احتجاجات في السودان مطالبة برحيل الألماني فولكر بيرتيس مدير بعثة الأمم المتحدة في السودان.

اتفاق كبح أزمة ما بعد الانقلاب بالسودان
طريق السودان الشاق إلى الديمقراطية

تغييرات قد تُرى سياسية لكن هل تشمل كل طيف الشعب ويمثل قادتها معظم السودانيين أَم تعزز حكم العسكر؟ وكيف يرى المبعوث الأممي للسودان الألماني فولكر بيرتس مطلب محتجين برحيله؟ استعلام كاثرين شير.

وقع الجيش السوداني والقادة المدنيون يوم الإثنين 05 / 12 / 2022 اتفاقاً يمهد الطريق لتشكيل حكومة مدنية وانهاء أزمة سياسية مصحوبة بأخري اقتصادية تعصفان بالبلاد منذ انقلاب قائد الجيش عبد الفتاح البرهان على السلطات الانتقالية التي شكلت عقب إطاحة البشير عام 2019. ولكن ناشطين متشككين في نوايا العسكريين تظاهروا على الفور احتجاجا على الاتفاق الذي وقعه البرهان وقائد قوات الدعم السريع شبه العسكرية محمد حمدان دقلو والعديد من القادة المدنيين وخصوصا من قوى الحرية والتغيير وهي الفصيل المدني الرئيسي الذي استُبعد منذ استئثار الجيش بالسلطة إثر انقلاب الخامس والعشرين من تشرين الأول/اكتوبر 2021.

ورحّبت الأمم المتحدة ودول عدة بالاتفاق وقال ممثل الأمم المتحدة في السودان فولكر بيرذيس إن توقيع الاتفاق هو "نتاج جهود متواصلة قامت بها الأطراف السودانية على مدى العام المنقضي لإيجاد حل للأزمة السياسية والعودة الى النظام الدستوري". وأكد دقلو مجددا الإثنين التزام الجيش بالانسحاب من الحياة السياسية معتبرا ان هذا "ضروري لبناء نظام ديمقراطي". ورحبت الولايات المتحدة والنرويج والمملكة المتحدة والإمارات والسعودية بتوقيع الاتفاق واعتبرت في بيان مشترك أصدرته وزارة الخارجية الأميركية "إنها خطوة أولى أساسية نحو تشكيل حكومة بقيادة مدنيين وتحديد ترتيبات دستورية لتوجيه السودان خلال فترة انتقالية تفضي إلى انتخابات". من جانبها، رحّبت فرنسا بـ"تقدم كبير" ودعت إلى "تشكيل حكومة مدنية في أسرع وقت ممكن".

ودعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش "كل الأطراف السودانية الى العمل بدون تأخير على المرحلة المقبلة من العملية الانتقالية للاستجابة للمشاكل المتبقية بهدف التوصل إلى اتفاق دائم وجامع سياسيا". ومنذ الانقلاب، تشهد البلاد تظاهرات واحتجاجات شبه أسبوعية تعرضت بانتظام لقمع قوات الأمن ما أسفر عن سقوط 212 قتيلا على الأقل، فيما تزايدت وتيرة العنف القبلي في مناطق عدة. وفي موازاة الاضطرابات السياسية والأمنية، تعمقت الأزمة الاقتصادية في السودان، أحد أفقر بلدان العالم، بعد أن علقت الدول الغربية المساعدات المالية التي تدفقت على هذا البلد عقب إطاحة البشير وتشكيل السلطات الانتقالية، واشترطت عودة الحكم المدني لاستئنافها.

يأتي الاتفاق بعد بضعة أشهر من إعلان البرهان أن الجيش سوف يبتعد عن السياسة ويترك المجال للاتفاق على حكومة مدنية. وقالت قوى الحرية والتغيير، وهي فصيل مدني رئيسي كان انقلاب البرهان أطاح به، إن الاتفاق الإطارية يمهد الطريق لتشكيل سلطة مدنية انتقالية. ولكن عشرات الناشطين الذين يرفضون "أي تفاوض وأي شراكه مع الجيش"، نزلوا الي الشوارع يوم الإثنين بعد دعوات للاحتجاج انتشرت على الإنترنت. وهتف المتظاهرون "الاتفاق خيانة" وقوي الحرية والتغيير "باعت دماءنا". وبموجب الاتفاق، سيتفق الموقعون على رئيس وزراء مدني يتولى السلطة في البلاد لمرحلة انتقالية جديدة تستمر عامين.

وأُعلن التوصل إلى الاتفاق الجمعة بعد اجتماع ضم قوى الحرية والتغيير وفصائل سياسية أخرى مع قادة عسكريين في حضور مسؤولين من الاتحاد الافريقي والأمم المتحدة ومجموعة إيغاد، إضافة إلى دبلوماسيين غربيين. والاتفاق هو الشق الأول من عملية سياسية على مرحلتين ترتكز على مسودة الدستور التي أعدتها نقابة المحامين السودانيين أخيرا، بحسب بيان قوى الحرية والتغيير. أما الشق الثاني من الاتفاق ويشمل قضايا عدة من بينها العدالة الانتقالية وإصلاح الجيش فينتظر أن يتم الانتهاء منه "في غضون أسابيع"، وفق البيان.

وطالب ممثل الأمم المتحدة القوى السودانية إلى البدء "فورا" في المحادثات حول الشق الثاني من أجل التوصل الى اتفاق شامل. ودعا الناشطون المنادون بالديمقراطية ويرفضون "اي تفاوض وأي شراكة" مع الجيش الى تظاهرات احتجاجا على الاتفاق. واعترض على الاتفاق كذلك بعض قادة حركات التمرد السابقين الذين وقعوا في 2020 اتفاقا مع الجيش ودعموه عقب انقلاب العام الماضي. وقال محمد زكريا الناطق باسم حركة العدالة والمساواة (متمردون سابقون في دارفور) إن "هذا اتفاق ثنائي وإقصائي" يستبعد أطرافا عدة.

وأضاف في تصريح لفرانس برس "إن توقيع هذا الاتفاق ستترتب عليه نتائج سيئة" و"سيؤدي إلى مزيد من التعقيد في الساحة السياسية". وانتقد الاتفاق كذلك مني مناوي أحد قادة حركات التمرد السابقة في دارفور واصفا اياه بأنه "أسوأ نموذج لسرقة الإرادة الوطنية". واعتبر المحللون الاتفاق "غامضا وفضفاضا". وقالت الباحثة السودانية خلود خير من مركز كونفلوانس إدفايزوري "من الصعب معرفة الى أي مدى سيحظى هذا الاتفاق بالشعبية". وأضافت قبل التوقيع على الاتفاق "لا أحد يعرف على وجه الدقة ماذا يتضمن هذا الاتفاق والمسكوت عنه يثير القلق"، مشيرة إلى أن الموقعين سيواجهون على الأرجح "أزمة عند مناقشة إصلاح قطاع الأمن والعدالة الانتقالية".

 

متظاهرون مؤيدون للديمقراطية في الخرطوم أكتوبر / تشرين الأول 2022 - السودان. Pro-democracy demonstrators in Khartoum, October 2022 (photo: AP Photo/picture-alliance)
عدم الثقة بالجيش: طرح مراقبون تساؤلات حيال دور الجيش السوداني في كل ما يجري. فقد خلصت دراسة نُشرت في نوفمبر / تشرين الثاني 2022 حيال دور قادة الجيش في "مرحلة ما بعد الانقلاب" قام بها باحثون من "المعهد الألماني للدراسات الدولية والإقليمية" في هامبورغ و"جامعة سنترال فلوريدا"، إلى أن قادة الجيش يعمدون إلى إحداث تغيرات جذرية تسمح بتصدر الجيش للمشهد وذلك رغم تأكيد القادة العسكريين على رغبتهم في التحول الديمقراطي. وذهبت الدراسة إلى أن "التغييرات -التي قد يراها كثيرون بأنها سياسية- تعزز من الحكم العسكري".

 

مَطالب برحيل رئيس بعثة الأمم المتحدة للسودان

وتزايدت خلال الأسابيع القليلة الماضية وتيرة المظاهرات في السودان المطالبة بوقف ما دعته "التدخلات الأجنبية" وبرحيل رئيس بعثة الأمم المتحدة للسودان "يونيتامس"، الألماني فولكر بيرتس. ورأت البعثة النور في عام 2020 بقرار مجلس الأمن 2524 بهدف مساعدة السودان في إنجاز الانتقال السياسي نحو الحكم الديمقراطي.

وفي مقابلة مع دي دبليو قال بيرتس "لا أجد من الجيد شخصنة الأمور كما هو الحال في الوقت الراهن. لكننا في الأمم المتحدة ندافع عن الحق في التجمع السلمي، ونعلم أنه بينما نسعى لإحراز تقدم في طريق تحقيق حل سياسي في السودان بالعمل مع الأحزاب والجيش والأطراف الأخرى، فإننا ندرك أننا أصبحنا جزءاً من الجدل".

وأشار بيرتيس إلى أن مقر الأمم المتحدة في الخرطوم شهد تظاهر قرابة 2500 شخص في عطلات نهاية الأسبوع القليلة الماضية، متوقعاً أن يتظاهر العدد ذاته في نهاية الأسبوع المقبل.

دوامة الاضطرابات السياسية

وفي أعقاب الإطاحة بالرئيس السوداني السابق عمر البشير عام 2019 على وقع تظاهرات حاشدة، تشكلت حكومة مدنية رآها كثيرون بأنها تمثل فرصة تاريخية لعودة الحكم المدني والديمقراطية فيما كان من المقرر إجراء انتخابات العام المقبل 2023.

بيد أنه في أكتوبر / تشرين الأول العام المنصرم 2021، جرى الإطاحة بالحكومة الانتقالية بعد أن أطاح النصف العسكري بالنصف المدني في مجلس السيادة الحاكم ليتولى على إثر ذلك زمام الأمور في السودان.

ومنذ ذلك الحين، لم يتم تعين رئيس وزراء فيما يترنح السودان تحت وطأة وضع اقتصادي صعب مع توقف الاستثمارات الدولية والمساعدات التنموية وتزايد عبء الديون. ومؤخراً توقع برنامج الغذاء العالمي أن يعاني ثلث السكان من انعدام الأمن الغذائي العام الجاري بسبب استمرار الأزمات السياسية والاقتصادية.

تزامن هذا مع تواصل الاحتجاجات في الشارع السوداني رفضاً لاستيلاء الجيش على السلطة ما أدى إلى سقوط ضحايا بين المحتجين، لكنهم تمكنوا في تحقيق هدف يتمثل في منع حدوث استيلاء عسكري كامل على السلطة.

معارضة "التدخلات الأجنبية"

ولم يقدم أنصار الجيش أو الحركات المؤيدة للديمقراطية في السودان على التظاهر ضد البعثة الأممية أو رئيسها الألماني فولكر بيرتس. وانحصر الاحتجاج ضد التواجد الأممي وبيرتس على أنصار الحركات "الإسلامية" وغالبيتهم من صفوف حزب المؤتمر الوطني المنحل والموالين السابقين لنظام البشير، الذين يرغبون بالعودة إلى حلبة السياسة.

 

 

ورغم تزايد الاختلافات السياسية منذ الإطاحة بالبشير، إلا أنه ظهرت على السطح بوادر أمل منذ منتصف العام الجاري 2022 في ظل مساعي الأطراف العسكرية والمدنية إلى التوصل إلى الاتفاق حيال قواعد من شأنها أن تعيد السودان إلى مسار الانتخابات والتحول الديمقراطي.

وفي هذا السياق، ذكرت وكالة "رويترز" للأنباء الأربعاء (16 تشرين الثاني/نوفمبر 2022) أن التحالف السياسي المدني الرئيسي في السودان المتمثل في تحالف قوى الحرية والتغيير، أعلن أنه يخطط لتوقيع اتفاق جديد مع الجيش حول العودة إلى الانتقال الديمقراطي.

وحول ذلك، قال بيرتس إنه في ضوء ذلك "نرى بعض التحسن خاصة إذا قارنا الوضع بالأمس بالوضع اليوم. ثمة شعور عام بأنه بعد عام من الجمود والتناحر بين الأطراف لإقصاء بعضها البعض، فإن هناك شيئاً ما يحدث ما يعني إمكانية التوصل إلى حل وسط".

وبالفعل رحب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بتوقيع اتفاق إطاري بين القوات السياسية العسكرية والمدنية في السودان يوم الإثنين 05 / 12 / 2022. وأعرب غوتيريش عن أمله في أن "يمهد ذلك الطريق لانتقال بقيادة مدنية" في البلاد، داعيا أصحاب المصلحة السودانيين إلى "العمل دون تأخير" في المرحلة التالية من العملية الانتقالية لمعالجة القضايا العالقة بهدف "تحقيق تسوية سياسية دائمة وشاملة"، وفقا لبيان صادر عن مكتب الأمين العام.

زكان قد تم التوقيع في وقت سابق يوم الإثنين في الخرطوم على الاتفاق الإطاري بين الشق العسكري في مجلس السيادة الحاكم في البلاد، ممثلا بقائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان، وقوى إعلان الحرية والتغيير المدنية، لإنهاء الأزمة السياسية في السودان وإعادته إلى الحكم المدني. وينص الاتفاق على انسحاب الجيش من الحياة السياسية لضمان إنشاء نظام ديمقراطي، وتحديد الفترة الانتقالية بعامين منذ لحظة تعيين رئيس وزراء بصلاحيات واسعة من قبل قوى الثورة الموقعة على الاتفاق الإطاري. كما ينص الاتفاق أيضا على إطلاق عملية شاملة لإعداد الدستور، وتنظيم عملية انتخابية شاملة بنهاية فترة انتقالية بإشراف أممي ودولي.

جمود سياسي من "نوع جديد"

من جانبها، كانت الباحثة خلود خير، المؤسسة لمركز الأبحاث Confluence Advisory ومقره الخرطوم، رأت أنه حتى في حالة التوصل إلى اتفاق سياسي بين المكونين العسكري والمدني، فإن السودان سوف ينتقل إلى جمود سياسي آخر.

وفي مقابلة مع دي دبليو، كانت المتخصصة في عملية الانتقال الديمقراطي في السودان قالت: "في البداية، كان المجتمع الدولي قلقاً للغاية بشأن المأزق بين مجموعة قوى الحرية والتغيير المؤيدة للديمقراطية والجنرالات الذين كانوا جزءا من الانقلاب. لكن الآن، يبدو أنه تم التوصل لمستوى معين من التفاهم بين قوى الحرية والتغيير والجنرالات". لكن الباحثة تستدرك بالقول إن عدة أطراف تمثل حركات التمرد السابقة وحركات المقاومة وزعماء قبائل ورجال دين انسحبوا من المناقشات، مضيفة "لقد تغير شكل الجمود السياسي".

وتتفق خلود مع المبعوث الأممي الخاص إلى السودان في القول إن هناك بعض القضايا يمكنها أن تدمر أي اتفاق سياسي قد يُجرى التوصل إليه خاصة ما يتعلق بتسمية رئيس الحكومة المقبلة ورئيس البلاد خلال المرحلة الانتقالية فضلاً عن القضايا المتعلقة بالجيش فيما أشارت خلود إلى أن الخطة الحالية تنص على أن المرحلة الانتقالية قد تستمر لعامين.

وفي هذا الصدد، قالت إن هذه الفترة قد تكون قصيرة حتى تلبي طموحات غالبية السودانيين بعد عام من الفوضى السياسية، ما قد يؤجج احتجاجات جديدة، الأمر الذي قد يسفر عن المزيد من حالة عدم الاستقرار.

عدم الثقة بالجيش

وفي ظل هذه المعطيات، طرح مراقبون تساؤلات حيال دور الجيش في كل ما يجري.

وفي هذا السياق، خلصت دراسة نُشرت في نوفمبر / تشرين الثاني 2022 حيال دور قادة الجيش في "مرحلة ما بعد الانقلاب" قام بها باحثون من "المعهد الألماني للدراسات الدولية والإقليمية" في هامبورغ و"جامعة سنترال فلوريدا"، إلى أن قادة الجيش يعمدون إلى إحداث تغيرات جذرية تسمح بتصدر الجيش للمشهد وذلك رغم تأكيد القادة العسكريين على رغبتهم في التحول الديمقراطي. وذهبت الدراسة إلى أن "التغييرات -التي قد يراها كثيرون بأنها سياسية- تعزز من الحكم العسكري. وعندما يتطرق المفاوضون إلى القضايا الأساسية فإنهم قد يغفلون هذه التغييرات التي حدثت مؤخراً رغم أهميتها".

وعن ذلك، قالت الباحثة خلود خير إنه يتعين على المسؤولين توسيع المفاوضات لتضم أطيافا أخرى من الشعب، مضيفة "لقد تغيرت الطبيعة السياسية في السودان، ولم يعد بالإمكان القول بأن بعض القادة يمثلون قطاعات كبيرة من الشعب".

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة