الرئيس التونسي قيس سعيِّد اختار نجلاء بُودِن رمضان في منصب رئاسة الحكومة في تونس.

أزمة تونس
قيس سعيِّد بين شِقَّيْ رحى "السيادة" والرضوخ لقروض مشروطة

أزمة اقتصاد تونسية ازدادت حدة مع ارتفاع في الأسعار ونقص حاد في السيولة وعجز متزايد في الموازنة. فكيف يبدو المخرج من ذلك في ظل استمرار الأزمة السياسية واحتمال اللجوء إلى الإمارات والسعودية لتأمين دعم مالي عاجل؟ وهل من حلول بديلة؟ وما إمكانية تحقيقها وجدواها؟ الصحفي طارق القيزاني سأل خبراء من تونس.

تتدلى عناقيد الموز والعنب من أشرطة معلقة في واجهة محل لبيع الفاكهة فيما تصدرت في المدخل صناديق معبأة بالرمان والإجاص، ومع أنها تعد من بين فاكهة موسم الخريف في تونس، إلا أن الأسعار لا تبدو جاذبة للحرفاء (الزبائن) وكل من يمرون بالمحل الواقع في مفترق طرق.

يتقاسم معظم التونسيين الشكوى ذاتها بشأن الارتفاع الكبير للأسعار وغلاء المعيشة بشكل ملحوظ. يقول الخبراء إن ذلك يعد علامة على زيادة التضخم في البلاد وهو أمر قد يهدد بمزيد من الصعوبات أمام القدرة الشرائية للفئات الهشة في تونس والمتضررة أصلا من الأزمة الاقتصادية وتداعيات وباء كورونا.

ويقول صاحب المحل الذي فضل أن يتفادى تصوير دويتشه فيله عربية: "لا نتحمل مسؤولية هذه الأسعار نحن نخضع إلى ضغوط أيضا في السوق المركزية. وبالكأد نستطيع توفير السلع والمحافظة على الحد الأدنى من هامش الربح. المهم بالنسبة لنا أن نستمر في العمل نحن نخوض يوميا معركة وجود للاستمرار".

وليست الأسعار وحدها موضع نقاش في الشارع التونسي فالمخاوف تحولت إلى شكوك بشأن تأمين رواتب الموظفين مع احتداد الأزمة المالية وفي ظل حديث غير مؤكد عن اللجوء إلى طباعة الأوراق المالية المنذر بتضخم مخيف إذا ما حصل.

ورد حريف على صاحب المحل بنبرة لا  تخلو من السخرية بالقول: "سنكون شاكرين للدولة إذا ما وفرت لنا الرواتب هذا الشهر. ما زالوا ينتظرون الدعم المالي من السعودية والإمارات".

ضائقة مالية وضغوط دبلوماسية

تواجه تونس بالفعل نقصا حادا في السيولة وصعوبات كبيرة لتمويل الموازنة فيما تبقى من عام 2021، والأسوأ من ذلك ان هامش التحرك بات ضيقا في السوق المالية الدولية بعد قرار وكالة موديز للتصنيف الائتماني، تخفيض التصنيف السيادي لتونس من B2 إلى Caa1، مع نظرة مستقبلية سلبية. كما حذرت الوكالة من تخلف تونس عن سداد ديونها إذا لم يتم تأمين تمويل كبير.

وثمة عائق أساسي يضيق على السلطة الحاكمة في تونس هامش التحرك بسبب ضغوط الشركاء إزاء التدابير الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيد وتعليقه العمل بمعظم مواد الدستور، ومطالبتها بإطلاق حوار وطني مع الشركاء السياسيين ووضع خارطة طريق واضحة للعودة الى النظام الدستوري والديمقراطية البرلمانية وعرض الإصلاحات السياسية.

 

بائع فواكه في أحد شوارع تونس – أزمة تونس الاقتصادية. Tunesien Finanzkrise FOTO DW
التونسيون يعانون من قلة عرض السلع وارتفاع أسعارها بل واحتمال عدم دفع أجورهم فهل تنجح الحكومة الجديدة في إيجاد مخرج؟ حل بديل عن القروض الخارجية المشروطة هو التعبئة الداخلية: يرى الخبير الاقتصادي عبد الجليل البدوي أن الحلول البديلة لا تزال قائمة أمام الرئيس قيس سعيد لتفادي قروض مشروطة سياسيا من دول أخرى وللحفاظ على السيادة الوطنية والنهوض بالاقتصاد، مثل العمل على استعادة مستحقات الدولة البالغة 6ر12 مليار دينار تونسي لدى عديد القطاعات والأطراف مثل الضرائب المتأخرة والخطايا الجمركية ومراجعة الامتيازات الضريبية وفرض ضريبة على الأثرياء والشركات الرابحة في زمن كورونا كالمصحات والبنوك. ويتفق المنجي الرحوي مع ذلك في تغطية الالتزامات في موازنة 2021، وهو حل سيجنب برأيه الدولة من أي تبعات سياسية لأي عملية إقراض خارجية. لكن عبد الجليل شدد من أن هذه الخطوة تحتاج إلى قرارات جريئة لمواجهة لوبيات ذات نفوذ واسع في الاقتصاد التونسي بينما استبعد النائب ياسين العياري أن يقدم الرئيس على إصلاحات عميقة كهذه لأنها قد تهدد بخسارة جزء من شعبيته لدى أنصاره وهو في رأيه لن يخاطر بذلك.

 

على مدار أيام تحولت تونس إلى محج للدبلوماسية الدولية للوقوف على الأزمة والبحث في مخارجها.

وآخر الوافدين كان نائب وزير الخارجية الألماني نيلز آنن الذي أعرب صراحة عن مخاوف ألمانيا على وضع الديمقراطية في البلاد، كما بحث مع المسؤولين التونسيين المأزق المالي والاقتصادي الذي تتخبط فيه البلاد.

وبخلاف ذلك تصاعدت الضغوط القادمة من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، حيث خصص البرلمان الأوروبي جلسة لمناقشة الوضع في تونس، فيما فرضت لجنة الاعتماد بالكونغرس الأمريكي حزمة من الشروط مقابل الاستمرار في ضخ المساعدات العسكرية بعنوان سنة 2022 ومن بينها أساسا التدقيق فيما إذا كان للجيش دور في تراجع الديمقراطية في تونس.

كما اشترطت اللجنة النظر في إِنْ كانت السلطات التونسية بصدد اتخاذ خطوات ذات مصداقية لإعادة النِظام الدستوري والديمقراطية، بما في ذلك ضمان حرية التعبير، والصحافة، والجمعيات وحقوق أعضاء الأحزاب السياسية.

وكتب النائب المعارض للرئيس قيس سعيد، ياسين العياري في تدوينة ساخرة له: "تونس في عزلة خارجية لم تعرفها منذ سنة 91 والرئيس مزهو بالسلطة و تطبيل من حوله ويعتقد أنه يحكم العالم الآن".

"لا هِبات مجانية"

ومع تشديد الرئيس قيس سعيد على "سيادة تونس" وعدم الرضوخ الى الضغوطات الخارجية، فإنه لم يتبقَّ عمليا من خيار للسلطة سوى اللجوء إلى الدول الصديقة للاقتراض وهو ما كشف عنه البنك المركزي بوضوح، وقد طرح بقوة داخل مؤسسات الدولة اللجوء إلى السعودية والإمارات بالذات لتأمين الدعم المالي.

بحسب الوزير السابق توفيق الراجحي الذي كان مكلفا بالإصلاحات الكبرى، فإن تونس مطالبة بتوفير ما لا يقل عن ملياري دولار من القروض الثنائية في صورة الاستجابة لطلبها لكنه لفت في نفس الوقت إلى أن تونس ليس لديها تقاليد مع هذا النوع من القروض.

وأوضح الراجحي أن البلدان التي يمكنها أن تتفاعل مع تونس إيجابيا لتوفير "قروض ثنائية" لتعبئة موارد إضافية للدولة قبل نهاية هذه السنة، لن تتجاوز دول الخليج وليبيا على أقصى تقدير.

ويقول المنجي الرحوي النائب وعضو لجنة المالية في البرلمان الذي تم تجميده، في حديثه مع دويتشه فيله عربية إن التعاون المالي الثنائي مع الدول ليس أمرا مستجدا وهو يظل إحدى الآليات التي تستخدمها الدول للإقراض والتعبئة المالية، مشيرا إلى واقعة مماثلة في السابق عندما تحصلت تونس على قرض ومساعدات بقيمة 250 مليون دولار من الجزائر.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة