سقطات أعلام التنوير الأوروبي

اعتداء على تمثال فيلسوفُ التنوير إيمانويل كانط
تمثال إيمانويل كانط في مدخل جامعة كالينينغراد: أعمل العقل الخاص بك، هكذا كانت دعوة فيلسوفُ التنوير إيمانويل كانط. الصورة من picture-alliance/dpa/TASS/V. Nevar

يستغرب الكثيرون من خطاب زعماء اليمين المتطرف بعدد من الدول الأوروبية ضد العرب والمسلمين، وبشكل عام ضد المهاجرين، ما جعلهم يرددون أسئلة عديدة حول التنوير الأوروبي؛ أهؤلاء نتاج هذه الثقافة؟ تعليق محمد طيفوري

الكاتبة ، الكاتب: محمد طيفوري

كيف يمكن لقيم التنوير التي بفضلها نسج الأوروبيون مسارا آخر لتاريخهم، أن تُنتج ساسة ومثقفين وإعلاميين بهذه الأفكار العنصرية. وكيف انقلبت أربعة قرون من الاستنارة والتنوير انغلاقا وتعصبا وعنصرية ضد كل مخالف؛ في اللسان أو المعتقد أو اللون، باختصار ضد الآخر (الغير)؟

ارتبط مفهوم التنوير في التجربة الأوروبية بوعي الإنسان لذاته، وقدراته وإمكانياته في تحقيق أفكاره وتطلعاته مع الآخرين والمجتمع، ففي عصر التنوير بدأ حراك العقلانية ضد العواطف، والعلم ضد الخرافة والسياسة التقدمية ضد القبلية المحافظة، وذلك قصد استبدال نظام تقليدي بنظام مدني جديد. 

وساهم التحول نحو نظام اقتصادي جديد؛ وهو النظام الرأسمالي الصناعي، الذي حل محل النظام الاقطاعي الزراعي، في تثبيت هذه الأفكار داخل المجتمعات. وكان ذلك، حسب سرديات تاريخية، على ثلاث مراحل كبرى، شكلت مفاصل قصة التنوير الأوروبي: عصر التنوير المبكر (1685-1730) وعصر التنوير العالي (1730-1780) وعصر التنوير المتأخر (1780-1815).

تختلف الروايات بشأن بواكير التنوير باختلاف العصر التأسيسي، فرأي يرده إلى كتابة رونيه ديكارت "مقال في المنهج" (1637)، وآخر يعتبر بداياته مع مقال إيمانويل كانط "السلام الدائم" (1795)، وبينهما إسهامات جمة لمفكرين وفلاسفة أمثال: لوك وهيوم وفولتير... تؤسس لصرح التنوير الأوروبي الذي نقل بقية العالم، بحسب أنصاره، من الظلمات إلى النور. 

تكتنف هذه السردية التي شُذبت وقلِمت في الكثير من جوانبها، كي تُشكل سيرة تاريخية عن التنوير الأوروبي، جزئيات وتفاصيل دقيقة من شأن تقليبها إعادة تشكيل سردية جديدة عن تاريخ وجغرافيا التنوير. ففي كتب ومؤلفات من يعتبرون، وفقا لذات السردية الرائجة، آباء مؤسسين للتنوير الأوروبي، من المواقف والآراء ما يستدعي مراجعة، وحتى غربلة، هذا التاريخ لكشف غثِه من سمينه.

سقطات أعلام التنوير الأوروبي

يصبح كلام رموز اليمين المتطرف في أوروبا عاديا، وحتى مقبولا جدا، حين نعلم أن بعضا من أسلافهم، من أعلام الفكر والحداثة والتنوير، سبقوهم إلى التطرف في القول والموقف. فما أكثر الأسماء التي شذّت، في سياقات معينة، عن ما تُنادي به من مثُل عليا للتنوير وانتصار للعقلانية وإعمال للمساواة بين البشر كافة بلا مفاضلة أو تمييز.

دافع رينيه ديكارت، وباستماتة قوية، عن إعمال العقل في مختلف مناحي الحياة، لكن هذا المبدأ توقف عند اصطدامه بـ "الكفار والملحدين"، الذين اعتبرهم، في كتابه "تأملات حول الفلسفة الأولى"، أكثر غطرسة من كونهم متعلمين. 

نفس الموقف نجده لدى جون لوك، مؤسس الفكر الليبرالي الذي يقوم على الديمقراطية والحرية الفردية والمساواة الاجتماعية وصاحب "رسالة حول التسامح"، الذي ذهب إلى أنه «لا يمكن التسامح على الإطلاق مع الملحدين». 

وكتب فيلسوفُ التنوير إيمانويل كانط تمييزا لا تخطئه العين ضد المرأة، في "تأملات على المشاعر الجميلة والنبيلة"، معتبرا أن «المرأة قد تبدو في موقف محرج، إذ أنها لا تمتلك رؤى عالية معينة».

فيكتو هوغو؛ صاحب الروايات ذات البعد الإنساني، سقط بدوره في هذه المفارقة، بإعلان عنصريته تجاه الشعوب غير الأوروبية، فكتب مدافعا عن همجية الجنرال الفرنسي توما روبير بوجو «ما ينقص فرنسا في الجزائر هو قليل من الوحشية». 

وظل على نفس النهج حتى في أرذل العمر، فخطب يقول عام 1879؛ أي قبل وفاته بست سنوات، «افريقيا ليس لها سوى ملمحين: إن كانت مأهولة فهي بربرية؛ وإن كانت قاحلة فهي وحشية؛ ولكنها لن تتهرب بعد اليوم». وأضاف بترفع واستعلاء للذات الأوروبية «في القرن التاسع عشر، جعل الأبيض من الأسود إنسانا؛ في القرن العشرين، سوف تجعل أوروبا من إفريقيا عالما. إعادة إنشاء إفريقيا جديدة، جعل إفريقيا القديمة طيعة الانقياد إلى الحضارة، ذلك هو المشكل، وأوروبا سوف تحله».

يبقى أغرب تناقض لرسول الديمقراطية الليبرالية، ألكسيس دو توكفيل؛ مؤلف كتاب "الديمقراطية في أمريكا" الذي استهجن وحشية الإسبان بحق شعوب القارة الأمريكية، مقابل تأييده للإبادة الجماعية الفرنسية في الجزائر، منتقدا كل الأصوات المعارضة لها في الداخل الفرنسي، «غالبا ما سمعت في فرنسا رجالا أحترمهم، ولكني لا أوافقهم، ينعتون حرق المحاصيل، وإفراغ المطامير، والقبض على رجال غير مسلحين، ونساء وأطفال من الأفعال السيئة. هي في رأيي ضرورات تثير السخط، ولكن كل شعب يريد خوض حرب ضد العرب مرغم على الخضوع إليها».

بواكير تنوير غير أوروبية

يقود البحث في سقطات رموز التنوير الأوروبي إلى إخضاع قصة التنوير برمتها للفحص والتمحيص، ماذا لو وجدت قصص أخرى للتنوير غير السردية الشائعة؟ مادام التاريخ يثبت أن هذه السردية صُنعت على المقاس، فهناك إمكانيات إخفاء، أو على الأقل تجاهل، قصص أخرى تمثل مسارات أخرى لرحلة التنوير الإنساني.

يعتبر التنوير، حسب التحديد الكانطي للمفهوم، هو «خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه من خلال استخدامه لعقله إلا بالتوجيه من إنسان آخر»؛ أي نهاية الوصاية وبداية التعقل، حيث يكون كل شيء خاضعا لأحكام العقل، الذي يصبح مرجعية بواسطتها تم تحرير الإنسان، إزاء الطبيعة (الوجود) من جهة، وإزاء الإنسان (الآخر) من جهة أخرى.

وفقا لذلك، تؤسس تجربة المعتزلة (العقلانيين الأوائل) لقصة مبكرة للتنوير، بمناظرات البرهانية وسجالاتهم الفكرية المتوقدة في الإمامة والسياسة والأديان والعلوم وغيرها من المعارف الإنسانية. وتجربتهم الفريدة في التسامح والتعددية وقبول الآخر المخالف، فقد تناظروا مع ملاحدة الدهرية والمانوية والهندوس واليهود والمسيحية وغيرهم من ذوي المعتقدات المخالفة في احترام تام لهم، والتزام أصيل بالحجة والدليل والبرهان.

بعيدا عن الشرق، برزت قصص أخرى للتنوير في أوروبا، لكن بعقول عربية في تجربة الأندلس، مع ثلة من الأسماء التي لمعت في سماء قرطبة، أمثال: ابن رشد وابن فرناس وابن حزم وابن عربي وابن زيدون... مقدمين رسالة إنسانية راقية، لا تؤمن باللون ولا بالعرق ولا بالجنس ولا بالدين، بل كل إيمانهم هو إنسانية الإنسان. وفي ذلك قال محي الدين ابن عربي: "لقد صار قلبي قابلا كل صورة/ فمرعى لغزلان، ودير لرهبان؛ وبيت لأوثان، وكعبة طائف/ وألواح توراة، ومصحف قرآن".

شهدت افريقيا بدورها قصة تنوير فريدة، قادها فيلسوف إثيوبي مغمور يدعى زيرا يعقوب (1599-1692)، بعدما اختار الملك سوسنيوس الكاثوليكية ديانة رسمية لإثيوبيا، حيث أعلن يعقوب، الذي كان يدرس الدين في منطقة أكسيوم، أنه لا يمكن اعتبار المسيحية أكثر صوابا من دين آخر. واستطاع، بعد سنوات (1630-1632) من التنسك في كهف، خوفا من بطش الملك تطوير فلسفة عقلانية، تؤمن بسيادة العقل، وبالمساواة بين بني البشر بدون تمييز بين الرجال والنساء. لقد نجح افريقي واحد في صياغة عدد من المثل السامية التي ميزت لاحقا عصر التنوير في أوروبا، وعرضها في كتاب حمل عنوان "هاتا" (الاستيضاح) الذي كتبه عام 1667 بعد إلحاح تلاميذه.

لا تخلو تجارب الأمم من قصص وحكايات عن التنوير، نكاد لا نسمع عنها شيئا، لأن سردية الرجل الأوروبي الأبيض، بنواقصها الجمة، وحدها من استطاعت أن تفرض نفسها، فكما يقول المثل الإفريقي: "حتى يتعلم الأسد الكتابة، ستظل كل القصص تمجد الصياد".

 

محمد طيفوري

حقوق النشر: موقع قنطرة 2024

 

مراجع للاستئناس:

* ثيودور أدورنو وماكس هوركهايمر: جدل التنوير، دار الكتاب الجديدة المتحدة (2006).

* محمد عمارة: الإسلام بين التنوير والتزوير، دار الشروق (2002).

* علي أومليل: في معنى التنوير، مركز دراسات الوحدة العربية (2005).