الأب اليسوعي الإيطالي باولو دالوليو المختطف في سوريا

محب للإسلام والحضارة العربية وداعية للمصالحة والحوار

تم في نهاية يوليو/ تموز 2013 اختطاف الأب اليسوعي الإيطالي باولو دالوليو في مدينة الرقة شمال سوريا. وقد مضت أكثر من ثمانية أشهر منذ ذلك الحين ولا توجد أية إشارة تدل على مصيره. يعتبر الأب باولو الذي يتمتع بشعبية واسعة في سوريا مدافعًا عن الحوار بين المسيحيين والمسلمين. كما يُعدّ أحد رجال الكنيسة القليلين الذين وقفوا إلى جانب المعارضة السورية منذ بدء الثورة السورية ضدّ نظام الأسد. كلاوديا مينده تسلط المزيد من الضوء، لموقع قنطرة، على الأب باولو دالوليو.

على الأرجح أنَّ باولو دالوليو مختطَف لدى الجماعة الإسلاموية المتطرِّفة "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش)، ولكن حتى الآن لم يتم الإعلان عن أية مطالب من جانب الخاطفين. وكذلك نفت وزارة الخارجية في روما صحة التقارير التي أفادت بأنَّ "داعش" قد أعدمت الكاهن الإيطالي بعد فترة قصيرة من اختطافه.

وبحسب معلومات النشطاء في مدينة الرقة فقد وصل الأب باولو دالوليو إلى هذه المدينة من أجل التفاوض بتكليف من عائلات صديقة له مع "داعش" على الإفراج عن المعتقلين. وكان يريد الالتقاء في مقر هذا التنظيم بزعيم "داعش"، أبو بكر البغدادي. ومع ذلك فقد كان الأب باولو يدرك جيدًا مدى خطورة هذه المهمة.

يعدّ الأب باولو دالوليو شخصية معروفة في سوريا. وحتى إبعاده من قبل نظام الأسد في شهر يونيو/ حزيران 2012، كان هذا الإيطالي المتمتع بكاريزما جذابة يدير طيلة 30 عامًا دير مار موسى الصحراوي الواقع على بعد نحو 80 كيلومترًا إلى الشمال من العاصمة دمشق. في عام 1954، ولد في روما، وبعد دخوله الرهبنة اليسوعية، درس اللغة العربية في بيروت ودمشق. وفي عام 1982، اكتشف في جبال القَلَمُون جنوب غرب سوريا دير مار موسى القديم الذي يعود إلى القرن السادس.

جاذبية للمؤمنين من جميع الطوائف

وفي عام 1991 أسَّس هناك أخوية رهبنة خاصة به حسب الطقوس الكاثوليكية السريانية. وكان يحب أن يحكي قصة أوَّل ليلة قضاها في هذه الأنقاض النائية، حينما كان ينام في كيس النوم تحت النجوم، ويتغذّى على علب السردين التي جلبها معه ويسلم نفسه أسيرًا للقوة الروحية في هذا المكان. اهتم الأب باولو دالوليو بترميم هذا الدير وترميم لوحاته الجدارية البيزنطية. وعلى مر السنين تحوّل دير مار موسى إلى مكان للاجتماع، كثيرًا ما يتردَّد عليه الباحثون عن السكينة والمؤمنون من جميع المذاهب والأديان.

دير مار موسى في سوريا. Foto: Arian Fariborz
واحة للقيم الروحانية والحوار - يعتبر دير مار موسى ملتقًى ومكانًا للاجتماع، كثيرًا ما يتردَّد عليه الباحثون عن السكينة والمؤمنون من جميع المذاهب والأديان.

ولكن مع ذلك لقد كان موقف هذا الأب اليسوعي يتجاوز تعزيز الحوار بين المسيحيين والمسلمين. إذ إنَّ الأب دالوليو كان ينظر إلى نفسه على أنَّه مسيحي كان مُسْلمًا في قلبه أيضًا، وكان يتجاوز بالتالي حدود العقائد الدينية التقليدية.

وبالنسبة له تعتبر محبته للإسلام وللحضارة العربية جزءًا أساسيًا من رسالته. ومنذ عدة أعوام كان يصوم أيضًا في شهر رمضان مع المسلمين. كذلك لا يكاد يوجد تقريبًا أي مسيحي يعرف القرآن معرفة حسنة مثله. وبذلك فقد اكتسب هذا الأب اليسوعي قدرًا كبيرًا من الاحترام في سوريا.

في مقابلة أجراها في أواخر عام 2012 قال: "منطلقي هو الرسالة الإنجيلية وليس الانتماء إلى عائلة دينية. ولهذا السبب فإنَّ الرسالة الروحية أهم بكثير من المطالبة بحقوق لمؤسسة دينية. وربما يعود سبب ذلك إلى كوني أجنبيًا في سوريا، على الرغم من أنَّني أعتبر نفسي سوريًا في أعماقي".

في الكنائس السورية كان الكثيرون لا يستوعبون موقفه حتى في أوقات السلم. ومنذ بدء الاحتجاجات ضدّ الأسد في شهر آذار/ مارس 2011، تبنى الأب باولو دالوليو موقفًا مختلفًا عن موقف ممثِّلي الطوائف المسيحية البالغ عددها إحدى عشر طائفة في البلاد والموالين للنظام. وبالنسبة له يتعيّن على المسيحيين الوقوف إلى جانب المعارضة ضدّ هذه الدكتاتورية الوحشية، وهو من هذه الناحية غير مستعد لتقديم أية تنازلات. كما أنَّه اتَّهم بعض الأساقفة بأنَّهم يسمحون لنظام الأسد بأن يستخدمهم كأدوات للدعاية.

وعندما تم قتل المخرج السوري المسيحي الشاب والناشط المناهض لنظام الأسد، باسل شحادة في مدينة حمص برصاص قناصة النظام، رفض الأسقف المسؤول دفن هذا القتيل. وبعد ذلك دعا الأب باولو دالوليو أصدقاء المخرج باسل شحادة - من المسيحيين والمسلمين - إلى حفل تأبين أقامه له في دير مار موسى.

ومن خلال مثل هذه النشاطات أعرب الأب باولو بكلّ وضوح عن موقفه من الثورة في سوريا. وهكذا أصبح هذا الأب اليسوعي متحدثًا باسم المعارضة السورية السلمية ضد النظام. وكان كذلك يلعب دور الوسيط والمفاوض مرارًا وتكرارًا بين الجماعات المتحاربة وفي حالات الخطف أيضًا. وفي حمص تمكَّن من الإفراج عن بعض المسيحيين المختطفين.

صوت بعيد عن اتّجاه الكنيسة العام

وبالنسبة للكثيرين يعتبر رجل الدين اليسوعي، باولو دالوليو الذي يتحدَّث اللغة العربية بطلاقة، شخصًا محبوبًا ومُقنِعًا، بينما يعتبره منتقدوه المحافظون شخصًا يبالغ في حبه للإسلام. وضمن هذا السياق وصف نفسه ذات مرة بقوله: "أنا صوت بعيد عن اتّجاه الكنيسة العام".

صورة ممزقة لبشار الأسد في مدينة حلب شمال سوريا. Foto: AP
تحديد الاتّجاه في النزاع الدموي مع نظام الأسد - يتعيّن على المسيحيين بحسب رأي الأب باولو دالوليو الوقوف إلى جانب المعارضة ضدّ هذه الدكتاتورية الوحشية. اتَّهم الأب باولو بعض الأساقفة بأنَّهم يسمحون لنظام الأسد بأن يستخدمهم كأدوات للدعاية.

في شهر حزيران/ يونيو 2012، تم إبعاده رسميًا عن سوريا بعد أن انتقد عنف النظام ضدّ أبناء شعبه في رسالة مفتوحة وجهها إلى الأمين العام للأمم المتَّحدة. وكانت هذه الرسالة بالنسبة للنظام بمثابة سبب كافٍ للتخلص أخيرًا منه. بينما كان هذا الإبعاد بالنسبة للأب باولو دالوليو بالذات بمثابة مأساة شخصية، وذلك بسبب شعوره القوي بارتباطه بسوريا.

وحول ذلك يقول الأب باولو دالوليو: "لقد كنت أعرف أنَّني أُعرِّض نفسي من خلال ذلك لخطر الإبعاد، ولكن نظرًا إلى المأساة السورية، لم أعد أستطيع السكوت أكثر". ولكن مع ذلك لا يزال في دير مار موسى أعضاء هذه الأخوية صامدين.

وبعد إبعاده كان يبدو منهكًا ومكتئبًا بالنظر إلى الوضع الميؤوس منه في وطنه الذي اختاره بنفسه. وعلى الرغم من ذلك فقد واصل دالوليو مسيرته من دون كلل أو ملل، من أجل دعوة الأطراف المتنازعة إلى المصالحة. وفي عام 2013 قام بعدة زيارات للمناطق التي تسيطر عليها مختلف جماعات المتمردين في شمال البلاد.

الخيار في سوريا ليس بين الطاعون والكوليرا

اعترض الأب باولو دالوليو بشدة على التقييم المنتشر على نحو واسع النطاق في الغرب، الذي يفيد بأنَّ الخيار في سوريا بات بين الطاعون والكوليرا؛ وأنَّ سوريا سوف تقع على أية حال إذا سقط نظام الأسد في يدّ الجماعات الجهادية المتنافسة ومجموعات تنظيم القاعدة. كما أدان هذا الموقف واعتبره مهزلة في غاية السخرية. ومع ذلك فقد كان يدرك جيدًا أنَّ الصراع بات يسير وعلى نحو متزايد في مسارات طائفية، الأمر الذي كان يسبب له قلقًا كبيرًا.

وكان يثير قلقه قبل كل شيء تزايد نفوذ المتطرِّفين في داخل المعارضة. وفي هذا الصدد قال ذات مرة: "أجل، إنَّ هذا التطرُّف الديني موجود في العالم العربي كما أنَّ الموارد الضرورية لدعمه تكاد تكون غير محدودة". ولكن مع ذلك، فقد كان من المهم بالنسبة له أن يرى، حتى في الجهاديين، أولاً وقبل كلِّ شيء البشر. ورغم أنَّه اعترف أنَّ "البعض قد يسمون ذلك سذاجة"، ولكنه كان يفكّر في المستقبل وفترة إعادة الإعمار.

وبالإضافة إلى ذلك كان مشغولاً كثيرًا بما سيحدث لجميع الشباب والرجال المتضرِّرين والمصابين بصدمات نفسية بسبب الحرب؛ وكان قلقًا على الأشخاص الذين انضموا إلى الجماعات المتطرِّفة. كما أنَّه كان يرى أنَّ إعادة دمجهم في المجتمع تعدّ واحدة من المهام المركزية في سوريا الجديدة.

لكن في الوقت الراهن لا يزال مصير الأب باولو دالوليو مجهولاً تمامًا. كذلك لا يزال مكان احتجازه غير معروف، كما لا توجد أية معلومات موثوقة، يمكن من خلالها التحقّق مما إذا كان لا يزال على قيد الحياة.  والمؤكَّد هو فقط أنَّ صوته يُفتقَد في سوريا.

 

 

كلاوديا مينده

ترجمة: رائد الباش

تحرير: علي المخلافي

حقوق النشر: قنطرة 2014

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : محب للإسلام والحضارة العربية وداعية للمصالحة والحوار

محطات حياته ملهمة بتجاذبات الحب والوئام بكل سلمية الحنين.

جوني 04.05.2014 | 17:02 Uhr

أتمنى أن يكون بألف سلام وصحة وعافية

جوني 04.05.2014 | 17:05 Uhr