تمر فيه فستق - غازي عنتاب - تركيا.

أكاديمية غازي عنتاب لفنون الطبخ في تركيا
فن البقلاوة لكن لغير المبتدئين

تتميز مدينة غازي عنتاب الواقعة جنوب شرقي تركيا بتاريخ غني بفن الطبخ. أوغور آجي أوغلو كبير طُهاةٍ محلي أسس أكاديمية لفنون الطهي حرصاً على الحفاظ على وصفات الأجداد للأجيال القادمة. استعلام راينر هيرمان.

يمسك أوغور آجي أوغلو بفخر بيديه كتاب الطبخ لمدينته. ويحمل المجلدُ المزيّن بصور ملونة اسمَ "مذاق الشمس والنار". يقول ممثّل غرفة التجارة لـ 600 مطعم في المدينة الواقعة جنوب شرقي تركيا والتي يتجاوز عدد سكانها المليون، آجي أوغلو: "يضمُّ الكتابُ 160 وصفة فقط من أصل 500 وصفة تعود لمدينة غازي عنتاب". وقد كانت غرفة تجارة غازي عنتاب مسؤولة عن الكتاب ونشره باللغتين الإنكليزية والتركية.

تعلّم آجي أوغلو الطبخ من والده. وقد كان في السابعة من عمره حين وقف معه لأول مرة في مطبخ المطعم، وتكرّر ذلك في كل عطلة أسبوع وكل أسبوع من العطل الدراسية. تعلّم من والده ما تعلمه الوالد من والدته. وفي عام 1991، تولّى أوغور آجي أوغلو إدارة مطعم العائلة، وبحماسة الشباب، جرب حظه بداية في تقديم وتجهيز الطعام. وسرعان ما عاد إلى ما يمثّل قوة مطبخ غازي عنتاب: حركة الوجبات المتأنية.

تربة خصبة على امتداد طريق الحرير

في ذلك الوقت، كانت المدينة تحقّق تقدماً اقتصادياً كبيراً. وقد تخلّصت غازي عنتاب من الفقر أبكر من مدن أخرى في الأناضول. بدأ التصنيع خلال ثمانينيات القرن الماضي، مما جعل من غازي عنتاب واحدة من أقدم "نمور الأناضول" وحُقِّق الرخاء للعديد من الناس.

 

في أكاديمية غازي عنتاب لفنون الطهي - تركيا. Plating up at Gaziantep's Academy of Culinary Arts (photo: Rainer Hermann)
من أجل مصلحة الأجيال القادمة: بدعم من الاتحاد الأوروبي، تضفي "أكاديمية غازي عنتاب لفنون الطهي" طابعاً رسمياً على تدريب الطباخين وطهاة المعجنات. وتتراوح الدورات بين الاستخدام المستديم للمنتجات الزراعية والمواد الغذائية -إذ كما يقول آجي أوغلو "لا ينبغي أن يُرمى أي شيء"- إلى قوائم الطعام المتعدّدة الأطباق المقدَّمة في مطعمي التدريب المجاورَيْن. ويأمل آجي أوغلو في جذب أصحاب المطاعم والطهاة إلى دوراتهم في غازي عنتاب من مناطق أخرى في تركيا ومن الخارج لمعرفة كيف تُربى الحيوانات وتُذبح؛ وكيف تُنقع؛ وكيف يُصنع الكباب ويُخبز في أفران تعمل بالحطب وعلى نيران الفحم، وكيف تُستخدم الطماطم في المطبخ المحلي.

 

وقد كان لهذا ثمن. تتمتع أماكن قليلة في الأناضول والشرق الأوسط بأسِرِهِ بتربة خصبة ومناخ مثالي كاللذين تتمتع بهما المدينة التي تقع شمال بلاد ما بين النهرين. وهذا ما يفسّر مكانة غازي عنتاب بوصفها محطة توقف على امتداد طريق الحرير. يقول آجي أوغلو: "لكن الآن بدأ التقدير للزراعة بالتراجع، وتدنّت جودة الإنتاج، حتى أنّ العمل في مجال المطاعم فقد جاذبيته بين الشباب".

وكان لدى غازي عنتاب سمعة مرموقة: لطالما اعتُبرت المدينة، في تركيا، قبلة لمحبي الطعام. لكنها الآن تفتقر إلى عمال ماهرين بإمكانهم إعداد أطباق كالبقلاوة، وحلوى "عش البلبل" الذي تشتهر به، والعديد من أصناف الكباب والكفتة. وفي المدينة الصناعية الناشئة، يكافح أشخاص مثل أوغور آجي أوغلو للحفاظ على سمعة ممتازة. وقد أطلقت غرفة التجارة مبادرة تهدف إلى تحسين جودة البذور. وبُذِل الكثير من الجهد في توزيع إمدادات جديدة للمزارعين وقراهم.

 

 

 

وقد شكّلت مكافأة اليونسكو لغازي عنتاب إنجازاً معنوياً مهماً. ففي عام 2015، أضافت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة مدينة غازي عنتاب إلى قائمتها لـ"شبكة المدن الإبداعية". وكنتيجة لذلك، تمكّنت المدينة من الاستفادة من التعاون مع مدن أخرى تمتلك قطاع فن طهي وأكل مزدهر عبر القارات الخمس. بالإضافة إلى ذلك، "بقلاوة غازي عنتاب" مُنتجٌ تركي مسجّلٌ لدى الاتحاد الأوروبي.

"قديماً، كان لكل بيت بستان"

يواجه الآن آجي أوغلو وفريقه مسألة كيفية نقل تراث الطهي في المدينة، والذي توارثته الأمهات والجدات لقرون، إلى الأجيال القادمة. وبدعم من الاتحاد الأوروبي، أسّسوا مؤخراً "أكاديمية غازي عنتاب لفنون الطهي"، مضيفين طابعاً رسمياً على تدريب الطباخين وطهاة المعجنات.

 

خريطة تركيا - موقع مدينة غازي عنتاب في جنوب شرقي تركيا. Map of Turkey showing the position of Gaziantep in the southeast (source: DW)
خريطة تركيا - موقع مدينة غازي عنتاب في الجنوب الشرقي التركي: تخلّصت مدينة غازي عنتاب من الفقر أبكر من مدن أخرى في الأناضول. بدأ التصنيع خلال ثمانينيات القرن الماضي، مما جعل من مدينة غازي عنتاب واحدة من أقدم "نمور الأناضول" وحُقِّق الرخاء للعديد من الناس.

 

في الدفعة الأولى، سيتدرّب 50 شاباً تركياً لمدة 18 شهراً على يد كبار الطهاة وطهاة المعجنات. يقول آجي أوغلو: "لتلبية احتياجات تذوق الطعام في المدينة". وتتراوح الدورات بين الاستخدام المستديم للمنتجات الزراعية والمواد الغذائية -إذ كما يقول آجي أوغلو "لا ينبغي أن يُرمى أي شيء"- إلى قوائم الطعام المتعدّدة الأطباق المقدَّمة في مطعمَيْ التدريب المجاورين. ولا يتوقف الأمر هنا.

فمن المنتظر أن تنمو الأكاديمية. إذ يأمل آجي أوغلو في جذب أصحاب المطاعم والطهاة إلى دوراتهم في غازي عنتاب من مناطق أخرى في تركيا ومن الخارج. ينبغي أن يروا كيف تُربى الحيوانات وتُذبح؛ وكيف تُنقع وتُتبَّلُ؛ وكيف يُصنع الكباب ويُخبز في أفران تعمل بالحطب وعلى نيران الفحم، وكيف يُستخدم الطماطم في المطبخ المحلي.

والطماطم بالذات له أهمية مركزية. يقول آجي أوغلو: "إنه جزء من مطبخنا منذ قرن من الزمن فحسب". ولسنوات طويلة كان الطماطم يُستخدم فقط لإطعام الماشية. "حتى عرّفنا المحتلون الفرنسيون على الطماطم بعد الحرب العالمية الأولى".

وقد قاوم السكان المحليون مقاومة بطولية خلال الأعمال العدائية لدرجة أنّ مؤسّس الجمهورية، أتاتورك، منح مدينة عنتاب اللقب الفخري "غازي"، وغيّر اسمها إلى غازي عنتاب. ولكن لم يبقَ الكثير من هذه الشاعرية السابقة. يستذكر آجي أوغلو: "قديماً، كان لكل منزل بستان".

Showcasing Gaziantep's unique culinary heritage: "A taste of sun and fire" published in English and Turkish by the Gaziantep Chamber of Commerce)عرض تراث الطهي الفريد بمدينة غازي عنتاب في تركيا  - كتاب "مذاق الشمس والنار" -نشرته غرفة تجارة غازي عنتاب باللغتين الإنكليزية والتركية.
تسليط الضوء على تراث الطهي في غازي عنتاب: تشتهر المنطقة الواقعة في جنوب شرق تركيا بنوعية العنب والسفرجل الخاص بها، وبخضارها وتوابلها، مثل الفلفل الأحمر الحار. أما المنتجات المحلية الأخرى العالية الجودة (طحين وفستق وحليب الجاموس) فتساهم في صناعة البقلاوة، أشهر الحلويات التركية على الإطلاق.

كانت جودة السفرجل والعنب المحليين معروفة للغاية. وما ميّزها عن غيرها من المطابخ الإقليمية، جودة الخضار، مثل الباذنجان، والتوابل مثل الفلفل الأحمر. وفي بازار غازي عنتاب، لا تزال ألوان التوابل تشكّل وليمة للعيون، والروائح فاتنة. وأخيراً، أدّى تداخل المنتجات المحلية الممتازة (الطحين والفستق وحليب الجاموس) إلى الحصول على البقلاوة، أشهر الحلويات التركية.

تكتب اليونسكو: "في غازي عنتاب، فن الطهي مرادف أيضاً للمهرجانات، والحوار بين الثقافات والتماسك الاجتماعي". يشرح آجي أوغلو: "في الماضي، كانت المدينة عبارة عن متاهة من الأزقة المغلقة، وفي كل زقاق مُغلق تُفتح الأبواب على عشرات المنازل". إذا استقبل منزل زائراً، يجتمع الجيران في ذلك المنزل. طبخَ الأتراك والأرمن واليهود معاً، وعثرت الأمهات على زوجات لأبنائهن، واعتنى الكبار بالصغار، وقدّموا لهم النصائح والتحفيز.

أصبح هذا من التاريخ. بيد أنه يعيش في مطابخ الحساء في المدينة. تُمَدُّ طبقة جديدة على التاريخ الطويل للمدينة في هذه الزاوية المباركة من بلاد ما بين النهرين، المأهولة منذ آلاف السنين بالحثيين والعرب والأتراك. "كل حضارة كان لها أطباقها التي أورثتها". ولذلك لا يفخر آجي أوغلو فقط بكتابه للطبخ والأكاديمية التي شارك في تأسيسها. بل يفخر كذلك بشكل خاص بتنوع أطباق مدينته، الفريدة من نوعها، على الأقل في تركيا.

 

راينَر هيرمان

ترجمة: يسرى مرعي

حقوق النشر: فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ / موقع قنطرة 2022

ar.Qantara.de

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة