لوحة تعبيرية عن معركة أم درمان الشهيرة عام 1898 ، الصورة: فيكي ميديا كومونس
ونستون تشرشل: "حملة صليبية على مملكة المهدي"

لحظة ميلاد الحركات الإسلاموية الجهادية؟

اكتشف الغرب مجددًا من خلال إصدار جديد التقرير الإشكالي عن الحرب الذي كان ونستون تشرشل قد أرسله من السودان، حيث يؤرخ فيه لسير الحملات العسكرية في هذا البلد والدوافع التي تقف راء هذه الحملات. جوزيف كرويتورو في قراءة لهذا الإصدار الجديد.

لوحة تعبيرية عن معركة أم درمان الشهيرة عام 1898 ، الصورة: فيكي ميديا كومونس
الكتاب يطرح أسئلة حول مقاصد الحملة العسكرية البريطانية على السودان

​​لا بدّ وأن يكون هناك سببٌ وجيهٌ لكي يُترجَم تقرير عن الحرب من اللغة الإنجليزية إلى اللغة الألمانية بعد أكثر من قرنٍ على صدوره. أما واقع أن يكون كاتب التقرير هو رجل السياسة الشهير ونستون سبنسر تشرشل فلا يُعدّ سببًا كافيًا للإقدام على الترجمة، لكن موجز الشرح الدعائي الموجود على غلاف نسخة الكتاب الألمانية الصادرة عن "دار نشر أيشبورن" والتي ترجمها ونقحها وكتب مقدمتها الإعلامي السويسري جورج برونولد Georg Brunold الذي يعيش حاليًا في نيروبي جاء فيها ما يلي:

"أظهر الإسلام في انتفاضة المهدي (1881– 1885) بدايةً وجهًا حديثًا لقوة سياسية جذرية، أي ما نعرفه اليوم بالأصولية المسلحة، حيث حكم السودان محمد أحمد أو المهدي خليفة الله على الأرض وأقام فيها خلافةً إسلامية".

عنوان أصفر مثير

الكتاب الذي يضم 450 صفحةً بين دفتيه يتماشى مع النزعة الشائعة راهنًا أن الغرب اكتشف في الآونة الأخيرة حرب السودان المذكورة ومعها كتاب ونستون تشرشل وثيق الصلة. وعلى غرار الترجمات التي صدرت ونُقلَ فيها هذا العمل إلى لغةٍ أخرى اعتمدت الترجمة الألمانية على الأصل الانجليزي الذي حمل عنوان "The River War. A Historical Account of the Reconquest of the Soudan" واختير بالألمانية عنوانًا أصفر مثيرًا: "حملة صليبية على مملكة المهدي".

صورة ونستون تشرشل، أ.ب
"إن حرب التحرير الوطني التي خاضها السودانيون ضد الاحتلال المصري المدعوم من بريطانيا لم تقوم لأسباب دينية، بل بالدرجة الأولى بسبب الظلم"

​​يلفت جورج برونولد في مقدمة الكتاب الانتباه إلى تجربة تشرشل في السودان ويعالج تاريخ البلاد الحديث ويبين أن الإسلام المقاتل قد ظهر قبل الانتفاضة السودانية بزمنٍ طويل. نبرتا الكاتب والمترجم الموضوعية لا تأخذان حقهما في مصطلح "حملة صليبية" الذي ورد في عنوان الكتاب في ترجمته الألمانية. ويبدو جليًا أن الأمر يتعلق بلفت الانتباه ارتباطًا بالأحداث الراهنة لاسيما وأن ذلك يحيلنا مباشرةً إلى التفكير "بحملة" جورج دبليو بوش "الصليبية" على الإرهاب.

هل كانت حملةٌ صليبيةٌ استعمارية؟

بيد أن حملة الاحتلال المصري-البريطاني المطرود على دولة المهدي في السودان لم تكن حملةً صليبيةً بحال من الأحوال (وهذا تحديدًا ما يشهد به تقرير تشرشل)، إذ لم تأتِ الحملة على خلفيةٍ دينيةٍ، بل على خلفيةٍ استعمارية. أما التعبير عن الاستعمار بمصطلح الحملات الصليبية فهو تاريخيًا خطأ، وهنا لا بدّ من القول بأن الأصوليين الإسلاميين كثيرًا ما يزعمون ذلك، بدءا من سيد قطب وانتهاءً بأسامة بن لادن.

​​لم يسمح ونستون تشرشل للتهويل الانجليزي بالمهدي ورفيق دربه وخلفه عبد الله بن سيد بأن يضلله. ويبقى خفيًا على القارئ إلى أي مدى تم التهويل سوءًا بهؤلاء، لكن يمكنه ملاحظة بعض الإشارات التي ينتقد فيها الكاتب هذا الأمر بوصفه عرضًا غربيًا مغرضًا. وكان ونستون تشرشل قد اعتبر المهدي الذي لم يلتقِ به أبدًا: "رجلٌ لا يُشك بخُلقه الرفيع، وناسكٌٌ وجنديٌ وطني" كما نقرأ في الفصل السابع عشر.

إن حرب التحرير الوطني التي خاضها السودانيون ضد الاحتلال المصري المدعوم من بريطانيا لم تقوم لأسباب دينية، بل بالدرجة الأولى بسبب الظلم كما يرى ونستون تشرشل الذي يكتب بهذا الصدد أن دعوة المنتفضين للجهاد كانت "علامةً فارقة" و "عامل نهوض" لكنها "لم تكن السبب الأساس.

دفاع عن الاستعمار

بالرغم من ذلك يبقى كاتب التقرير الحربي ونستون تشرشل أحد المدافعين عن الاستعمار البريطاني وبالتالي ابن عصره رغم كل المسافة النقدية التي حافظ عليها. كما أن الفصول الخمسة الأولى في الكتاب التي تعالج الأحداث التي جرت في السودان والتورط الانجليزي حتى بداية الحملة على السودان في عام 1986، تعتمد بالأساس على ما كتبه الغربيون الذين عاصروه من ذوي الميول الاستعمارية.

بالكاد يجد القارئ معلومات عن طبيعة دولة المهدي، أي الخلافة. إن اختفاء بريق حركة المهدي بعد وفاة قائدها في عام 1885 وتحولها إلى دكتاتورية عسكرية بقيادة عبد الله بن سيد ليست تفسيرًا كافيًا لقوة نظام الحكم في السودان تحت سلطة من خلف المهدي الأسطوري كما يرى تشرشل، وهو يحيل السبب إلى مهارة عبد الله بن سيد في بناء شبكة من العلاقات مع الأمراء المحليين. لكن ونستون تشرشل رأى أيضًا أن السودانيين يرزحون تحت الظلم لا سيما ظلم حاكمهم؛ الأمر الذي استفاد منه المستعمرون وتشرشل لتبرير الحملة على السودان.

الكاتب الذي أتى أصلاً في صيف عام 1898 إلى السودان ولم يشارك سوى في المرحلة النهائية للحرب بوصفه ضابطًا نبيلاً يصف تفاصيل مجريات الحملة من وجهة نظر عسكرية محضة تقريبًا. هكذا نجد في الفصل السادس حتى الفصل السادس عشر شرحًا تفصيليًا دقيقًا لمعارك صغيرة وكبيرة كان قد صاغها ونستون تشرشل بناءً على أحاديثٍ مع العساكر الذين شاركوا فيها، إلى جانب الشرح التفصيلي لتشييد البنية التحتية للإمدادات التي تم فيها مدّ سكك الحديد بمحاذاة نهر النيل وصولاً إلى الجنوب. لن تثير المقاطع التي تُشكِّل حصة الأسد من الكتاب سوى اهتمام المختصين على الأرجح، الذين يعرف معظمهم العمل الأصلي الأكثر إسهابًا.

عرض موضوعي

يمتاز ونستون تشرشل بعرضه الموضوعي حتى في المنازلات التي شارك فيها، وقد بيّن أنه لا يتأثر بالدعايات التحريضية، كما سجّل احترامه لشجاعة المقاتلين السودانيين. صحيح أن الكاتب مبهورٌ بالقوة النارية المتفوقة والأكثر حداثةً التي كانت تتسلح بها القوات المُهاجِمة في حينه والتي ضمت مراكب مدفعية وأسلحةً رشاشة وغيرها الكثير، إلا أن دهشته كانت مصحوبةً بالغضب الواضح أيضًا. تحت تأثير هذا الانطباع جاء تقرير تشرشل بخصوص تبعات المعركة الدموية الحاسمة التي دارت رحاها في الثاني من أيلول/سبتمبر بالقرب من مدينة أم درمان مقر الحكومة السودانية بقيادة عبد الله بن سيد الذي كان قد لاذ بالفرار، وانتهت بذلك مرحلة إعادة الاحتلال التي خاضها المستعمِر على مدى ثلاث سنوات.

أعداد الضحايا التي يذكُرها كاتب التقرير في هذه المعركة الحاسمة كافيةٌ لتشهد على أن الحرب لم تكن متكافئةً كما يقال بلغة اليوم، فبينما بلغ عدد القتلى والجرحى 482 جنديًا في صفوف المصريين والبريطانيين فقد السودانيون 9700 مقاتلٍ وجُرح أكثر من 10 ألاف بكثير. إن وصف السودانيين الجرحى الذين بقوا مطروحين في ساحة المعركة بلا عناية لأيام طوال وماتوا ميتةً مليئة بالعذاب، كان من أكثر المقاطع تأثيرًا في الكتاب الذي كاد أن يصبح هنا كتابًا مناهضًا للحرب.

وعلى الرغم من نقد ونستون تشرشل لهدم قبر المهدي من قِبَلِ كيتشِنِر Kitchener قائد القوات البريطانية ونقده لنبش رفات المهدي إلا أنه يبرر الحرب على السودان مستخدمًا الشعارات الاستعمارية التي كانت سائدة آنذاك، حيث جرى الحديث عن تحرير الشعوب من الطغيان واستبداله بالتقدم المدني. يختتم تشرشل تقريره مناشدًا عقل المنتصر، حيث يكتب أن السودانيين لا يحتاجون إلى مجموعات الدعاة الغربيين أو المُضاربين بأي حالٍ من الأحوال بل بالدرجة الأولى إلى الهدوء وإعادة بناء البلاد خطوة تلو خطوة. تحت الإدارة البريطانية بالطبع!

جوزيف كرويتورو
ترجمة: يوسف حجازي
قنطرة 2008

Winston S. Churchill: „Kreuzzug gegen das Reich des Mahdi“. ترجمة وتحرير Georg Brunold. Die Andere Bibliothek, Eichborn Verlag, Frankfurt 2008. 450 Seiten, 26,95 Euro.
قنطرة

دستور السودان المؤقت:
خطوة هامة في الطريق نحو السلام
يتعين على الدستور الجديد المؤقت رغم ما يحتله من أهمية بالنسبة لاتفاقية السلام الخاصة بالسودان أن يثبت أولا نجاحه واستحقاقه في الحياة السياسية اليومية للبلاد. من ضمن مهام هذا الدستور ترتيب وضع الحكم الذاتي لجنوب البلاد والعلاقات بين المجموعات الإثنية في السودان. فريدريك ريشتر يكتب من الخرطوم حول هذا الشأن.

اتفاقية السلام في السودان - حبر على ورق ؟
دارفور، إلى أين؟
لم تفرز المفاوضات المتعلقة بمنطقة دارفور والتي أشرف عليها الاتحاد الأفريقي أية نتائج إلا بعد قرابة عامين من البدء فيها. هذا وإن لم يوافق على الاتفاقية المبرمة حتى الآن إلا عدد قليل من الثوار. فالكثيرون منهم تساورهم الشكوك حيال جدية نية حكومة الخرطوم في إحلال السلام. مقال كتبه مارك إنغيلهارت.

جيرار برونيير:
دارفور أو الإبادة الجماعية "بمفهوم قابل للتأويل"
أحاسيس الغضب تنتاب جيرار برونيير. هذا ما يتضح من خلال قراءة كتابه حول الحرب الدائرة في دارفور. إنه يشكو هناك من عدم وجود اهتمام لدى المجموعة الدولية بالنظر لهذا النزاع على محمل الجدية. بقلم انيتي فيبر.

ملفات خاصة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.