إمام أوغلو من رئاسة البلدية إلى رئاسة تركيا؟

انتخابات اسطنبول - هل يصبح "ابن الإمام" رجل تركيا القوي بدل إردوغان؟

يخشى حزب إردوغان من وصول رجل يتمتع بالجاذبية -مثل السياسي التركي المعارض أكرم إمام أوغلو- إلى رئاسة بلدية اسطنبول وإلى المسرح اللامع لهذه الحاضرة التركية المليونية. فقد يصبح في عام 2023 منافسا على الرئاسة لإردوغان بصورة خطيرة. ولكن مَنْ هي هذه الشخصية؟ ولماذا تُعتبر هذه المسألة بالنسبة لتركيا قضية مصيرية؟ التفاصيل من ماريان بريمر لموقع قنطرة.

ترتفع على أنغام موسيقى البوب ​​التركية من مكبِّرات الصوت المتحرِّكة عبارة: "كل شيء سيصبح جيِّدًا". تَعْبُر السيارة بمكبِّرات الصوت ثم يتلاشى من جديد صوت الأغنية الإيقاعية بسرعة مثلما ارتفع. لا يزال بوسعنا أن نسمع بالذات مقطعًا يتكرَّر فيه اسم "إمام أوغلو" (الذي يعني حرفيًا "ابن الإمام")، وهو المرشَّح لمنصب رئيس بلدية اسطنبول عن حزب المعارضة التركي، حزب الشعب الجمهوري (CHP).

ضجيج الخلفية هذا كان شائعًا في رمضان هذا العام 2019، حيث اعتاد أهالي اسطنبول على أصوات مرتفعة باستمرار تصدح بأغاني الحملة الانتخابية. تحاول المعسكرات السياسية في كلِّ انتخابات، مثلما فعلت آخر مرة في الانتخابات الرئاسية عام 2018، أن تتفوَّق على بعضها بالأغاني الأكثر جاذبية. وقد كان المسيطر دائمًا في هذه المحاولات حزبُ العدالة والتنمية الحاكم، بنشيد إردوغان المأخوذ من أغنية حربية من آسيا الوسطى. ولكن في الأشهر الأخيرة، كانت تُسمع في اسطنبول فقط الموسيقى الراقصة الخاصة بأكرم إمام أوغلو عضو حزب الشعب الجمهوري.

لو كانت الأمور قد سارت مثلما يشتهي حزب الشعب الجمهوري، لما كان لصوت هذه الأغنية أن يرتفع من جديد. فما الذي حدث؟ في الحادي والثلاثين من شهر آذار/مارس (2019) شهدت تركيا انتخابات بلدية. في العديد من المحافظات التركية، وخاصة في منطقة وسط وشرق الأناضول، خرج مرشَّحو الحزب الحاكم منتصرين. بينما خرج في المناطق الساحلية - مثلما كان متوقَّعًا - حزبُ الشعب الجمهوري منتصرًا. ولأوَّل مرة ظهرت في ليلة الانتخابات وبعد أكثر من خمسة وعشرين عامًا أيضًا المدن الثلاث الأكبر في تركيا، أي إزمير وأنقرة واسطنبول في يدّ المعارضة التركية تقريبًا.

تغيير سياسي؟

وقد أعلن البعض بعد إعلان النتائج الأوَّلية للانتخابات عن تغيير سياسي - غير أنَّ الكثيرين يرون في نتائج الاقتراع في المدن الكبرى الثلاث تحديدًا لمصير تركيا. وعلى الرغم من الطعن السريع في النتائج من قِبَل حزب العدالة والتنمية، فقد تم الإعلان رسميًا في منتصف شهر نيسان/أبريل (2019) عن فوز أكرم إمام أوغلو في انتخابات بلدية اسطنبول. وتم تقييم انتصار المرشَّح المعارض والإعلان عنه من قِبَل اللجنة الانتخابية على الرغم من المقاومة الشديدة من جانب الحكَّام الحاليين كدليل على أنَّ وضع الديمقراطية التركية قد لا يكون سيئًا إلى هذا الحدّ.

ولكن كان من الواضح أيضًا أنَّ انتصاره في الانتخابات كان بفارق ضئيل للغاية: فقد تفوَّق إمام أوغلو بحسب الأرقام الرسمية فقط بـ1329 صوتًا، وهذا فارق يكاد لا يُذْكَر في مدينة يبلغ عدد سكَّانها نحو خمسة عشر مليون نسمة. ومن جانبهما واصل إردوغان وبن علي يلدريم، رئيس وزراء تركيا السابق والمرشَّح لمنصب عمدة اسطنبول عن حزب العدالة والتنمية، الطعن في نتائج الانتخابات. وافترض المعنيون داخل حزبهما حدوث مخالفات - وانخفضت بالفعل مرة أخرى وبشكل ملحوظ بعد إعادة فرز الأصوات في بعض من أحياء اسطنبول نسبةُ الأصوات التي حصل عليها حزب الشعب الجمهوري.

 

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان.  Foto: picture-alliance/AP
"مبالغة غير لائقة": حتى الكثيرون من مؤيِّدي حزب العدالة والتنمية ذوي الاقتناع الراسخ بالحزب باتوا يشعرون بعد خسارات الحزب الحاكم بخيبة أمل فيما يخص النزاهة والعدالة. في الواقع قد يكون إردوغان راهن على موعد الانتخابات الجديدة: لكن استطلاعات الرأي تتنبأ حاليًا [قبل أيام من انتخابات الإعادة لبلدية اسطنبول 2019] لأكرم إمام أوغلو بفارق أكبر بكثير من نتيجة انتخابات الحادي والثلاثين من آذار/مارس 2019 المثيرة للجدل. كان انتصار أكرم إمام أوغلو برئاسة بلدية اسطنبول في انتخابات 31 / 03 / 2019 بفارق ضئيل للغاية: فقد تفوَّق إمام أوغلو بحسب الأرقام الرسمية فقط بـ1329 صوتًا، وهذا فارق يكاد لا يُذْكَر في مدينة يبلغ عدد سكَّانها أكثر من 15 مليون نسمة. وبعد 17 يوما فقط من توليه منصب رئيس بلدية اسطنبول، بات سياسي حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض -أكرم إمام أوغلو- يأمل في أن يستعيد لقبه كعمدة لمدينة اسطنبول.

 

{اسطنبول نسخة مصغرة لتركيا: يرى الكثيرون في نتائج اقتراع المدن التركية الكبرى الثلاث إزمير وأنقرة واسطنبول تحديدا لمصير تركيا.}
 

لقد أظهرت مرة أخرى بشكل رمزي التوتُّرات حول نتائج انتخابات اسطنبول مدى انقسام تركيا حاليًا إلى معسكرين قوَّتهما متساوية تقريبًا. كثيرًا ما ينظر إلى الحاضرة التركية، التي يعيش فيها ملايين من المهاجرين القادمين من جميع مناطق البلاد، على أنَّها نسخة مصغَّرة لتركيا. وهذا سبب آخر لخوف حزب العدالة والتنمية من أكرم إمام أوغلو: إذ يخشى حزب إردوغان من أن يصل من خلال أكرم إمام أوغلو رجلٌ يتمتَّع بالجاذبية إلى مسرح اسطنبول اللامع، يمكنه أن يصبح في عام 2023 مرشَّحًا منافسًا خطيرًا لإردوغان. من الممكن هنا أن يُعيد التاريخ نفسه، ولكن هذه المرة لصالح المعسكر المضاد بالذات. وذلك لأنَّ إردوغان كان قد صنع لنفسه اسمًا في السابق كرئيس لبلدية اسطنبول قبل أن يصبح أقوى رجل في تركيا.

وبالإضافة إلى ذلك فإنَّ إردوغان يرى أنَّ مشاريع بنائه المفضَّلة في اسطنبول معرَّضة لخطر احتمال إلغائها في حال فوز المعارضة في الانتخابات. بعد جسر البوسفور الثالث والمطار الضخم على البحر الأسود - وهما مشروعان مثيران كثيرًا للجدل - ينبغي أن يتم قريبًا - إذا سارت الأمور بحسب مخططات حزب العدالة والتنمية - إنشاء قناة شحن بطول خمسين كيلومترًا يطلق عليها في اللهجة الشعبية اسم "مضيق البوسفور الثاني". يواجه منذ أعوام مشروعُ حزب العدالة والتنمية هذا، الذي من المفترض بحسب قول إردوغان أن يخلق آلاف الوظائف الجديدة، انتقادات شديدة خاصةً من قِبَل دعاة حماية البيئة والمختصين في تخطيط المدن.

فقدان الضمير الاجتماعي

في نهاية المطاف تم إلغاء فوز أكرم إمام أوغلو في الانتخابات من قِبَل اللجنة الانتخابية بعد سبعة عشر يومًا فقط من وجوده في منصبه. وقد أدَّى هذه القرار إلى حالة غضب خاصةً بين الشباب في اسطنبول، الذين خابت آمالهم في حدوث تغيير. وبينما انهالت الانتقادات الدولية كالمطر وطالب الاتِّحاد الأوروبي بتفسير، عبَّر رئيس الوزراء السابق العضو في حزب العدالة والتنمية وأحد المقرَّبين من إردوغان، أحمد داود أوغلو، عن انتقاده على موقع تويتر بقوله: "أكبر خسارة يمكن أن تمنى بها حركة سياسية ليست خسارتها الانتخابات، بل هي فقدان التفوُّق الأخلاقي والضمير الاجتماعي".

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.