مجلة "دُورْت" في ألمانيا تنشر أعمالا أدبية فارسية من إيران باللغة الألمانية ("دُورْت" كلمة ألمانية تعني: هناك).

ألمانيا...نشر قصص شبابية إيرانية
أدب فارسي شبابي معاصر مترجم للألمانية

ندرة ترجمة قصص شباب إيران إلى الألمانية دفعت الناشر والمترجم أَرَش البُرْز لتغيير هذا بمجلته الأدبية "دُورْت" (كلمة ألمانية تعني: هناك). وقد جاء أول عددين منها واعدين. غيريت فوستمان قرأهما لموقع قنطرة.

"والدي يرمي نفسه كلَّ يوم من نافذة غرفة الجلوس في شقتنا. يطير بصمت وبسرعة خارجًا إلى الأسفل على طول الستة طوابق السفلية ويسقط على الرصيف". هكذا تبدأ قصة "المعمودية" للمؤلف والصحفي المقيم في طهران مسعود رياحي، الذي افتتحت قصته القصيرة هذه العدد الثاني من مجلة "دُورْت" (هناك) الأدبية الجديدة، التي تصدر بالألمانية. وهذا النص مأخوذ من أوَّل عمل نثري لمسعود رياحي صدر في عام 2022.

يتحطم والد الراوي على الرصيف ويجتذب المتفرجين، الذين يرمون له عملات معدنية، وبمجرَّد حلول المساء يجمع هو وابنه هذه الصدقات ويعودان إلى شقتهما - سعيدين عندما يكون يومهما جيِّدًا: إلى أن بدأت الشرطة ذات يوم بإزعاجهما، بسبب عدم الارتياح من هذا المشهد التمثيلي الانتحاري. ولهذا السبب يجب على الأب وابنه التفكير في حلّ ليستطيعا الاستمرار في إطعام الأسرة.

مجلة "دُورْت" في ألمانيا تنشر أعمالا أدبية فارسية من إيران باللغة الألمانية ("دُورْت" كلمة ألمانية تعني: هناك). Cover des Magazins dort für persische Gegenwartsliteratur; Quelle: Verlag
" مجلة ’دورت‘ هي دورية للأدب الفارسي المعاصر باللغة الألمانية. وهي منصة للمؤلفات والمؤلفين الناطقين بالفارسية يمكنهم فيها تقديم أعمالهم الأدبية خارج الحدود اللغوية والسياسية"، مثلما يكتب المترجم المقيم في مدينة كولونيا الألمانية أَرَش البُرْز على الموقع الإلكتروني الخاص بهذه المجلة الأدبية: "مجلة دورية لمحبِّي الأدب الناطقين بالألمانية، الذين كثيرًا ما يرغبون في قراءة قصص لمؤلفين ناطقين بالفارسية. وتصدر ثلاث مرَّات في السنة ويضم كلُّ عدد منها ثلاث قصص قصيرة".

هذه قصة مروِّعة جدًا وكذلك سريالية، وقد مهَّد لها الكاتب مسعود رياحي على نحو مناسب باقتباس من فرانتس كافكا. وهي تحدِّد الموضوع الرئيسي، وهو: القفز (من الشرفة ومن السلم)، الذي يشكِّل أيضًا في قصص المؤلفتين نيلوفر نيدايي وساناز أسدي عنصرًا أساسيًا يمكن تفسيره في جميع النصوص الثلاثة بأشكال مختلفة: مجازيًا أو ساخرًا أو حرفيًا أو كلَّ هذا في الوقت نفسه. وهذا الغموض الرمزي الموجود كثيرًا في الأعمال النثرية الإيرانية الشابة هو ما تقدِّمه مجلة "دُورْت" للمرة الأولى هنا في ألمانيا بأعمال جميعها أوَّلاً ترجمات.

ندرة الأعمال الأدبية الفارسية باللغة الألمانية

كانت فكرة إنشاء هذه المجلة موجودة بالفعل قبل عشر سنين لدى المبادر والناشر والمترجم المقيم في مدينة كولونيا الألمانية، أَرَش البُرز. وحول ذلك يقول: "لا يوجد ببساطة سوى القليل جدًا من الأدب الفارسي باللغة الألمانية". ويضيف أنَّه أراد تغيير ذلك. وفي خضم جائحة كورونا، وجَّه دعوة على موقع إنستغرام لإرسال نصوص إليه - من دون القيود المعتادة: فقد أراد الحصول على مساهمات من مؤلفات ومؤلفين معروفين وكذلك من مؤلفات ومؤلفين غير معروفين وربَّما لم ينشروا أي شيء بعد.

وقد عمل ذلك على توسيع النطاق وفتح إمكانية العثور أيضًا على أعمال أدبية جيِّدة ما تزال غير معروفة. فالأمر ليس سهلًا دائمًا بالنسبة للجيل الناشئ بالذات في إيران. ويقول أرش البرز إنَّ "أصدقاء في إيران يعملون في دور نشر وصحف" ساعدوا في ذلك.

وتلقى على الفور هو وفريقه الصغير نحو خمسين نصًا، "جاء معظمها، أي نحو تسعين في المائة، من قِبَل نساء - وقد تفاجأتُ أنا نفسي من ذلك"، مثلما يقول أرش البرز. ويُلاحظ أيضًا أنَّ: تقريبًا جميع المساهمات المنشورة في أوَّل عددين من مجلة "دُورْت" لها عناصر سريالية قوية، ويمكن تصنيفها بسهولة ضمن الخيال الغريب، وهو نوع أدبي مزدهر اليوم بشكل خاص في الولايات المتَّحدة الأمريكية يذكِّرنا بمؤلفين مثل الحائز على "جائزة أو. هنري" الكاتب بريان إيفنسون أو الكاتب ستيف راسنيك تيم.

ومن الغريب  في ألمانيا تحرُّك الأدب الخيالي الغريب في محرابه، رغم وجود [أعمال] فرانتس كافكا [الأدبية التي كتبها بالألمانية]. وقد استفسر حول ذلك أرش البرز واكتشف أنَّ هذا اتجاه عام يسود حاليًا بين المؤلفين الشباب في إيران، ولنفكِّر مثلًا في رواية الكاتب الإيراني صادق هدايت الرائدة "البومة العمياء"، المنشورة سنة 1936، والتي لا يزال لها تأثير كبير حتى يومنا هذا - مثل كافكا وريلكه، وبالمناسبة كلاهما يتمتَّعان بشعبية كبيرة داخل المشهد الأدبي بين طهران وأصفهان وشيراز.

يكتب آرش البرز في مقدمة العدد الثاني: "يُقال إنَّ الأدب الفارسي أتقن المعنى المجازي والساخر والمزدوج أو المتعدِّد، وقد فعل ذلك منذ قرون من الزمن. فحتى في أبيات شعر عمر الخيام أو حافظ الشيرازي، يواجه المرء باستمرار ألغازًا وأسرارًا. وسبب ذلك هو قرونٌ من القمع السياسي والاجتماعي". وهذا واضح أيضًا في القصص المعروضة لدينا في هذه المجلة.

محاكاة ساخرة بارعة

ومع ذلك فهذه القصص ليست حصرية خاصة بجمهور معيَّن على الإطلاق. ومن الممكن للجميع قراءتها بسهولة حتى من دون وجود أية صلة بإيران أو بالأدب الفارسي. مثلما هي الحال في قصة زهرا گودرزى "الأنبياء لا يصنعون معجزات في الظلام": والراوي فيها هو تلميذ في المرحلة الابتدائية، غاضب بسبب عدم السماح له بأداء الدور الرئيسي في العرض المسرحي المدرسي، وهو دور يحظى بأكبر قدر من الاهتمام - دور النبي. وبدلاً من ذلك، يؤدِّي دور الله من خلف المسرح.

لا يراه الجمهور، بل يسمعون صوته فقط. وهذا وحده سيكون كافيًا لتحويل القصة إلى محاكاة ساخرة جريئة وبارعة للتديُّن وقواعده الدنيوية للغاية، ولكن هذه طبعًا مجرَّد البداية. يسمح مدير المدرسة البدين لجد الراوي بالزواج من زوجته الثانية، وهذا لا يجد أي ترحيب لدى عائلة الزوجة الأولى، وعلاوة على ذلك فهو يريد ذبح ديك الصبي المفضل، الذي يحمل اسم "أحيانًا".

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة