بزعامة راشد الغنوشي والأمين العام علي العريض. وعزت قيادة حزب النهضة هذه الهزيمة إلى أنَّ الحزب قد تولى السلطة في مرحلة مبكِّرة جدًا أثناء الفترة الانتقالية الصعبة وارتكب أخطاء. وعلى ذلك تمت الآن معاقبة هذا الحزب من قبل الناخبين، بحسب رأي قيادة حزب النهضة.

وفي الواقع لقد أصبح الوضع الاقتصادي أسوء بدلاً من أن يتحسَّن، وكذلك بات يتم ربط اغتيال السياسيَّين المعارضَين محمد براهمي وشكري بلعيد بالإضافة إلى العلاقة الغامضة مع السلفيين المتطرِّفين وزيادة النشاطات الإرهابية بفترة حكم حزب النهضة. ولكن على الرغم من كلِّ ذلك فإنَّ حزب النهضة لا يزال يشكِّل ثاني أكبر قوة سياسية في البلاد ويواصل تطلعاته إلى السلطة.

كانت المشاركة في الانتخابات (التشريعية)، التي تم إجراؤها في الفترة من الـ24 وحتى الـ26 من شهر تشرين الأوَّل/ أكتوبر 2014 في مراكز انتخابية مجموعها أحد عشر ألف مركز، أعلى من التوقعات وبنسبة بلغت 69 في المائة. ولكن على الرغم من ذلك فإنَّ الكثيرين وخاصة من جيل الشباب لم يدلوا بأصواتهم بسبب خيبة الأمل واللامبالاة السياسية أو عدم الاكتراث.

ولكن كذلك كان السلوك الانتخابي مختلفًا من منطقة إلى أخرى: وهكذا كانت المشاركة في الانتخابات في المناطق الأكثر حضرية والأكثر ثراءً في الشمال وعلى الساحل الشرقي عالية نسبيًا، بينما جاءت المشاركة في المناطق المحرومة والفقيرة في الجنوب وفي الغرب منخفضة إلى حدّ ما.

Wahllokal in Tunesien; Foto: DW
محك لاختبار الديمقراطية الوليدة في تونس - كانت المشاركة في الانتخابات، التي تم إجراؤها في الفترة من الـ24 وحتى الـ26 من شهر تشرين الأوَّل/ أكتوبر 2014 في مراكز انتخابية مجموعها أحد عشر ألف مركز، أعلى من التوقعات وبنسبة بلغت 69 في المائة. ولكن على الرغم من ذلك فإنَّ الكثيرين وخاصة من جيل الشباب لم يدلوا بأصواتهم بسبب خيبة الأمل واللامبالاة السياسية أو عدم الاكتراث.

عملية انتخابية سلمية ونزيهة

لقد جرت الانتخابات في مجملها بصورة سلمية ونزيهة وحرة، على الرغم من توقُّع حدوث هجمات وعلى الرغم من أنَّ الإجراءات الأمنية (وجود الشرطة والجيش) قد كانت تبعًا لذلك كبيرة. وبصرف النظر عن بعض الاستثناءات القليلة، فلم تحدث أية تجاوزات، ما تم تأكيده من قبل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات ISIE وكذلك من قبل الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري HAICA. وعلاوة على ذلك كانت توجد بعثة دولية لمراقبة الانتخابات تابعة للاتِّحاد الأوروبي.

في مرحلة التحضير للانتخابات كان يُعتقد أنَّ التحالف بين حزب النهضة وحزب نداء تونس أمرٌ محتملٌ. وباعتمادها على نجاحها في الانتخابات تُبقي الآن قيادة حزب نداء تونس جميع الخيارات مفتوحة أمامها. ومن أجل تشكيل الحكومة لا بدّ من وجود الأغلبية المطلقة بمائة وتسعة نوَّاب من أصل مئتين وسبعة عشر نائبًا. والآن سيتم تكليف حزب نداء تونس بالشروع في المفاوضات الائتلافية وتشكيل الحكومة، لكن من المتوقع أنَّ القرار النهائي سيتم اتِّخاذه فقط بعد الانتخابات الرئاسية في الـ23 من شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2014.

ويبدو حاليًا أنَّ تشكيل ائتلاف مع حزب الجبهة الشعبية، الذي توجد بينه وبين حزب نداء تونس اختلافات كبيرة نظرًا إلى القضايا السياسية الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك مع حزب الاتِّحاد الوطني الحرّ، أمرًا مستبعدًا. أمَّا خيار تشكيل "جبهة ديمقراطية" من حزب نداء تونس وحزب آفاق تونس وباقي الأحزاب الأصغر والنوَّاب المستقلين، فهو ينطوي على خطر حدوث حالة من التمزق الداخلي، تشارك فيه الكثير جدًا من الأطراف الفاعلة ذات التوجُّهات المتنوِّعة.

"الحوار الوطني" على المحك

وبصرف النظر عن نتيجة مسألة الائتلاف بات يتم الآن التفاوض على الأمين العام لحزب نداء تونس، الطيب البكوش، كرئيس محتمل للبلاد. وبصرف النظر عن مسألة المشاركة في الحكومة فإنَّ أحزاب المعارضة الأصغر ومنظمات المجتمع المدني لا يزال لديها دور مهم تقوم به. فهل سيستمر وجود "الحوار الوطني"؟ فأخيرًا وليس آخرًا فإنَّ فضل التمكّن من التغلب على الأزمة السياسية في عام 2013 يعود إلى الحوار الوطني (إلى منظمات من المجتمع المدني من بينها الاتِّحاد العام التونسي للشغل). وتطوف في أذهان النقابيين فكرة إضفاء طابع مؤسَّساتي على الحوار الوطني في شكل منتدى للتوصُّل إلى توافق في الآراء. ولكن يبدو أنَّ ذلك أمر مشكوك في واقعيَّته أيضًا.

Béji Caid Essebsi; Foto: dpa/picture-alliance
عودة القوى القديمة - "على الرغم من أنَّ فوز حزب نداء تونس في الانتخابات يعني التقدُّم خطوتين إلى الأمام في العملية الانتقالية، إلاَّ أنَّه يعني أيضًا خطوة إلى الوراء - في اتِّجاه النظام القديم. إذ إنَّ الباجي قائد السبسي (عمره 87 عامًا) يجسِّد شخصية الأب، الذي سوف ’يضبط كلَّ شيء من جديد‘"، بحسب انتقاد إيزابيل شيفر.

وعلى الرغم من أنَّ فوز حزب نداء تونس في الانتخابات يعني التقدُّم خطوتين إلى الأمام في العملية الانتقالية (الانتخابات النزيهة والحرة على أساس الدستور الجديد وكذلك التغيير الديمقراطي للأحزاب الحاكمة)، إلاَّ أنَّه يعني أيضًا خطوة إلى الوراء - في اتِّجاه النظام القديم. إذ إنَّ الباجي قائد السبسي (عمره 87 عامًا) يجسِّد شخصية الأب، الذي سوف "يضبط كلَّ شيء من جديد".

لقد كان السبسي ناشطًا سياسيًا إلى جانب الحبيب بورقيبة، وكذلك في حزب التجمع الدستوري الديمقراطي في عهد زين العابدين بن علي، وكان في الآونة الأخيرة واحدًا من رؤساء الوزراء في الفترة الانتقالية بعد ثورة عام 2011. وبخطابه الأبوي يترك السبسي، الذي أسَّس حزب نداء تونس في عام 2012، طابعًا إيجابيًا لدى العديد من التونسيين - الذين لا يشعرون بالأمن والاستقرا من خلال التغيير في هذه الأوقات المضطربة. وحتى أنَّه صار يتمتَّع الآن بفرصة جيدة للفوز في الانتخابات الرئاسية في نهاية هذا العام 2014.

فهل يمكن أن تعني نتيجة هذه الانتخابات أيضًا العودة إلى عهد ما قبل الثورة التونسية، ولكن على نحو مختلف عما هي عليه الحال في مصر، لا سيما وأنَّ قطاع الأمن في تونس لم يتم إصلاحه بشكل جذري منذ عام 2011؟

ومع ذلك إنَّ سير عملية الانتخابات ونتيجتها جاءت بمجملها واعدة إلى حدّ ما بالنسبة لتطوّر الأوضاع السياسية في تونس. فقد أسفرت عن إنتاج نوع من "إعادة التوازن" بعد النجاح الكبير الذي حقَّقه حزب النهضة في انتخابات عام 2011.

شعور بالارتياح لدى النخب العلمانية

يشعر الكثيرون من المواطنين التونسيين - سواء من النخبة وكذلك من الطبقة الوسطى العريضة - بالسعادة والارتياح للتغلب على الإسلاميين بطريقة ديمقراطية، وذلك لأنَّهم كانوا يخشون من الاستمرار في عملية أسلمة المجتمع والنظام السياسي.

لقد حان الوقت الآن لإجراء إصلاحات اقتصادية واجتماعية مهمة. فمنذ عام 2011 لم تتراجع البطالة بين الشباب التي تمثِّل قضية ملحة للغاية. وكذلك لا تزال إمكانية الاحتجاج موجودة في مختلف القطاعات الاقتصادية وفي القطاع العام، الأمر الذي اتَّضح أيضًا في الآونة الأخيرة من خلال الإضرابات في مختلف قطاعات العمل.

ولكن بالإضافة إلى معاناتها من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، لا تزال تونس تعاني أيضًا من مشكلات أمنية (مثل تداعيات الأزمة الليبية ووجود متطرِّفين يمارسون أعمال عنف عند الحدود مع الجزائر وكذلك المتطرِّفين العائدين من سوريا، إلخ…).

وفي المرحلة التالية يأتي الآن دور الانتخابات الرئاسية في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر (الجولة الأولى) وفي شهر كانون الأوَّل/ ديسمبر (الجولة الثانية) 2014. لقد اجتازت تونس مرحلة أخرى من مراحل العملية الانتقالية الديمقراطية والسلمية ويمكنها فيما بعد أن تنظر إلى المستقبل بتفاؤل.

 

 

إيزابيل شيفر

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: قنطرة 2014

 

الكاتبة إيزابيل شيفر خبيرة سياسية ألمانية وأستاذة العلوم السياسية بجامعة هومبولت في برلين.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.