ومع وفاة عبد الرحمن الناصر ووصول الحكم المستنصر إلى كرسي الخلافة في 350هـ/961م، انفتح باب السلطة والحكم أمام صبح على مصراعيه، فكانت تشارك في شؤون الحكم في الكثير من الأوقات، وفي عدد من المسائل السياسية المتعلقة بأمور الدولة.

ولكن مشاركة صبح في الحكم بدأت بشكل أوسع في المرحلة التي تلت وفاة زوجها، ذلك أن الحكم كان قد عين لجنة وصاية ثلاثية على ابنه وولي عهده هشام الذي لم يزد عمره عن بضع سنين وقت وفاته.

تكونت تلك اللجنة من الوزير الأكبر جعفر المصحفي، وصاحب الشرطة محمد بن أبي عامر، وصبح، وكان من الطبيعي أن تنشأ خصومات وتحالفات ما بين أفراد اللجنة وبعضهم البعض. لكنّ اختيارها لتكون في لجنة الوصاية يشهد على ثقة الخليفة بصبح وبحنكتها السياسية.

كان أنْ تحالفت صبح مع ابن أبي عامر، واستطاعا معاً أن يقضيا على نفوذ الوزير، وبدأ حكمهما للأندلس لبضع سنين، حتى ثارت الخلافات فيما بينهما بعد طول ود وتوافق، ونتج عن ذلك استئثار ابن أبي عامر بالسلطة وحده، وتم عزل الخليفة هشام مع أمه صبح في قصرهما في مدينة الزهراء.

ورغم هزيمتها، فقد ظلت صبح تعمل على التدبير والتفكير لاستعادة مُلك ابنها، إلى آخر أيّامها.

ست الملك: صاحبة الحنكة السياسية والقبضة الحديدية

شهدت الدولة الفاطمية ظهور عدد من الشخصيات النسائية اللاتي مارسن العمل السياسي، واستلمن أمور السلطة.

أحد أهم تلك الشخصيات، وأكثرها نجاحاً، هي الأميرة ست الملك التي ولدت في عام 359هـ/970م، وكانت ابنة للخليفة الفاطمي الخامس العزيز بالله.

بدأت مشاركة ست الملك في العمل السياسي منذ عهد أبيها، حيث لمس ذكاءها وحنكتها، فقربها من دوائر الحكم وحرص على سماع مشورتها فيما يخص شؤون الدولة.

وبعد وفاة أبيها ووصول أخيها الصغير الحاكم بأمر الله لعرش الخلافة الفاطمية، عملت ست الملك على تسيير أمور الدولة، وفرضت سيطرتها على قراراته، واقتسمت السلطة مع الوزير برجوان الذي كان الحاكم الحقيقي للدولة.

في قصتها على يدي المؤرخين، قيل إن علاقتها لم تكن وديّة مع أخيها الحاكم الذي أبعدها عن الحكم، وحدّ من دورها في السياسة. ولكن معظم الأخبار تشير إلى أنّ ست الملك قد استطاعت أن تُعيد إحكام قبضتها على الأمور مرة أخرى في عام 411هـ/1021م،

كما يذكر عددٌ من المؤرخين، ومنهم تقي الدين المقريزي في كتابه اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء، أنّ ست الملك قد قامت بتدبير مؤامرة مع بعض أعوانها لقتل الحاكم، وبأنّها روّجت بين أتباعه أنه اختفى وغاب.

Eine aus Elfenbein gefertigte Deckelkapsel der Prinzessin Subh aus Córdoba; Quelle: © Raseef 22
صبح البشكنشية الباسكيّة التي حكمت قرطبة حاضرة الأندلس وعاصمتها أيّام الخلافة الأموية: هدية الخليفة إلى صبح بعد إنجابها ابنه الأول سنة 966، بحسب ما يشير تسجيل الوعاء، متحف الآثار الوطني الإسباني في مدريد.

بعد اختفاء الحاكم، تمّت البيعة لابنه الذي حمل لقب الظاهر لإعزاز دين الله، وكان لا يزال في السادسة عشرة من عمره. ولصغر سنّه، حملت ست الملك مسؤولية حكم البلاد، وكانت هي الآمر الناهي، وسيّرت شؤون السلطة والحكم بحزم، وظلت كذلك حتى توفيت في 413هـ/1023م.

أم الخليفة الفاطمي المستنصر بالله: حاكمة صارعت ظروفاً مستحيلة

إذا كانت ست الملك، نموذجاً لنجاح المرأة الفاطمية في العمل السياسي، فإن أم الخليفة المستنصر، كانت على العكس من ذلك نموذجاً للفشل الذريع جرّاء ظروف قاسية تعرّضت بسببها الدولة للأخطار والمهالك.

في عام 427هـ/1035م توفي الخليفة الفاطمي الظاهر لإعزاز دين الله، فآل أمر الخلافة إلى ابنه الصغير أبو تميم معد، الذي لقب بـالمستنصر بالله، ولما كان المستنصر لم يبلغ بعد السابعة من عمره، فقد تولت أمه الوصاية عليه بشكل كامل حتى يصل لسن الرشد.

ومن الغريب أنه رغم كل القوة والنفوذ التي امتلكتهما أم المستنصر، إلا أننا لا نكاد نعثر على اسم لها في المصادر التاريخية التي تؤرخ للعصر الفاطمي، فجميع تلك المصادر اعتادت على أن تصفها بأم المستنصر، دون أن تختصها باسم أو لقب مميز.

استطاعت الدولة الفاطمية في الفترة المبكرة من وصايتها أنْ تمدّ نفوذها وسيطرتها إلى العديد من البلاد والأقاليم، فنجد أن إمبراطوريتها قد شملت كلاً من مصر وجنوب الشام وشمال أفريقية وصقلية والشاطئ الإفريقي للبحر الأحمر فضلاً عن بلاد الحجاز واليمن.

ولكن ومع مرور السنوات، بدأت الأثار السلبية في الظهور تباعاً على مسرح الأحداث.

ذلك أن أم المستنصر التي يصفها ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ، بكونها من أصل سوداني، قد عملت على رفع أقدار الجند السودانيين الذين كانوا جزءاً مهمّاً من الجيش الفاطمي في مصر، لحماية مكانتها، ولخلق توازن يحدّ من سلطة الجند المغاربة والجند الأتراك اللذين كانوا يمثلون القوة الرئيسة والأساسية في الدولة.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.