سجون تونس تحولت إلى بؤر للتطرف خلال حكم بن علي

الجهاد "مَخرج مشرِّف" لصغار المجرمين من الإجرام

التطرف ليس نتيجة الالتزام الطويل بالدين. ينزلق صغار المجرمين إلى التطرف "الديني" لأنهم يرون في الجهاد "خروجاً مشرِّفاً" من حياة الإجرام. في حواره التالي لموقع قنطرة مع الصحفية الألمانية سارة ميرش، ينتقد الخبير السياسي التونسي حمزة المؤدّب المسؤولين التونسيين بسبب تركيزهم فقط وحصرًا على الجوانب الأمنية في مكافحة الإرهاب، بدلاً من مكافحة الأسباب التي تدفع جيل الشباب إلى التطرف العنيف.

الشاب التونسي أنيس العامري، منفِّذُ هجوم برلين، كان في تونس مجرمًا صغيرًا، وفقط في أوروبا أصبح متطرِّفًا على ما يبدو. فهل هذا المسار نمطي مألوف؟

حمزة المؤدّب: حالات مثل أنيس العامري أو محمد لحويج بوهلال، مُنفِّذ هجوم نيس 2016، تكشف عن الكثير، لأنَّ هؤلاء الأشخاص لم تكن لهم أية علاقة مع إرهابيين في تونس. وتطرُّفهم حدث في أوروبا. وهذا التطوُّر يجبرنا على أن ننظر إلى التطرُّف العنيف في جميع تعقيداته. فهنا لا يتعلق الأمر فقط بأشخاص أصبحوا متطرِّفين في تونس وجرائمهم في أوروبا جاءت كاستمرار لهذا التطرُّف، بل إنَّ الأمر يتعلق بأشخاص لهم مسارات وطرق حياة مختلفة تمامًا، لم تكن لديهم في البداية أية علاقة بالإرهاب، ولكنهم فيما بعد انزلقوا إلى العنف الجهادي.

وفي ذلك تلعب بعض المدن الأوروبية دورًا خاصًا، مثل مدينة ميلانو الإيطالية، حيث توجد منذ التسعينيات شبكات كبيرة من الجهاديين التونسيين. وأنيس العامري كان هو الآخر هناك ومن ثم عاد إلى هناك أيضًا بعد الهجوم. وكذلك توجد في كلّ من بلجيكا وفرنسا شبكات منذ فترة طويلة. ومسارات منفِّذي هذه الهجمات وطرق حياتهم المعولمة تُظهر أنَّ التطرُّف ظاهرة عالمية.

حتى وإن كانت هذه ظاهرة عالمية: فإنَّ عدد التونسيين المرتفع في هذه الشبكات ملفت للانتباه. فكيف تفسِّر ذلك؟

حمزة المؤدّب: من أجل فهم هذه الظاهرة، يجب علينا أن ننظر قليلاً إلى الماضي في العقد الأوَّل ابتداءً من عام 2000، أي العقد الأخير من حكم زين العابدين بن علي. في تلك الفترة حدث تطوُّران مهمان. أولاً: لقد وقعت سلسلة من الأحداث، التي أفضت إلى تسييس الشباب التونسي: الانتفاضة الفلسطينية الثانية في عام 2002 والحرب بين إسرائيل وحزب الله اللبناني في عام 2006 وكذلك حرب غزة في عام 2008 - مع كلِّ الأهمية التي تمثِّلها فلسطين في معاداة الإمبريالية في المنطقة. وكذلك قد كان غزو العراق لحظة مهمة، لأنَّ عدة مئات من الجهاديين التونسيين قد ذهبوا في تلك الأيَّام إلى العراق، على الرغم من القمع وحضور الشرطة القوي لدى نظام زين العابدين بن علي.

شباب سلفيون في تونس. Foto: picture-alliance/ZUMA Press
فشل الدولة في تقديم إجابة لأزمات الشباب التونسي الروحية: "لم يعد يوجد أي شيء يحرِّك الشباب ويمنحهم الأمل. وهنا نشأ جيل ’اللامستقبل‘. وجيل ’اللامستقبل‘ هذا اختار عنف ’اللامستقبل‘ - ووقع في العدمية، في أعمال عنف ضدَّ المجتمع والدولة"، مثلما يقول الخبير السياسي التونسي حمزة المؤدّب.

وهذه الدينامية الأولى رافقتها دينامية ثانية، يجب ألَّا ننساها: فهذا العقد كان عقد الأزمة الاجتماعية الكبيرة مع ارتفاع معدَّلات البطالة، خاصة بين خرّيجي الجامعات. وكان كذلك عقد الاحتجاجات الاجتماعية، التي تجاوز انتشارها المعارضة السياسية التقليدية، وذلك لأنَّ النظام لم يكن قادرًا على منح الشباب آفاقًا مستقبلية.

وبالتالي فقد كان هذا عقد الأزمة الاجتماعية الكبيرة. وقد رَدَّ النظام على هذه الأزمة بالقمع. وتمت مكافحة السلفية المتنامية بين الشباب بقانون مكافحة الإرهاب من سنة 2003: فقد تمت إدانة ألفي شخص على الأقل ومكثوا في السجن. وتحوَّلت السجون إلى بؤر التطرُّف. وهناك كان يتم تجنيد جهاديين جدد، بينما كان يزيد تطرُّف الآخرين أكثر. وهكذا فقد تحوَّلت السجون إلى نقطة التقاء لمختلف الأجيال، الذين لم يكونوا يعرفون بعضهم قبل ذلك قطّ وربما لم يكونوا سيتعرَّفون ببعضهم في الأحوال العادية مطلقًا.

وبعد الثورة في عام 2011، تم الإفراج بموجب عفو عام عن آلاف الجهاديين. وفي الوقت نفسه بدأت النزاعات في ليبيا وفي سوريا. وبالإضافة إلى ذلك يجب علينا ألاَّ ننسى أنَّ الدولة قد فقدت شرعيتها وسيطرتها على المساجد من خلال الثورة في نهاية عام 2010 وبداية عام 2011.

وبناءً على ذلك فإنَّ الدولة ليست قادرة على تقديم إجابة لأزمات الشباب التونسي الروحية. فعجلة الرقي الاجتماعي لم تعد تدور. والناس يدرسون ليصبحوا عاطلين عن العمل. وهم عاطلون عن العمل لأنَّهم غير قادرين على العمل، وذلك بسبب عدم وجود توافق مطلق بين سوق العمل والجامعات. لم يعد يوجد أي شيء يحرِّك الشباب ويمنحهم الأمل. أظهر وهنا نشأ جيل "اللامستقبل". وجيل "اللامستقبل" هذا اختار عنف "اللامستقبل" وفقاً لعبارة أوليفييه روا - ووقع في العدمية، في أعمال عنف ضدَّ المجتمع والدولة.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.