الإسلاموفوبيا في خطاب بعض مدعي التنوير

تحامل على كل الأديان وتشويه في المقام الأول للإسلام

هيرسي علي - المهاجرة من العالم الإسلامي إلى الغرب - قدَّمت في ألمانيا كتابها "أصلحوا أنفسكم!" موجّهة كلامها للمسلمين. فصفق لها كارهو الإسلام، وتوددت إليها وسائل الإعلام الألمانية من خلال إعطائها منبرا إعلاميا لعرض ماضيها المرير المزعوم في المحيط الإسلامي، بل واحتفى بها الإعلام الألماني دون أي نقد أو تمحيص ودون تفريق بين الإسلام كديانة ومشكلات المسلمين كبشر، وكأنها "مصلح أنثوي" سيجلب الخلاص الفعلي لمليار ونصف المليار مسلم فردًا فردا. عمران فيروز ينتقد في مقاله التالي لموقع قنطرة شخصية هيرسي علي ويعتبرها داعية مزعومة للإصلاح.

ثمة رواج في سوق الكتب (الغربية)، على وجه الخصوص منذ صعود تنظيم الدولة الإسلامية والهجمات على "شارلي إيبدو"، حيث تُنشر بشكل شبه أسبوعي كتبٌ جديدةٌ تحوي صورًا مرعبةً على أغلفتها، أي هيئاتٍ مقنَّعةً ومدافع رشاشةً ورايةً ما مخططةً بالعربية.

الجميع تقريبًا – كلُّ هؤلاء الخبراء والنقَّاد والمراقبون وما عدا ذلك من التسميات التي يطلقونها على أنفسهم – يستميتون في محاولة القفز وركوب قطار "الشرق السريع"، الذي يسير باتجاه المنفعة وإظهار الذات، بعد تكرار استعمال الأحكام المسبقة لمجتمع الأغلبية الغربي.

أيان هيرسي علي أيضًا ممن فعلوا هذا تمامًا، والبعض ينظر إليها بصفتها "ناقدة الإسلام" الأكثر شهرة في العالم. وقد نُشر قبل مؤخرًا كتابها "أصلحوا أنفسكم!" ولم تتناوله وسائل الإعلام الأمريكية وحدها بشكلٍ إيجابيٍ بل الألمانية أيضًا.

البرنامج التلفزيوني "عناوين، أطروحات، أطباع" في القناة الألمانية الأولى ARD على سبيل المثال، جاد على أيان هيرسي علي بحلقةٍ شاملةٍ أُعلن عن موعد بثها من خلال استذكار ماضيها المرير المزعوم. الأمر الذي تكرار مرَّات عديدة، حيث تمَّ توفير منبرٍ لأيان هيرسي علي في برنامج "منتدى الجمعة" في القناة الألمانية الثانية ZDF وكذلك لدى إذاعة ألمانيا. ولم يكُن هناك أيُّ نقدٍ جذريٍ لشخص هيرسي علي باعتبارها داعيةً مزعومةً للإصلاح، إنما مُدِحت عوضًا عن ذلك واعتُبِرت "لوثر أنثويًا" سيجلب قريبًا بالتأكيد الخلاص الفعلي لمليار ونصف المليار مسلم فردًا فردا. أما أنَّ لوثر الحقيقي كان معاديًا للسامية بحماس في زمنه ودعا لحرق الكنس اليهودية، فتبدو حقيقةً قد تمَّ كبتها منذ فترة طويلة.

الإسلام بصفته "تقديسًا للموت هدَّامًا عدميًا"

بالمناسبة، لا تقلّ أيان هيرسي علي عن لوثر الحقيقي بأيِّ شيءٍ فيما يخصّ الأحكام المسبقة والتعنُّت. فالإسلام الذي يحمل لديها العديد من الصفات من بينها أنه " تقديسٌ للموت هدَّامٌ وعدميّ" لا بدَّ برأي هيرسي علي "من هزيمته". ومن تصريحاتها في إحدى المقابلات التي أجرتها مع المجلة الأمريكية "ريسون" أنه "في وقت ما يحين أوان تدمير العدو".

أيان هيرسي علي; Foto: AP
مجموعة من الأكاذيب: أسقطت ريتا فيردونك وزيرةُ الهجرة والاندماج الهولندية الجنسية عن أيان هيرسي علي سنة 2006، إذ أنَّ الأخيرة قدمت أدلة كاذبة سنة 1992 في سياق إجراءات طلب اللجوء إلى هولاندا. كما أن هيرسي علي اضطرت للتخلي عن منصبها في البرلمان بصفتها ممثلةً عن الحزب اليميني الليبرالي "حزب الشعب للحرية والديمقراطية" في نفس السنة.

 

واليميني المتطرِّف والإرهابي المعادي للإسلام أندرس بريفيك، الذي قتل سبعة وسبعين شخصًا في النرويج في شهر تموز/يوليو 2011، برَّأته هيرسي علي سابقًا من أي ذنب، بقولها إنَّ هذا الشخص كان "مجبورًا على ارتكاب جريمته".

لا يتحمّل بريفيك بحسب هيرسي علي ذنب القتل الجماعي، بل يتحمله "المدافعون عن التعددية الثقافية". وكانت عبارة "لم يكُن لديه خيارٌ آخر سوى اللجوء إلى العنف" من كلمات هيرسي علي في حفل لدار النشر الألمانية أكسل-شبرينغر سنة 2012 حصلت خلاله على جائزة تكريمية، حيث كانت ردَّة فعل الجمهور تصفيق عارم. وكان بريفيك قد أورد في كرّاسه الذي يشمل 1500 صفحةٍ مقتطفات لكُتَّاب مثل هنريك برودر، الذي كان جالسًا في الصف الأمامي يصفق بحماسة أثناء منح الجائزة، واقتبس بريفيك في كرَّاسه كذلك مما كتبته أيان هيرسي علي.

بيت أكاذيب من ورق

انتقلت هيرسي علي في السنوات الأخيرة للعيش في الولايات المتحدة. ولا عجب في ذلك، لأنها فقدت كل المصداقية في موطنها الجديد هولندا. بتعبير أبسط: لقد انكشف أمرها. وكان الفضل في هذا الكشف سلسلة وثائقية هولندية كرَّست إحدى حلقاتها لقضية هيرسي علي. وانكشف أثناء البحث أن جلَّ ما روته أيان هيرسي علي للسلطات الهولندية لدى دخولها البلد وما كرّرته مرارًا وتكرارًا في وسائل الإعلام، مختلق ولا أساس له.

هاجرت أيان هيرسي علي، واسمها الحقيقي أيان هيرسي ماجان، إلى هولندا سنة 1992. ولم تفصح هناك للسلطات عن اسم وسنّ خاطئين فقط، بل اختلقت مجموعة أكاذيب كانت حاسمة في نجاحها المهني اللاحق: آنذاك ادعت هيرسي علي المولودة في الصومال بأنها قد هربت من الحرب الأهلية المحتدمة في بلدها، وفي الواقع كانت قد غادرت قبل بداية الحرب والتحقت في كينيا بمدرسة مرموقة للفتيات المسلمات. وكان تعليمها في المدرسة مموَّل من قبل الأمم المتحدة، وكان المحيط هناك آمنًا. ولم تشهد إطلاقًا الحرب التي اندلعت فيما بعد في الصومال.

Henryk M. Broder bei einem Photocall für seine Fernsehserie "Entweder Broder - Die Deutschland Safari". Foto: dapd هنريك برودر يُعتبر من أشهر ناقدي الإسلام في ألمانيا
تصفيق عارم لهيرسي علي في الصف الأمامي: هنريك برودر يُعتبر من أشهر ناقدي الإسلام في ألمانيا، كان يصفق بحماسة أثناء منح الجائزة في دار أكسل شبرينغر للنشر سنة 2012.

كما كانت القصص التي تدور حول عائلتها مختلقة أيضًا. زوج هيرسي علي، الذي موَّل "هروبها" إلى أوروبا والذي تطلقت منه في وقت لاحق دون أي مشاكل، زارها فيما بعد عدة مرات في مأوى اللاجئين. وبقيت على اتصال بعائلتها بعد الطلاق أيضًا. حتى أنَّ شقيقها كان يدرس في مدرسة مسيحية. كل هذا لا يتفّق أبدًا مع صورة تلك العائلة الإسلاموية المتوحشة المزعومة التي يُفترض أنها هددتها بالعنف وبالقتل دفاعًا عن الشرف، إلا أن هيرسي علي كانت قد حصلت بفضل قصتها هذه على حق اللجوء بسرعة. لاحقًا اعترفت هيرسي علي أمام الكاميرا بقولها "نعم لقد اختلقت القصة بأكملها"، بعد أنْ تهاوى بيت الأكاذيب الورقي وانهار بالكامل.

بعد وقت قصير على نشر الفيلم الوثائقي عن هيرسي علي التي كانت قد حققت نجاحًا سياسيًا كبيرًا في الحزب الليبرالي اليميني "حزب الشعب للحرية والديمقراطية" VVD الحزب السابق لعدو الإسلام خيرت فيلدرز، تخلت هيرسي علي عن منصبها باعتبارها نائبًا في البرلمان. وتناولت وسائل الإعلام الهولندية أكاذيبها مُبوِّئةً عناوين الصحف بها، إضافة إلى ذلك تعرضَّت لخطر إسقاط الجنسية الهولندية المكتسبة منها. بعد ذلك حصلت وظيفة على في الولايات المتحدة الأمريكية لدى مركز لبحوث المحافظين الجدد - واسمه بالإنكليزية American Enterprise Institute - ومقره واشنطن، ويُعتبر بمثابة نقطة تجمُّع للمسئولين عن غزو العراق المنافي للقانون الدولي.

يدٌ بيدٍ مع كارهي الإسلام

كما التف حول هيرسي علي في الولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص أولئك الذين يطالبون بشدة بممارسة سياسة خارجية للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط تتسم بالعدوانية، ويرون أنهم في "حربٍ ضد الإسلام". ومن بين هؤلاء أيضًا ممثلون عما يسمى بـ "الملحدين الجدد"، الذين ينتقدون كل الأديان بشدَّة، إلا أنهم يستهدفون في المقام الأول تشويه الإسلام.

ومن قبيل الصدفة أن تتماشى حججهم دائمًا يدًا بيدٍ مع واضعي خطط الحرب في البيت الأبيض. سواء تعلق الأمر بغارات الطائرات من دون طيَّار أو بالتعذيب في غوانتانامو – ولكل هذا له ما يبرره في نهاية المطاف بحسب رأيهم، لأنهم يرون أنَّ الولايات المتحدة الأمريكية متفوِّقة أخلاقيًا على هؤلاء العراقيين والأفغان "البرابرة المتوحشين". فيكتب الفيلسوف سام هاريس، أحد أشهر ممثلي الحركة المتطرفة على سبيل المثال، أنَّ قتل بعض الناس بسبب معتقداتهم، إذا كانت خطيرة جدًا، أمرٌ مشروعٌ من الناحية الأخلاقية. ويشير هاريس في هذا السياق إلى المسلمين خاصةً. وهكذا يردد مرارا وتكرارا أنَّ الولايات المتحدة الأمريكية ليست في "حربٍ على الإرهاب"، إنما في "حربٍ على الإسلام". أما أولئك الذين لديهم رأي مختلف في هذا الصدد فينعتهم هاريس "بالفاشيين" وما شابه من صفات.

أما أنَّ حرب جورج دبليو بوش الصليبية في العراق، التي أودت بحياة أكثر من مليون إنسان، ودفعت بذلك الناس إلى التطرُّف ومهَّدت الطريق إلى الفوضى، فيبدو أنه لا يتم تجاهلها من قبل هيرسي علي وشركائها فقط، بل أيضًا من قبل وسائل الإعلام السائدة التي لا تزال تتملق للمروجين لذواتهم، عبر تعميم ماضيهم المختلق ليكون الحقيقة، فتصدَّق وسائلُ الإعلام كلَّ كلمةٍ من كلماتهم. لا غرابة في ذلك، لأن هذا أسهل، حيث يتم الحفاظ على الصورة المصطنعة ثنائية اللون: أبيض/أسود، ويجري استعمال الصور النمطية فيشعر الجميع هكذا بالرضا. لكنْ بذلك لا تُحل أيةُ مشكلةٍ ولا يُصلح أيُّ وضعٍ على الإطلاق.

 

 

عمران فيروز

ترجمة: يوسف حجازي

حقوق النشر: قنطرة 2015  ar.qantara.de

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : تحامل على كل الأديان وتشويه في المقام الأول للإسلام

بغض النظر عن هيرسي و ارائها اليمينية فالاعلام الالماني يعطي مساحة اعلامية للجميع بداية من السلفيين امثال فوغل و جماعته وصولا لمنتقدي الاسلام مرورا بكل الاقلام الصحفية منها من يدافع عي الاسلام بمناقشة الحجة و منها من يدافع عن الاسلام بالطريقة التي في هذا المقال التي لن تنفع! متى نعي ان البدء بحل المشكلة يبدأ بنقد الذات!

سوري27.06.2015 | 18:04 Uhr

مشكلة التيار التقليدي وعقدته من الاسلام ليست وليدة اللحظة يكفي ان تعرف مدي اهتمام المسلمين بالعقيدة المسيحية وتشعباتها وعدم اتلاعهم عليها حتي انهم لايعرفون الفرق بين الكتاب المقدس والانجيل ولايعريفون التعريف الحقيقي للانجيل وبين الاناجيل لآخر في المسيحية ولم يوجد كتاب واحد يتكلم عن المسيحيين الا لماما وبجهل في غالبه لكن انظر بالمقابل هكم الكتب اللتي صدرهت في العالم المسيحي من اول يوم للاسلام ولم تبقي شارة ولا واردة لقد اهتمت الكنيسة حتي بتفسير القرآن برؤيتها وتقدمه من الزاوية اللتي تراها هي وسخرت لاسلام مدارس من المستسرقين كان اكثرها عداء وشراسة وتهجم هو المستشرقين الالمان لذالك كراهية الاسلام والترويج لها ليست وليدة اللحظة انها جزء من التكوين الجيني للغرب خلال اطول حرب دينية في التاريخ هي الحرب بين الاسلام ممثلة في الخلافة والدول و السلطنات والعالم المسيحي في اروبا هذا الخوف من الاسلام الذي يعشش في كل تفصيلة من تفاصيل الفكر المسيحي لازال له طابع قوي في تكونهم وتفكيرهم وتراثهم طول 1200 سنة من الحروب والصراع ولذالك عندهم استعداد لتلقف كل ما يطرحه بعض المطاريدوالمنتفعين ومن دخلوا صراعات محلية اووجدوا تجارة رائجة الاستثمار فيها سهل جدا وميسر هذا الاشكالية ستستمر لفترة لكن يجب التعامل معها كواقع حال ان العقلية الغريبة ليست هي العقلية الصينية اللتي تاريخ مع الاسلام مختلف تماما فالاسلام في الحضارة الصينية هو رمز للمقاومة لمقاومة الامة الصينية وهذا من اغرب ما يكتشفه البعض وانه هو الديانة الوحيدة من الديانات غير التقليدية الصينية الذي يعتبر ديانة وطنية لانه فعلا طولا 800 سنة كان جزء فاعل من مقاومة الصينيين لطغيان الاسر المنغولية والمنشورية الاجنبية فصار جزء من هذا الثقافة وكان كبار الجنرلات المسلمين هم قادة المقاومة في الوسط والجنوب الصيني لذالك نظرة المجتمع إيجابية بينما يمنع تواجد اي كنيسة مسيحية في البر الصيني لانها ديانة أجنبية رافقة الاحتلال ، لذالكمن السذاجية ان يعتقد البعض انه في الغرب لاتوجد خلفية سلبية لدي شريحة المحافظين من الاسلام بالعكس هناك شريحية كبيرة محافظة لها تراكمات تاريخية تكونت خلال 1200 سنة من المواجهة بين الديانتين هذا التاريخ القاسي والدامي واطول حرب دينية شهدتها المنطقة اسمرت اكثر من 1000 سنة اكيد انها القت بظلالها علي العقل الجمعي للمجتمع وخصوصا المحافظين فلازالوا يتلقفون كل من يقدم نظرة سبلية عن الاسلام باعتباره هذا من تبائع الامور فلاسلام في نظرهم هو هكذا لانهم تراثم وتاريخيه يقول هذا وتكوينهم الفكري وخلفية الثقافية المحافظة تعج بهذه النظره العادئية للمحمديين وتصورهم علي انهم الشر فعندما يجدون مؤلف يقول هذا فهذا تحصيل حاصل ويعضد تصوراتهم وخلفيته الفكرية والثقافية المعادية للاسلام عبر مئات السنيين فلاغرابة ان يتلقفوا هذه الشريحية من الانتفاعيين والاستثمار السهل في الكراهية ان يتلقفوهم بلاحضان

الحسني 18.04.2017 | 00:06 Uhr