الإسلام القديم والإسلام الجديد

كيف كان وينبغي أن يكون "تجديد" الإسلام؟

التجربة القديمة للإسلام كانت ابنة مرحلتها الثقافية، و"الإسلام الجديد" يحق له ما كان يحق لـ "الإسلام القديم"، فهو "إسلام ممكن" لا يفصل المسلم عن بيئته المجتمعية، ولا مناص من ابتداء تجربة جديدة. باحث الإسلاميات سَرْوَر عبد الرحمن البِنْجُوَيْنيّ يشرِّح في مقالته التالية تيارات ونزعات إسلامية تجديدية ينبض بها الفكر الإسلامي في الفترة الحديثة، مشددا على عقبة كَأْداء أمام التجديد وهي إنكار مرحلية بعض أحكام الشريعة.

تجديد الإسلام وتحديثه، من أكثر المطالب إلحاحًا وحيويةً في المجتمع الشرقي وسائر المجتمعات والتجمعات الإسلامية في جميع أطراف المعمورة. وهو ـ بشكل أو بآخر ـ سيرورة جارية على قدم وساق.

وقد بدأ به علماء الإسلام ومفكروه المحدَثون، والنُّظُم الحديثة في البلدان الإسلامية، وحتى بعض الدُّعاة والوُعّاظ العصريّين، وكذلك بفعل القطيعةِ الثقافية وتغيرِ نمط الحياة والمعيشة والتعايش، وحتى الاغترابِ و "الشتاتِ" الإسلامي.

وأقول التجديد والتحديث، ولا أقول الإصلاح الديني، الذي تمّ فعلا في الإسلام السني على يد الحركة الوهّابية إصلاحا دينيا على غرار الإصلاح الديني البروتستانتي، فما فعله محمد بن عبد الوهّاب بالإسلام السني الأشعري الصوفي؛ لا يقلّ عن ما فعله مارتن لوثر بالمسيحية الكاثوليكية البابوية.

ولكن الإصلاح الديني، بما أنه دعوة العودة إلى الجذور وإلى النصوص المؤسِّسة واطّراح النصوص الثانوية والتقاليد الأمميّة المؤمِّمة "المبتدِعة" (دعوة "العودة إلى الكتاب والسنة" ـ في الإصلاح الوهّابي، ودعوة "سولا سكريبتورا" في الإصلاح البروتستانتي)؛ فإنه يكون في النهاية تأسيسا للأصولية الدينية، مما يؤدّي إلى انتكاسة حضارية تجعل العقل الديني يبدأ من نقطة الصفر من جديد قاضيًا على المراحل التي تجاوزها في تاريخ تطوّره وسياقات تأمُّمه وتوطُّنه في الثقافات المختلفة، ويؤدي إلى إحياء ثقافة قديمة لتصطدم بالثقافة الحديثة.

فالأصولية الدينية هي بَعْث الدين كثقافة كاملة كما كان في يومه وليس كانتماء ديني/طائفي ورمزيّ يتمثل في رموز وطقوس، فتكون محاولة بائسة لإحلال ثقافة قديمة تاريخية محلَّ ثقافة حديثة حيّة. وهذا يشي بضرورة التجديد والتحديث بديلا للإصلاح.

مسلمون في صلاة الجمعة في شارع في برلين وصحفيون ألمان يصورونهم. Photo DW Ali Almakhlafi
يحق لـ "الإسلام الجديد" ما كان يحق لـ "الإسلام القديم": "الإسلامُ القديم، وهو الإسلام "ثقافةً" كاملةً، تجربةٌ أولى للإسلام لها تاريخها ورجالاتها ومذاهبها، وتأثرت تماما بالرؤى الكونية والقوانين والأعراف والأنظمة الاجتماعية والسياسية السائدة في تلك الأزمان، ولا يمكن إسقاط التجربة الإسلامية الجديدة على تلك التجربة القديمة...يجب أن يكون هذا التجديد من دون "إسقاط" الإسلام الجديد على القديم ومن دون ادّعاء اتّباع الإسلام القديم الموروث كما هو، فيجب أن يعدّ الإسلام الجديد تجربة جديدة ومن مقتضيات العصر الجديد وتوفيقا مع ثقافة المجتمع الحديث وقوانين الدولة الحديثة (ويحقّ له هذا، كما حقّ للإسلام القديم أن يكون متوافقا مع ثقافة المجتمع القديم وقوانين الدولة القديمة)، ولا يشترك مع الإسلام القديم إلا بأصول العقائد والأخلاقيات والعبادات الأساسية وأصول الأحكام دون بعض الجزئيات"، كما يرى سَرْوَر عبد الرحمن البِنْجُوَيْنيّ.

يحق لـ "الإسلام الجديد" ما كان يحق لـ "الإسلام القديم"

لكن يجب أن يكون هذا التجديد من دون "إسقاط" الإسلام الجديد على القديم ومن دون ادّعاء اتّباع الإسلام القديم الموروث كما هو، فيجب أن يعدّ الإسلام الجديد تجربة جديدة ومن مقتضيات العصر الجديد وتوفيقا مع ثقافة المجتمع الحديث وقوانين الدولة الحديثة (ويحقّ له هذا، كما حقّ للإسلام القديم أن يكون متوافقا مع ثقافة المجتمع القديم وقوانين الدولة القديمة)، ولا يشترك مع الإسلام القديم إلا بأصول العقائد والأخلاقيات والعبادات الأساسية وأصول الأحكام دون بعض الجزئيات.

والإسلامُ القديم، وهو الإسلام "ثقافةً" كاملةً، تجربةٌ أولى للإسلام لها تاريخها ورجالاتها ومذاهبها، وتأثرت تماما بالرؤى الكونية والقوانين والأعراف والأنظمة الاجتماعية والسياسية السائدة في تلك الأزمان، ولا يمكن إسقاط التجربة الإسلامية الجديدة على تلك التجربة القديمة.

فلا ينبغي أن يُعمَد إلى تأويل النصوص المنتَجة في الإسلام القديم واستنطاقها لتنطق بمبادئ الإسلام الجديد (وإن كان هذا الاستنطاق ضرورة عمليّة مرحليّة من أجل المشروعيّة الدينية الجماهيرية والإبقاء على الانتماء الرمزي)، وإنما تُقسّم نصوص الإسلام القديم ومبادؤه قسمين: قسم هو النصوص والمبادئ الأساسية الكونية (تتمثل في العقائد والأخلاقيات والعبادات الأساسية وأصول الأحكام) والتي تؤلّف قدرا مشتركا بين القديم والجديد ويمكن أن يمثل هوية إسلامية ثابتة، وقسم هو النصوص والمبادئ الثانوية التي اقتضتها التجربة القديمة، فتُعدّ من "تاريخ" الإسلام القديم وتجربة إسلامية سابقة، من دون تستُّر على هذا التاريخ وجوانبه السلبية ولا ترقيع له من خلال الأدب الدفاعي (الأبولوجي) والتسويغات و "الردود" التي تصير غالبا جزءا ـ وجزءا غريبا غير متوافق ـ من الفكر الديني والمادة الأساسية للدعوة الدينية.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
ملفات خاصة من موقع قنطرة
تنظيم "الدولة الاسلامية" | داعش، تداعيات هجمات 11 سبتمبر على الغرب والعالم الاسلامي ، أخلاقيات الطب والاستنساخ في الاسلام، المسيحيون في العالم الاسلامي، المتحولون دينيا | تغيير الدين، انتقاد الاسلام، الحوار بين الثقافات، الحوار بين الأديان، الاسلام الأوروبي، الإسلام النسوي والنسوية الإسلامية، الحرية الدينية | حرية المعتقد، التاريخ الاسلامي ، رجال الدين في إيران، الإسلام والديمقراطية، الاسلام والغرب، الاسلام في افريقيا، الإسلام في آسيا الوسطى ، الاسلام في أوروبا، الاسلام في ألمانيا، الاسلام في جنوب شرق آسيا، الاسلام في الولايات المتحدة ، المصارف الإسلامية ، ‏الفلسفة الإسلامية، التربية الاسلامية في المدارس الألمانية ، الثورة الإسلامية في إيران، الدراسات الإسلامية العليا في الجامعات الألمانية، الاسلاموية / الاسلام السياسي، الإسلاموفوبيا | ظاهرة العداء للاسلام ، اليهود في العالم الاسلامي، الجهاد، السلفية الجهادية / الجهاديون، الاخوان المسلمون ، النساء المسلمات، المسلمون في الغرب ، الأصولية والتشدد الديني ، الإصلاح في الإسلام ، السلفيون /السلفية ، الشريعة الإسلامية، منتوجات بنكية تتوافق مع الشريعة الإسلامية، الاسلام الشيعي | الأسلام السني، الاسلام السني | السنة، السياسة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي، السلفية الوهابية | الوهابية ، النساء في العالم الاسلامي
كل ملفات قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : كيف كان وينبغي أن يكون "تجديد" الإسلام؟

الإسلام القديم والإسلام الجديد ..لا اعتقد انها عبارة مناسبة ، هي تستدعي تراث افرنجي لا صلة لنا به ولا تساعد علي بناء قنطرة للتفاهم المتبادل

حسين الشريف21.08.2018 | 00:40 Uhr