ألمانيا ومآسي الأرمن إبان انهيار الامبراطورية العثمانية

دور ألمانيا القيصرية في فظائع الأرمن

يصادف تاريخ 24 / 04 / 2015 الذكرى المئوية الأولى لأعمال القتل المرتكبة في حق الأرمن. ويتم على مستوى عالمي إحياء هذه الذكرى. وفي ألمانيا أيضا أقيمت مراسم تأبين للضحايا. لكن النقاد مع ذلك يعتقدون أن على الألمان النظر بشكل أعمق إلى دور ألمانيا القيصرية كحليفة للدولة العثمانية بقيادة تركيا الفتاة العلمانية وإلى أعمال "القتل الجماعي" تلك التي تأخرت معالجتها تاريخيا. الصحفية الألمانية التركية جيداء نورتش تسلط الضوء على ذلك لموقع قنطرة.

يعتبر يوم الرابع والعشرين من شهر نيسان/أبريل 1915 - ذلك اليوم الذي تم فيه ترحيل جميع المثقفين ورجال الدين الأرمن من إسطنبول باتجاه الصحراء السورية - بداية الفظائع التي بدأ ارتكابها بحقِّ الأهالي الأرمن في الدولة العثمانية تحت قيادة حكومة تركيا الفتاة (العلمانية). وبحسب التقديرات (ووفق ما يقوله الأرمن) فمن المفترض أنَّ نحو مليون ونصف المليون شخص قد قُتلوا في أثناء "مسيرات الموت" هذه.

وفي حين أنَّ الحكومة التركية لا تزال ترفض مثل ذي قبل مصطلح "الإبادة الجماعية" رفضًا تامًا ولا تنظر إلى عمليات التشريد على أنَّها أعمال قد تم التخطيط لها وإنجازها بشكل ممنهج، بل تعتبرها أضرارًا جانبية حدثت في خضم فوضى الحرب العالمية الأولى، اعترفت رسميًا حتى الآن بأعمال القتل هذه أكثر من عشرين دولة - من بينها فرنسا وإيطاليا وبولندا وروسيا. وعلاوة على ذلك فإنَّ إنكار أعمال القتل هذه يُعَدُّ في دول من ضمنها سويسرا واليونان عملاً يقع تحت طائلة المساءلة القانونية والعقاب.

وفي المقابل تبدي الحكومة الألمانية حتى الآن تحفظات دبلوماسية في هذا الموضوع. إذ إنَّها تُحجم عن استخدام مصطلح "القتل الجماعي" أو "الإبادة الجماعية" وتتحدَّث بدلاً عن ذلك حول "تشريد ومذبحة". وفي قرار يتعلق بهذا الشأن من عام 2005 لا يدور الحديث إلاَّ حول "الدور غير المشرِّف للرايخ الألماني".

انتقاد ألمانيا على سلبيتها المفرطة

في أثناء زيارته لأرمينيا في شهر تشرين الأوَّل/أكتوبر 2014 قال وزير الخارجية الألماني السابق فرانك فالتر شتاينماير إنَّه يتعيَّن على المرء أن يدع للمؤرِّخين تقييم الأحداث التي وقعت في عامي 1916/1915. وعلاوة على ذلك أضاف شتاينماير أنَّ هذا الأمر يعتبر قبل كلِّ شيء مسألة بين البلدين المعنيين.

 Der türkischstämmige Grünen-Vorsitzende Cem Özdemir und die ebenfalls türkischstämmige Grünen-Abgeordnete Ekin Deligöz stehen am 12.03.2015 in der Völkermord-Gedenkstätte Tsitsernakaberd in Eriwan (Armenien); Foto: Thomas Körbel/dpa
دعا زعيم حزب الخضر الألماني، جيم أوزدمير - ذو الأصول التركية - الحكومة الألمانية الاتِّحادية إلى الاعتراف بالمذابح التي تم اقترافها بحقِّ الأرمن وغيرهم من السريان واليونانيين مع انهيار الدولة العثمانية إبان الحرب العالمية الأولى قبل مائة عام على أنَّها قتل جماعي. وفي أثناء زيارته الأخيرة إلى جمهورية أرمينيا جنوب القوقاز قال أوزدمير: "في الذكرى المئوية الأولى للقتل الجماعي حان الوقت لكي نكف عن إخفاء المصطلح الصحيح".

والآن مع اقتراب الذكرى المئوية الأولى للإبادة الأرمنية المعروفة عند الأرمن باسم Aghet  "كارثة" تزداد الانتقادات لهذا الموقف السلبي الذي تتَّخذه الحكومة الألمانية الاتِّحادية. وفي حين أنَّ الرئيس الأرميني سيرج سركسيان قد دعا إلى ضرورة مناقشة ألمانيا هذا الموضوع، فقد ظهرت هنا في ألمانيا انتقادات متزايدة.

وفي هذا الصدد يدعو سياسيو المعارضة والمؤرِّخون إلى ضرورة اهتمام جمهورية ألمانيا الاتِّحادية بالسؤال عن مدى مشاركة ألمانيا القيصرية، التي كانت في تلك الحقبة حليفًا رئيسيًا للدولة العثمانية، في هذه الجريمة - أو على الأقل مدى تحمُّلها جزءًا من المسؤولية.

جاءت أحدث الانتقادات من زعيم حزب الخضر جيم أوزدمير. وفي أثناء زيارته إلى العاصمة الأرمينية يريفان في شهر آذار/مارس 2015، والتي زار خلالها أيضًا النصب التذكاري الخاص بالقتل الجماعي، أعرب عن أسفه لأنَّ الحكومة الألمانية لا تزال تستخدم لهجة غير مناسبة من خلال تعمُّدها تجنُّب استخدام كلمة "الإبادة الجماعية". وقد دعا الحكومة الألمانية الاتِّحادية إلى مناقشة المشاركة الألمانية في هذه الجرائم التاريخية والاعتراف بمشاركتها فيها وإلى القيام بدور الوسيط بين تركيا وأرمينيا.

مسؤولية الحليف السابق

وكذلك جاءت الانتقادات من حزب اليسار الألماني. وهكذا فقد أعلنت النائبة أولّا يلبكه في عام 2007 أنَّ ألمانيا تتملَّص من تحمُّل مسؤوليتها الخاصة. وقالت إنَّ الرايخ الألماني - كحليف للدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى - قد علم بهذه المذابح وشارك فيها مشاركة جزئية.

حاول الصحفي يورغين غوتشليش الذي يعمل منذ فترة طويلة في إسطنبول مراسلاً في تركيا لصحيفة تاغيس تسايتونغ الألمانية تقديم مساهمة علمية حول هذا الموضوع. وفي شهر شباط/فبراير 2015 صدر كتابه "معونة للإبادة الجماعية - دور ألمانيا في إبادة الأرمن". ويورغين غوتشليش، الذي اعتمد في المقام الأوَّل على مراجع ووثائق أرشيفية باللغة الألمانية، يلقي في هذا الكتاب الضوء على هذا الفصل غير المعروف حتى الآن من تاريخ الدبلوماسية الألمانية.

Papst hält Messe zum 100. Jahrestag des Massenmords an Armeniern; Foto: Solaro/AFP/Getty Images
صرخات الغضب بعد القدَّاس البابوي - إنَّ ما ندَّد به مؤخرًا البابا فرانسيس واعتبره "أوَّل إبادة جماعية في القرن العشرين"، لا تريد تركيا - التي تُعتبر الخليفة الشرعي للدولة العثمانية - وصفه على أنَّه قتل جماعي. يتحجَّج الكثيرون من السياسيين والعسكريين الأتراك، الذين لا يريدون تحمُّل أية مسؤولية تاريخية، بأنَّ أعداد ضحايا الأرمن مبالغ فيها.

"يبدو أنَّ هذا الفصل من التاريخ الألماني معروف فقط للقليلين من الألمان"، مثلما قال المؤلف والصحفي يورغين غوتشليش أثناء عرض كتابه في برلين: "بالنسبة للكثيرين تبدأ العلاقات الألمانية التركية مع العمال المهاجرين، الذين وفدوا إلى ألمانيا في فترة الستينيات. أمَّا أنَّ ألمانيا القيصرية كانت في تلك الحقبة تخلط بين الأمور السياسية والعسكرية، وقد قدَّمت بالتالي المعونة من أجل القتل الجماعي، فلا أحد تقريبًا يعرف ذلك".

لقد تم - بحسب تعبير يورغين غوتشليش - الانتهاء من جهود التغلب على مشكلات الماضي في ألمانيا مع مشكلة الهولوكوست. وبالنسبة له: من المؤكَّد أنَّ ألمانيا القيصرية كانت قد وقفت إلى جانب الدولة العثمانية، لكي تضمن لنفسها "غزو أسواق جديدة وبالتالي تحقيق السعادة والنجاح في الحياة". ويضيف يورغين غوتشليش أنَّ ألمانيا القيصرية كانت قد أدركت بسرعة أنَّ الأمر لم يكن يتعلق فقط بالترحيل، بل بالإبادة.

تجنُّب الألمان مخاصمة حكومة إردوغان

"منذ عشرة أعوام لا تتم على الجانب الألماني معالجة أي شيء"، بحسب يورغين غوتشليش. وفي الفعاليات التذكارية، التي ستسافر من أجل حضورها وفود دولية إلى العاصمة الأرمينية يريفان، لن تكون ألمانيا حاضرة. وبدلاً عن ذلك تقام في كاتدرائية برلين مراسم تأبين تذكارية وصلاة جنائزية للأرمن والسريان واليونانيين البونتيك - الذين قُتلوا في الحرب العالمية الأولى، يشارك فيها الرئيس الألماني يوآخيم غاوك. وهذا يثبت جبن ألمانيا، مثلما يقول يورغين غوتشليش: يجب على ألمانيا أن "تعترف بوجود مشاركة ألمانية في هذه الجريمة" ولكن الألمان "لا يريدون مخاصمة حكومة إردوغان".

.

Jürgen Gottschlichs Buch "Beihilfe zum Völkermord. Deutschlands Rolle bei der Vernichtung der Armenier" im Christoph Links Verlag
ظلال الماضي - في شهر شباط/فبراير 2015 صدر كتاب الصحفي يورغين غوتشليش الذي يعمل في إسطنبول مراسلاً لصحيفة تاغيس تسايتونغ الألمانية. وفي هذا الكتاب يلقي غوتشليش الضوء على الفصل غير المعروف حتى الآن من تاريخ الدبلوماسية الألمانية.

ولكن مع ذلك فإنَّ نقاش ألمانيا لهذا الموضوع سوف يتم تلقيه في تركيا بشكل أفضل بكثير مما كانت من الممكن أن تكون عليه الحال قبل عشرة أعوام. فعلى الرغم من أنَّ الملاحقة القانونية لا تزال تشكِّل تهديدًا في تركيا بموجب المادة رقم ثلاثمائة وواحد (إهانة القومية التركية)، بيد أنَّ القيود المفروضة في تركيا على التأريخ الرسمي باتت تخف بصورة تدريجية. لقد بدأت الكتابة حول هذا الموضوع في عام 2004 المحامية فتحية تشيتين بكتابها "الجدة". وهذا الكتاب هو قصة عائلية مكتوبة بشكل سيرة ذاتية ومثالية حول أسرة أخفت عن أطفالها أنَّ أصولها ومعتقداتها أرمنية.

ومنذ ذلك الحين تصدر مرارًا وتكرارًا روايات تعالج معالجة أدبية هذا الفصل التاريخي التركي المدوَّن بشكل يتناسب مع التأريخ الرسمي التركي. ما من شكّ في أنَّ الدفعة الأكبر قد تخللت المجتمع التركي مع اغتيال الصحفي الأرمني هرانت دينك في أحد شوارع إسطنبول في عام 2007. وبما أنَّه لم يتم حتى الآن كشف النقاب عن اغتيال هرانت دينك، فإنَّ هذا يثير حالة استياء كبيرة لدى شرائح كثيرة من المجتمع التركي.

تقارب من دون اعتراف

وعلى المستوى السياسي خفَّت حدة الوضع شيئًا ما من خلال حزب العدالة والتنمية، الذي تراجع بشكل ملحوظ أيضًا في هذه المسألة عن موقف الحكومات التركية السابقة، وذلك من خلال إعلانه عن انفتاح سياسي حذر. ففي عام 2009 قام ضمن إطار "دبلوماسية كرة القدم" - بمناسبة مباراة تأهيلية ودية جرت بين منتخبي تركيا وأرمينيا لتصفيات بطولة كأس العالم في مدينة بورصة التركية - كلٌّ من وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو ونظيره الأرمني إدوارد نالبانديان بتوقيع بروتوكولين للاعتراف المتبادل وفتح الحدود وإقامة علاقات دبلوماسية وبناء طرق للنقل.

ولكن مع ذلك فإنَّ الحكومة التركية لا تزال مثل ذي قبل بعيدة كلَّ البعد عن الاعتراف بالإبادة الجماعية. اتَّضح ذلك من خلال عبارات إردوغان في منتصف شهر آذار/مارس 2015. حيث قال "يُحزنه" أنَّ البابا فرانسيس قد وصف الأحداث على أنَّها "أوَّل إبادة جماعية في القرن العشرين"، على حدّ قول الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الذي كرَّر كلام سلفه عبد الله غل حينما قال إنَّ الأرشيفات مفتوحة للجميع ويتعيَّن على المؤرِّخين أن يهتموا بهذه القضية.

إنَّ من شأن مناقشة دور ألمانيا القيصرية والاعتراف بمشاركتها في تلك الأعمال - مثلما يدعو إلى ذلك وإلى أمور أخرى الصحفي الألماني يورغين غوتشليش - أن يحول بوضوح دون تهرُّب تركيا من معالجة تاريخها.

ولكن في الواقع طالما أنَّ المصلحة المتبادلة تعتبر كبيرة بما فيه الكفاية من أجل تجاهل هذا الموضوع، فإنَّ ذلك لن يحدث. وعلى الأرجح أيضًا أنَّ مناشدات الطائفة الأرمنية والمجلس المركزي للأرمن في ألمانيا لن تُغيِّر أي شيء. وهكذا يقتصر الأمر في الوقت الراهن ضمن الاحتفال بالذكرى المئوية الأولى لهذه الإبادة الجماعية على إقامة مراسم تأبين وصلاة جنائزية مشتركة.

 

جيداء نورتش

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2015  ar.qantara.de

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : دور ألمانيا القيصرية في فظائع الأرمن

اتمنى للشباب الالماني ان يبدا ربيعا مشابها للربيع العربي لايقاف النزيف الالماني المستمر منذ خسارة المانيا الهتلرية للحرب : لا يجوز الصاق اي جريمة حدثت في التاريخ الانساني بالمانيا وايجاد مبررات وقصص خرافية لاجبار الشعب الالماني على دفع المزيد من التعويضات فبعد تعويضات المانيا جول جرائم النازية الان بدات موجة لاجبار المانيا على دفع تعويضات جديدة الى ارمينيا , اولا ليس هناك تحقيقا عالميا الى الان بمجازر الارمن ومن المسؤول عنها وكل العالم يخاف من فتح الارشيف العثماني حتى لا ينكشف دور بعض الدول الاوروبية في قضية الارمن وحتى لا يتم تبراة الدولة العثمانية وكل يوم اي صديق للدولة العثمانية سيتم اتهامه بالقتل في حين ان الدولة الاوروبية المعنية بقضية الارمن بعيدة عن الانظار . اتمنى ان تتوقف حملة اتهام المانيا باي دور في قضية الارمن وان تتوقف حملات اجبار الشعب الالماني على دفع تعويضات الى الاخرين وهدر مواردها وفي نفس الوقت زرع عقدة الذنب لدى الشعب الالماني وعمليات زرع عقدة الذنب تلك مبرمجة ومسؤول عنها اطراف مختلفة مازال بعضها يشغل مناصب مهمة في الحكومات الالمانية المتعاقبة . وارجو من نشرتكم ان تتحلى بالصبر قبل نشر اي موضوع حساس حتى لا تفقدوا مصداقيتكم وانا من اشد المتحمسين والمؤيدن لخطكم وسياستكم في نشر الحقيقة . بارك الله بكم ولكم ومنكم . عمر على

عمر علي28.04.2015 | 07:49 Uhr