احتجاجات في الخرطوم على الانقلاب العسكري في السودان.

احتجاجات السودان ضد الانقلاب العسكري
ثورة سودانية سلمية لم تنتهِ بعد

لم يحارب جيش السودان جيرانه لكنه انقلب 17 مرة على الحكم فيما يخاطر سودانيون بحياتهم لتجريد الجيش من السلطة سلميا. الصحفي بيرند دوريس من الخرطوم عن ثورة مستمرة.

خرجت إسلام يوسف بطبيعة الحال مرة أخرى إلى الشارع عندما قام الجيش بانقلاب عسكري، تمامًا مثلما كانت تخرج إلى الشارع دائمًا خلال السنوات الأخيرة من أجل الكفاح ضدَّ سلطة العسكر ومن أجل المزيد من الديمقراطية.

وعندما قام الضبَّاط بانقلاب آخر في شهر تشرين الأوَّل/أكتوبر 2021، كانت في طريقها إلى امتحانها الجامعي النهائي وبعده بوقت قصير كانت متواجدة بين المتظاهرين.

في المرة الثانية، في الخامس والعشرين من تشرين الأوَّل/أكتوبر 2021، جاءت إسلام يوسف مباشرة من المكتب، وانضمَّت إلى مئات الآلاف من المتظاهرين ضدَّ الضبَّاط العسكريين في السودان - متظاهرون من بينهم على الأقل أربعة وأربعون شخصًا دفعوا حياتهم ثمنًا لكفاحهم من أجل بلد جديد.

هذه هي حال السودان منذ ثلاثة أعوام. وفي حين أنَّ بعض المواطنين في بعض الدول الأوروبية وفي الولايات المتَّحدة الأمريكية بات يبدو عليهم أنَّهم متعبون قليلًا من الديمقراطية، فإنَّ أغلبية الناس في السودان ليسوا كذلك. فمنذ عام 2018 لا يكاد يمر أسبوعٌ واحد من دون خروج مظاهرات من أجل المزيد من الديمقراطية.

والناس في السودان مستعدُّون للتضحية بحياتهم. وقد حقّقوا نجاحًا كبيرًا من خلال إجبارهم الديكتاتور الأبدي عمر البشير على ترك منصبه وسجنه.

غير أنَّهم عانوا أيضًا من انتكسات، مثلما حدث في شهر تشرين الأوَّل/أكتوبر 2021 عندما قام الجيش بانقلاب جديد واعتقل رئيس الوزراء المدني وجرَّد الحكومة من سلطاتها. وحول ذلك تقول إسلام يوسف: "هذه معركة طويلة".

كثيرًا ما التقت خلال السنوات الأخيرة صحيفةُ زود دويتشه تسايتونغ الألمانية بإسلام يوسف في الخرطوم وكذلك تحدَّثت معها عبر الهاتف لمتابعة كفاحها من أجل سودان آخر.

وإسلام يوسف شابة عمرها تسعة وعشرون عامًا، أنهت دراستها للتو ولكنها مثَّلت قبل ذلك في المحكمة أشخاصًا تضرَّروا من النظام العسكري.

 

السودان - جرحى أصيبوا في مظاهرة ضدَّ الانقلاب العسكري في الخرطوم. Verletzte bei Protesten gegen den Militärputsch im Sudan; Foto: AFP/Getty Images
جرحى أصيبوا في مظاهرة ضدَّ الانقلاب العسكري في الخرطوم: "في حين أنَّ بعض المواطنين في بعض الدول الأوروبية وفي الولايات المتَّحدة الأمريكية بات يبدو عليهم أنَّهم متعبون قليلًا من الديمقراطية، فإنَّ أغلبية الناس في السودان ليسوا كذلك. فمنذ عام 2018 لا يكاد يمر أسبوعٌ واحد من دون خروج مظاهرات من أجل المزيد من الديمقراطية"، مثلما يكتب بيرند دوريس: "الناس في السودان مستعدُّون للتضحية بحياتهم. وقد حقّقوا نجاحًا كبيرًا من خلال إجبارهم الديكتاتور الأبدي عمر البشير على ترك منصبه وسجنه. غير أنَّهم عانوا أيضًا من انتكسات، مثلما حدث في شهر تشرين الأوَّل/أكتوبر 2021 عندما قام الجيش بانقلاب جديد واعتقل رئيس الوزراء المدني وجرَّد الحكومة من سلطاتها".

 

وفي شهر أيَّار/مايو 2019، كانت تقف في وسط مخيَّم الاحتجاجات الكبير أمام مقر الجيش، حيث اعتصمت مئات المجموعات والأحزاب والمبادرات: لقد كان ذلك احتفالًا شعبيًا بالديمقراطية، تم إنهاؤه بعد وقت قصير من قِبَل الجيش بالنار والرصاص.

وبعد فض هذا الاعتصام، قالت إسلام يوسف جملة ردَّدتها كثيرًا في السنوات الماضية: "يجب علينا أن نستمر دائمًا في الكفاح، ونستمر دائمًا".

وبعد نحو ثلاث سنوات، تجلس الآن إسلام يوسف في مكتب بالخرطوم، عند غروب الشمس في الخارج ينغمس كلُّ شيء في وهج برتقالي اللون. وتقول: "كنتُ أعتقد في تلك الأيَّام أنَّ الأمر يتعلق فقط بالخروج دائمًا إلى الشارع من أجل الكفاح والكفاح دائمًا. أمَّا اليوم فأنا أعلم أنَّ الأمر يتعلق بأكثر من ذلك بكثير، بالقيادة الجيِّدة وبالمعرفة وبالأحزاب، التي تختار وزراء جيِّدين. ويتعلق بأشياء كثيرة جدًا".

سبعة عشر انقلابًا عسكريًا في السودان

 

تبدو هذه العبارة وكأنَّما مَنْ تقولها هي إنسانة منهكة ومحرومة من بعض أوهامها. أحيانًا وضعها هكذا، وأحيانًا تفكِّرُ - مثلما تقول - في الانتقال إلى بلد آخر. وأحيانًا يكون وضعها عكس ذلك، وعندئذٍ تكون متأكِّدة من أنَّهم في يوم ما سيكللون بالنجاح، حتى وإن احتاج ذلك أعوامًا كثيرة. تعتبر إسلام يوسف والعديد غيرها من الناشطات في السودان مناضلات عنيدات، ولكنهن يحاسبن أنفسهن أيضًا - يتفحصن أفعالهن عن كثب وكذلك ضمن سياق تاريخي.

السودان بلد ما كان له أن ينشأ لولا الاستعمار، بلد تم تكوينه بعنف وبشكل عشوائي من قِبَل البريطانيين: هو هيكل يشعر بعض مواطنيه بأنَّ حدوده أقرب إلى السجن، لأنَّهم لم ينضموا إلى هذا البلد بمحض إرادتهم: فهناك سودانيون من أصل عربي من الشمال يسيطرون على السياسة والاقتصاد، وكذلك يوجد سودانيون من أصل إفريقي يتعرَّضون إمَّا للظلم والتمييز أو لاضطهاد مباشر وحشي مثلما يحدث في إقليم دارفور.

والسودان حاصل على استقلاله منذ خمسة وستين عامًا، ومنذ ذلك الحين وهو يكافح في الواقع من أجل إيجاد شكل من أشكال الحكم العادل لأكبر عدد ممكن من مواطنيه.

من المعروف أنَّ الجيش السوداني لم يشن أية حرب قطّ ضدَّ أي من جيرانه، ولكنه انقلب على الحكم حتى الآن سبع عشرة مرة.

شهد السودان ثلاث ثورات، كافح فيها المواطنون ليحكموا أنفسهم بأنفسهم. بيد أنَّهم فشلوا في الثورتين السابقتين لأنَّ معظم الناس لم يجدوا البديل المدني أفضل بكثير.

ولكن الآن، في المحاولة الثالثة؟ تقول إسلام يوسف: "نحن -السودانيين- لا نصبر كثيرًا". وتضيف: إذا نظرنا إلى الماضي، إلى السودان مثلما كان قبل عام 2019، نلاحظ أنَّ حركة السودانيين قد حقَّقت الكثير. فقد تحوَّل السودان من دولة إرهابية منبوذة دوليًا كانت تؤي أسامة بن لادن إلى دولة أعفتها أوروبا والولايات المتَّحدة الأمريكية من الديون وحذفتها من قائمة العقوبات.

لقد تم عقد اتفاقيَّات سلام مع بعض الجماعات المتمرِّدة في البلاد. وكذلك كانت العملة المحلية قد استقرَّت مؤقتًا إلى حدّ كبير بحيث أنَّ إسلام يوسف أقدمت للمرة الأولى على إصدار فاتورة بالجنيه السوداني بدلًا من الدولار الأمريكي. وحول ذلك تقول: "لقد حقَّقنا الكثير، ولكنَّ السودانيين لا يشعرون جميعهم بذلك في الحياة اليومية، فأشياء كثيرة يزداد ثمنها، ولا توجد فرص عمل تقريبًا".

وزير التجارة السوداني في زنزانة انفرادية

 

لقد كان الكثيرون في السودان غير راضين عن الحكومة الجديدة، التي تم تعيينها بعد الانتصار على عمر البشير. فقد كانت حلًا وسطًا بين المدنيين والعسكريين. وكان رئيسُ الوزراء ومجلسُ الوزراء من التكنوقراطيين والسياسيين ونشطاء الحركة الديمقراطية. وكانت تتم مراقبتهم من قِبَل مجلس سيادي، كانت فيه الأغلبية للعسكريين بقيادة رئيس الدولة الفعلي اللواء عبد الفتاح البرهان وزعيم الميليشيات محمد حمدان دقلو، ولكن كان يوجد فيه أيضًا ممثِّلون عن الثورة.

وأحيانًا، كان يوجد معهم ناشطون تم نقلهم من الشارع مباشرة إلى الدوائر الحكومية والوزارات.

وحول ذلك تقول إسلام يوسف: "لا يمكن ببساطة تعيين أشخاص لمجرَّد أنَّهم يقفون على الجانب الصحيح ولكن لا توجد لديهم أية مؤهلات على الإطلاق".

لقد شاركت إسلام يوسف قبل أعوام في برنامج للقادة الشباب نظمته مؤسَّسة فريدريش إيبرت الألمانية، وتعلَّمت مدى صعوبة بناء نخبة مؤهلة في بلد يحكم فيه العسكر منذ عقود.

وتقول إسلام يوسف عن الناشطين، الذين وصلوا إلى السلطة ولكنَّ أداءَهم لم يكن دائمًا أفضل من أداء الحكَّام الذين سبقوهم: "اعتقدنا في البداية أنَّ بإمكاننا أن نتعلم معًا".

اتَّفق برلمان انتقالي في السودان على سلطة مدنية-عسكرية. وفي حين أنَّ الجيش قد رشَّح نوَّابه، لم يفعل المدنيون ذلك، ولهذا السبب لم يُجْرَ أي اجتماع حتى يومنا هذا. يوجد خلاف داخل المعارضة الديمقراطية وقد اشتدَّت حدته أكثر خلال الأشهر الماضية وبات يقال إنَّ المدنيين في الحكومة يهدِّدون العسكريين.

من الممكن فهم ذلك، مثلما تقول إسلام يوسف: ففي آخر المطاف يوجد من بينهم قتلة ومجرمون. ولكن إلى أين يتَّجه الوضع؟

تقول إسلام يوسف في هذا الصدد: "لا يمكن أن نقول كلّ يوم على موقع فيسبوك للعسكرِّيين إنَّنا سنضعهم في السجن".

لقد انقلبوا على الحكم في الخامس والعشرين من تشرين الأوَّل/أكتوبر 2021، أمَّا الأشخص الذين كانوا يثيرون أعصابهم فقد زجُّوا بهم في السجون.

ومن جانبه، ذكر وزير التجارة والصناعة السوداني، مدني عباس مدني إنَّهم احتجزوه في السجن طيلة شهر كامل في زنزانة انفرادية. وقبل بضعة أيَّام، أفرج عنه الجيش من الحبس الانفرادي، وقد عاد الآن ليجلس في مكتبه وهو على ما يبدو في حالة معنوية جيدة.

يقول مدني عباس مدني إنَّه لا يزال يشعر بأنَّه ضعيف قليلًا. ولا يريد أن يقول حول ذلك أكثر. وأضاف ردًا على سؤال حول كيفية معاملتهم له: "لم يطرحوا عليّ أي سؤال". إذ لم يكونوا مضطرين لذلك، لأنَّهم كانوا يعرفون كلَّ ما فعله عندما كان ما يزال وزيرًا للتجارة والصناعة وتم تعيينه بعد الإطاحة بعمر البشير.

الجيش لم يخدم الشعب بل مصالحه الخاصة

 

ومدني عباس مدني كان يعمل قبل ذلك في حركة الحقوق المدنية، وفي الحكومة كان يريد مساعدة المواطنين في الحصول على حقوقهم، الأمر الذي لم يعجب الانقلابيين: "لأنَّهم يخافون من أن تحاكمهم المعارضة على انتهاكات حقوق الإنسان. ولكنهم يخشون بشكل خاص على الاقتصاد السياسي".

لم يقم الجيش والميليشيات في السودان بتاتًا بمهمة حماية البلاد من هجوم خارجي ولم يدخل في أية حرب لأسباب أخرى.

فقد كان الجيش يخدم دائمًا مصالح الحاكم المعني، الذي غالبًا ما كان ينحدر من صفوفه.

والجيش لا يخدم الشعب بل مصالحه الخاصة والحفاظ على السلطة وزيادة ثروة العسكر، التي لا يُعرف حتى الآن حجمها بالضبط، بل يتم تقديره فقط.

ومدني عباس مدني كان يريد تغيير ذلك. وعندما كان وزيرًا، بدأ في التحرِّي عن شركات عديدة يشارك فيها الجيش ولا يدفع أية ضرائب عن أرباحها، ولم يتم الإعلان عن هياكلها مطلقًا.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة