بطش نظام الأسد الأب في سوريا - أحمد حسو: تجربة لجوئي إلى ألمانيا

حين يسكنك الخوف من الطاغية

ربما لا يعرف كثيرون أن لجوء السوريين إلى ألمانيا ليس بجديد، وأن موجة لاجئين سياسيين سبقت موجة عام 2015 الكبيرة بسبب الحرب. فالسوريون يفرون من النظام السوري منذ عقود، منذ أيام الطاغية الأب "حافظ الأسد"، لتكتمل تغريبتهم على يد ابنه الدكتاتور الصغير "بشار". الصحفي السوري أحمد حسو يطلعنا على تجربة لجوئه إلى ألمانيا في التسعينيات، وكيف أن حتى منظمات حقوقية عالمية تخشى بطش النظام السوري.

في السابع من نيسان من عام 1997 وصلت إلى مطار فرانكفورت في ألمانيا مع زوجتي الألمانية بعد فترة انتظار قاسية في بيروت دامت أكثر من خمسة أشهر. يومها كان الجيش السوري يحتل لبنان ويتحكم بمعابره الخارجية، وخصوصا مطار بيروت الدولي. وأذكر حينها أن أحد المتطوعين في منظمة حقوقية عالمية في بيروت، ممن سهلوا لي كل الصعاب التي واجهتني كي أكون اليوم في ألمانيا، قال لي: سنساعدك في إجراءات السفر داخل المطار حتى تصل إلى آخر نقطة تفتيش قبل صعود الطائرة، وهي النقطة التي يتواجد فيها الجنود السوريون، أو بالأحرى مفرزة المخابرات العسكرية السورية. هناك عليك أن تتدبر أمرك، فهؤلاء ليس لديهم حرمة لأي منظمة دولية أو حقوقية، لا بل يستفزون من وجودنا. وما يزيد الأمر صعوبة هو أنك سوري وفار منهم. كلام الحقوقي كان واضحا: علي أن أخوض المغامرة مجددا لوحدي، فحتى المنظمات العالمية تخشى بطش النظام السوري.

حاجز صغير يفصلني عن الحرية

إذن نقطة تفتيش صغيرة للمخابرات العسكرية السورية في مطار بيروت تفصلني عن الحرية وتبعدني نهائيا عن خطر أن أقع في قبضتهم مرة أخرى. الفكرة لوحدها كانت مخيفة مع أنها لم تكن جديدة ومفاجئة لي. فحافظ الأسد جعل هذه الأجهزة تتكاثر بشكل سرطاني كي تحبس أنفاس السوريين وتجعلهم طيعين لإرادته الدكتاتورية.

محتجون على نظام الأسد في سوريا. Syrien-midnerheiten-facebook
"حافظ الأسد جعل الأجهزة المخابراتية تتكاثر بشكل سرطاني كي تحبس أنفاس السوريين وتجعلهم طيعين لإرادته الدكتاتورية. ولم تعد هذه الأجهزة تتحكم بالسوريين داخل البلاد فحسب، بل امتد نفوذها إلى الدولة الجارة لبنان"، كما يقول أحمد حسو.

ولم تعد هذه الأجهزة تتحكم بالسوريين داخل البلاد فحسب، بل امتد نفوذها إلى الدولة الجارة لبنان. فهذه الدولة ذات النظام السياسي الفريد، كانت على مدى التاريخ رئة يتنفس من خلالها السوريون الأحرار حين تضيق بهم السبل في بلادهم التي مرت بتجارب من الطغيان قاسية وعديدة لم تمر بها جارتهم الصغيرة.

وبالفعل سهل لي المتطوع والحقوقي كل الإجراءت داخل المطار إلى أن وصلت إلى حاجز الأمن السوري. يومها لم يكن قد مضى على خروجي من السجن وقت طويل، وأي خطأ صغير يعني العودة إلى ذلك المكان الرهيب الذي كنت فيه. كان شاب صغير الحجم والعمر يقف في حاجز المخابرات العسكرية السورية لوحده. وتبدو من ملامحه أنه من الريف السوري الذي لا يحمل كبير ود لطاغية دمشق.

المكان كان غريبا. حيز صغير متقشف إلى أقصى درجات التقشف داخل مطار بيروت. حيز لا يبدو عليه في أي حال من الأحوال أنه حاجز للمخابرات العسكرية السورية التي ترتجف الركب لمجرد ذكر اسمها. لا أثر لمكتب، لا أجهزة كمبيوتر للتدوين والتدقيق. وحده سلاح العنصر المخابراتي كان واضحا وبارزا للعيان وكأن لسان حاله يقول: من هذا الجهاز  فقط يستمد حافظ الأسد قوته وسلطته وبطشه. ربما الأمر الآخر الذي قلل من شأن استعراض قوة السلاح هذه، أن الشاب كان يحمل في يده كتابا. لكن من فرط قلقي وتوتري لم ألحظ أي نوع من الكتب كان يقرأ هذا العنصر المخابراتي. أرجح أنه كان يقرأ رواية يكسر بها ملل المكان الذي يتواجد فيه وإلا فإن الكتب التي يقرؤها عناصر المخابرات السورية، هذا إن قرؤوا أصلا، هي من نوع: "حافظ الأسد، شخصية تاريخية في مرحلة صعبة" لكريم الشيباني، أو كتب التوجيه المعنوي والاشتراكي لحزب البعث وقيادة الجيش.

إسقاط تمثال حافظ الأسد عند مدخل مدينة عامودا شمال شرق سوريا. Amude ist eine Stadt im syrischen Gouvernement al-Hasaka. Youtube
عند مدخل مدينة عامودا شمال شرق سوريا (مسقط رأس الصحفي السوري أحمد حسو) خرجت عام 2004 مظاهرة حاشدة كسر فيها المحتجون تمثال حافظ الأسد. وبعد اندلاع الثورة السورية منتصف مارس/آذار 2011، شارك الأكراد في الحراك الاحتجاجي المناهض للنظام وتوجه المنتفضون إلى تمثال حافظ الأسد في عامودا وأسقطوه للمرة الثانية.

أرجح أن هذا الجندي المخابراتي كان يؤدي الخدمة الإلزامية ولم ينتبهوا إليه قبل فرزه إلى هذا السلك الخطير. فقد سألني بلامبالاة وقرف عن مهنتي ولماذا أريد مغادرة لبنان. طريقة السؤال كانت توحي بأنه كمن حفظ درسا عن ظهر قلب، يريد أن يلقيه وكفى. إذ لم يبدُ عليه اهتمامه الشديد بملاحقة معارضي الأسد وخصومه في مطار بيروت ومنعهم من الإفلات من بطشه، وهي وظيفته الأساسية وسبب وجوده في هذا المكان الغريب. قلت له بصوت خفيض محاولا إخفاء لهجتي السورية، وإخفاء قلقي ومخاوفي: تم قبول لجوئي إلى ألمانيا، أنا مدرس!. لم يسألني ماذا أدرس، وأين كنت أدرس ولماذا ألمانيا بالذات!. كما أنه لم يدقق في ملامحي كثيرا وفي جواز سفري (ليسه باسيه) ولم يهتم بجوابي، وعلى الفور سلمني جواز السفر وأشار لي بالعبور قائلا: "مع السلامة".

التخابر مع جهة خارجية

اللحظات القصيرة أثناء تدقيق الشاب السوري في هويتي كانت تعادل دهرا. فلو اكتشف هذا العنصر المخابراتي أمري، فمعنى ذلك العودة إلى السجن مجددا ولفترة لا يعلم الله كم ستطول هذه المرة وبأي تهمة. وإذا كانت التهمة في المرة الأولى "الانتماء إلى كيان سياسي يسعى لقلب نظام الحكم وتعكير صفاء الأمة عبر نشر إشاعات كاذبة"، فإن التخابر مع جهة خارجية ستكون أسهل وأسرع تهمة في هذه الحالة. إذ كنت، أنا السجين السياسي السوري السابق والمعارض للنظام، أحمل جواز سفر ليس باسمي، وأغادر به لبنان بتذكرة سفر رسمية باتجاه واحد، إلى ألمانيا، يعني خروج دون عودة. والطريف في الأمر هو أني فعلا "تخابرت مع جهة خارجية".

فقد تلقيت مساعدة من السلطات الألمانية التي وافقت على لم شملي العائلي بحكم أن زوجتي ألمانية ومن حقها أن تعيش مع زوجها في ألمانيا. بمعنى أن "تهمة التخابر مع جهة خارجية" لن تكون ملفقة مائة في المائة لو وجهت إلي، على عكس تهم أجهزة الاستخبارات السورية الأخرى. فبعد فترة تردد طويلة ومحاولات عديدة واتصالات بين بيروت وبرلين وافقت السلطات الألمانية على أن أدخل ألمانيا باسم غير اسمي شريطة ألا تطأ قدماي أرض ألمانيا بذاك الاسم. وكي يتحقق هذا الأمر تماما، وتمر هذه السابقة دون أخطاء قد تضر بـ "السيادة"، اتخذت السفارة الألمانية في بيروت إجراءت دقيقة وصارمة جدا.

فقد أعدت لي وثيقة سفر ألمانية باسمي الحقيقي كي استلمها في مطار فرانكفورت وأتحرك بها داخل ألمانيا. وبالفعل صعد شرطيان إلى الطائرة بمجرد هبوطها وأخذا يدققان في أوراق الركاب. كنت أعرف أني وحدي المقصود بهذا الإجراء. وبالفعل حين وصل الدور إلي أخذا مني أوراقي وطلبا مني أن أرافقهما. نزلنا من الطائرة ومشينا معا إلى "مخفر" للشرطة ليس ببعيد حيث استلمت وثيقة السفر الألمانية، ولتختفي آثار الجواز الذي دخلت به ألمانيا.

مقر حزب البعث في دمشق. د أ ب د
"الكتب التي يقرؤها عناصر المخابرات السورية، هذا إن قرؤوا أصلا، هي من نوع: "حافظ الأسد، شخصية تاريخية في مرحلة صعبة" لكريم الشيباني، أو كتب التوجيه المعنوي والاشتراكي لحزب البعث وقيادة الجيش"، كما يكتب الصحفي السوري أحمد حسو.

الخوف من النظام السوري حتى قبل صعود الطائرة وفي الجو

في مطار بيروت، اقتربت مني زوجتي لتطمئن إذا كان كل شيء قد تم على مايرام. بادرتني بالسؤال بصوت خفيض: خلاص؟ (يعني هل انتهى كل شيء؟) أشرت لها بعصبية أن تبتعد عني حتى نصعد الطائرة وتطير بنا وتصبح خارج الأجواء اللبنانية. فأي خطأ صغير هنا أيضا يعني اكتشاف أمرنا ونعود بالتالي إلى نقطة الصفر. فقد كنا اتفقنا على أن نسافر معا على نفس الطائرة، لكن أن يعمل كل واحد إجراءاته منفردا وكأنه يطير لوحده.

وحين صعدت سلم الطائرة انتابني شعور غريب. لم أكن أصدق بأني في طريقي إلى التحرر من قبضة النظام السوري. فحتى في الطائرة لم أشأ التحدث مع زوجتي في البداية. كان الخوف من النظام معششا في داخلي. كنت أخشى أن يكون على الطائرة جواسيس للنظام أو عناصر من مخابراته.

وحين طارت الطائرة وأخذت تبتعد شيئا فشيئا عن منطقة الشرق الأوسط بدأت أصدق أني أبتعد فعلا عن دائرة تأثير النظام وأخذت أشعر بالحرية أكثر فأكثر. وحين وصلنا إلى مطار فرانكفورت، وقبل صعودنا إلى القطار الذي سيقلنا إلى مدينة كولونيا حيث سنستقر، اتصلت بأمي وقلت لها: ارتاحي يا أمي، صرت في ألمانيا.

 

 

أحمد حسو

حقوق النشر: مجلة "فكر وفن" 2016

ar.Qantara.de

 

أحمد حسو صحفي سوري من أسرة تحرير مجلة "فكر وفن".

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.