مالالا يوسفزاي والنصف الآخر من التاريخ الإسلامي

طلب النبي محمد (ص) من أتباعه أن "يأخذوا نصف دينهم" من زوجته عائشة. ولكن مساهمة المرأة اليوم في تشكيل أسس الإسلام غير معروفة تقريباً، تكتب أستاذة الدراسات الإسلامية أسماء أفسار الدين.

الكاتبة ، الكاتب: أسمى أفسار الدين

بلومنغتون، إنديانا – أُسأل أحياناً، بصفتي كاتبة ومحاضِرة عن المرأة والنوع الاجتماعي في الإسلام، إذا كان للمرأة أي دور في صنع التقاليد الإسلامية. لحسن الحظ، فالجواب دائماً هو "نعم". كانت هناك في الواقع العديد من النساء البارزات في التاريخ الإسلامي المبكّر.

يجب أن تتبوأ عائشة رأس هذه القائمة. وعائشة هي أرملة النبي محمد (ص) التي عُرف عنها الذكاء والمعرفة. ويقال في الواقع أن النبي أشار على صحابته أن "يأخذوا نصف دينهم" من عائشة، تكريماً لعلمها ومعرفتها. بعد وفاته قضت عائشة بقية حياتها تنشر أقوال زوجها وتعلّق على القرآن الكريم. وقد شكّلت تصريحاتها الموثوقة، التقاليد القانونية الإسلامية فيما بعد.

تمتلئ الحقبة الأولى للإسلام بشكل خاص بهؤلاء النساء المدرِكات والجازِمات والتقيّات. ومن الأسماء الأخرى التي أستذكرها أم عمارة، والتي رغم كونها صحابية بارزة للرسول محمد (ص)، وكانت لها قيمة ومركز كبيران في وقتها، إلا أنها أصبحت شخصية مغمورة عبر القرون. أحد أسباب ذلك هو أن أم عمارة كانت امرأة "صعبة"، بمعنى أنها كانت تطرح أسئلة كثيرة وتحتج بصوت مرتفع وصخب عندما كانت تواجَه بحالة من عدم المساواة، خاصة فيما يتعلق بأمور حقوق المرأة. إلا أن توقها للعدالة والصراحة في الكلام لم يكونا في غير مكانهما في القرن الأول للإسلام.

تُعلِمُنا السجلات التاريخية أن النساء بشكل خاص تميّزن في علوم الدين في أواخر عصر المماليك في القرنين الرابع عشر والخامس عشر. ويجب ألا نستغرب ذلك حيث أن حق المرأة في التعليم مضمون بشكل ثابت في الإسلام. ويؤكد قول معروف للنبي محمد أن المعرفة إلزامية بشكل مماثل للذكور والإناث، الأمر الذي سمح بتقبّل إسلامي كبير لتوفير التعليم للفتيات والنساء إلى جانب زملائهن من الذكور عبر القرون. نتيجة لذلك تملأ النساء العالمات المساحة الفكرية الإسلامية.

درس الشافعي، الفقيه المسلم الذي عاش في القرن التاسع، والذي يعتبر أبو الفقه الإسلامي، مع أستاذات من النساء. ويعترف ابن هاجر، وهو فقيه بارز آخر من القرن الخامس عشر بامتنان بفضل العديد من الأستاذات اللواتي زار حلقات دراساتهن بشكل متكرر.

كما كرّس شمس الدين السخاوي، تلميذ ابن هاجر مجلداً كاملاً من عمله حول سيرته الموسوعية لمشاهير العلماء من العصر المملوكي للنساء العالمات. ومن بين النساء الـ 1075 المدرجة أسماؤهن في هذا المجلد، كانت أكثر من 400 منهن من العالمات. وقد تم إدراج اسم إحداهن في السجلات على أنها احتجّت لأنها لم تكن تحصل على تعويض كافٍ مقابل قيامها بالتدريس (وهو احتجاج ربما يبدو شائعاً بشكل مفزع للنساء المهنيات المعاصرات في كافة أنحاء العالم اليوم).

مالالا يوسفزاي الفتاة التي تحدت طالبان
تتبع مولالا، في إصرارها الشجاع على حقها في التعليم وأن يُسمَع رأيها علانية، الخطى اللامعة لسابقاتها من القرن الأول للإسلام

​​

مما يؤسَف له أن ذكرى هؤلاء النساء المنجزات أصبحت خافتة مع مرور الزمن. وفي الوقت الذي أصبحت فيه المجتمعات المسلمة أكثر ذكورية بعد القرن الأول من الإسلام، جرى طمس العديد من هؤلاء النساء خارج السرد الرئيس للتاريخ الإسلامي، مما تركنا مع انطباع أن التقاليد الإسلامية شكّلها الرجال بالدرجة الأولى.

يمكن لمحو النساء هذا أن يؤدّي إلى اعتقاد خاطئ بشكل خطير بأن الإسلام نفسه يوصي بهذا التهميش للمرأة. الخطر حقيقي كما ظهر مؤخّراً في انتقام الطالبان الوحشي الكاره للنساء، ضد مولالا يوسفزاي، الفتاة التي لا تُقهَر، والبالغة من العمر 14 عاماً. دفعت مولالا، وهي محاربة لا تخاف لتشجيع تعليم الفتيات في بلدها الباكستان، دفعت ثمناً باهظاً لموقفها الشجاع، حيث أنها تكافح اليوم لتتعافى بعد أن أطلق الطالبان النار عليها.

يشكّل مصير مولالا تذكاراً بأن أدوار المرأة التاريخية في التعلّم الإسلامي والتميّز تحتاج لأن تصبح معروفة أكثر بين المسلمين أنفسهم. وهذا أمر أساسي وملحّ حتى يمكن في المستقبل إدراك تفسير الطالبان الغريب لحقوق المرأة وبشكل فوري على حقيقته، وهو أنه انتهاك للمبادئ الإسلامية ويجب ألا يُعطى ولو قشرة رقيقة من الشرعية الدينية.

تتبع مولالا، في إصرارها الشجاع على حقها في التعليم وأن يُسمَع رأيها علانية، الخطى اللامعة لسابقاتها من القرن الأول للإسلام. لقد ساهمت نساء مثقفات مشاكِسات وذوات مبادئ بالكثير في التراث الإسلامي.

يذكّرنا مأزقها بضرورة عرض هذا التاريخ بشكل بارز في حاضرنا، وبضرورة إعادة وضع المرأة في مكانها الصحيح في التيار الرئيس للتقاليد الفكرية الإسلامية. إنه الأسلوب الأكثر فاعلية لدحض الظلامية الدينية ووضع حد لها في المجتمعات ذات الغالبية المسلمة، وخاصة النوع الذي يهدد مصالح وحياة الفتيات والنساء المسلمات.

 

أسمى أفسار الدين

* أسمى أفسار الدين أستاذة في الدراسات الإسلامية بجامعة إنديانا في بلومنغتون، ومحررة رئيسية في "موسوعة أوكسفورد حول الإسلام والمرأة" (قيد النشر 2013). كُتب هذا المقال لـ خدمة الأرضية المشتركة الإخبارية .

مصدر المقال: خدمة الأرضية المشتركة الإخبارية، 26 تشرين الأول/أكتوبر 2012
www.commongroundnews.org
تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.