الاعتداءات الجنسية في مدينة كولونيا والمعايير الصحفية

سيناريو التخويف الذي انتظره اليمين المتطرف بفارغ الصبر

تتناول التقارير الإعلامية الألمانية موضوع الاعتداءات الجنسية ليلة رأس السنة في مدينة كولونيا الألمانية بشكل هجومي على أصول مرتكبي هذه الاعتداءات. ولكن أليس من المعايير الصحفية ألا يحتل أصل الجناة مكان الصدارة بالنسبة للجرائم الجنائية؟ كما أن كل حالة فردية مزعومة "لجرائم الأجانب" بات يقدمها اليمين المتطرف وبقلق كبير كدليل على سير الغرب نحو الزوال، ويعزوها إلى "ثقافة" الجناة المزعومة. ولكن ما هو الهدف من ذلك؟ الصحفي الألماني دانيال باكس يدلي برأية حول ذلك لموقع قنطرة.

هذا هو سيناريو الخوف، الذي تُلوِّح به منذ فترة طويلة حركة بيغيدا اليمينية الألمانية وغيرها من اليمينيين الشعبويين وكذلك الناشطات النسويات اليمينيات مثل الناشطة اليمينية الألمانية أليس شفارتسر: حشود من رجال ذوي أصول عربية يتطاولون ويَنْقَضُّون على نسائنا الألمانيات، على "بنات جلدتنا" من أجل التحرُّش بهن جنسيًا وسرقتهن، إن لم يكن حتى من أجل اغتصابهن.

وعلى ما يبدو فقد حدث شيء مشابه أثناء ليلة رأس السنة الجديدة في مدينة كولونيا الألمانية. وبحسب ما نعرفه حتى الآن، فقد أقدمت هناك مجموعة من المجرمين على استغلال حالة الفوضى أمام محطة القطارات الرئيسية، لينقَضُّوا من دون أي رادع على عشرات الضحايا. فهل هذا يا ترى دليل على "تحويل الفضاء العام إلى الذكورية"، الذي يهدِّد ألمانيا بسبب الكثير من اللاجئين الذكور الذين يأتون إلى البلاد؟

سارعت الشرطة في بياناتها الأولى إلى نفي هذه الأحكام المسبقة، وذلك من خلال تأكيدها على أنَّ الجناة لم يكونوا من اللاجئين، بل هم مجرمون معروفون للشرطة ولديهم الكثير من السوابق، ظهروا في تلك الليلة على ما يبدو بشكل مقصود وضمن مجموعة. وقفت الشرطة في تلك الليلة أمام وضع كلفها أكثر بكثير من قدراتها، وذلك لأنَّها كانت في الوقت نفسه تواجه نحو ألف شخص، كانوا يُخِلـُّون بالنظام العام بإطلاقهم الألعاب النارية والصواريخ أمام كاتدرائية مدينة كولونيا.

غير أنَّ هذه القضية تعتبر بالنسبة للشعبويين اليمينيين بمثابة الدليل الدامغ، وذلك لأنَّهم يرون من خلالها التأكيد على مخاوفهم المُفضَّلة. زد على ذلك أنَّ اتِّهامهم وسائل الإعلام بالكذب يحصل على تغذية جديدة من خلال حقيقة أنَّ الأمر قد استغرق عدة أيَّام إلى أن تم تناول هذا الحدث من قبل وسائل الإعلام الألمانية على الصعيد الاتِّحادي.

نذير لمستقبل جمهورية ألمانيا

ومع ذلك فإنَّ السبب يعود فقط إلى حقيقة أنَّ هذا الأمر تعلق بحدث محلي، لم يتَّضح بُعْدُهُ إلاَّ مع الوقت. فمن جانبها قامت الصحافة المحلية في مدينة كولونيا بتغطية هذه الأحداث في وقت مُبكِّر وبشكل مفصَّل، بمجرَّد تقديم أُولَى البلاغات وروايات شهود العيان، وكذلك لقد رأت شرطة مدينة كولونيا نفسها مضطرة في وقت مبكِّر إلى التعليق على هذا الحدث.

والآن يتم من قبل الأطراف المعنية اعتبار هذا الحدث نذيرًا لمستقبل جمهورية ألمانيا. وهذه مبالغة كبيرة. فقد انتهت منذ فترة طويلة أيضًا العهود التي كان يعتبر فيها عدم الكشف عن جنسية أو أصل المجرمين المشتبه بهم جزءًا من المعايير الصحفية.

Pegida-Anhänger in Dresden; Foto: picture-alliance/dpa/Arno Burgi
ذريعة لحركة بيغيدا وشركائها - يرى المعلق دانيال باكس أنَّ "هذه القضية تعتبر بالنسبة للشعبويين اليمينيين بمثابة الدليل الدامغ، وذلك لأنَّهم يرون من خلالها التأكيد على مخاوفهم المُفضَّلة. زد على ذلك أنَّ اتِّهامهم وسائل الإعلام بالكذب يحصل على تغذية جديدة من خلال حقيقة أنَّ الأمر قد استغرق عدة أيَّام إلى أن تم تناول هذا الحدث من قبل وسائل الإعلام الألمانية على الصعيد الاتِّحادي".

في ميثاق الصحافة - الذي اِلتـزَمَتْ به ذات مرة ولسبب وجيه وبشكل اختياري وسائلُ الإعلام المندمجة في مجلس الصحافة الألمانية - يَرِدُ في هذا الصدد أنَّ دين الجناة أو أصلهم ليس جديرًا بالذكر إلاَّ عندما تكون هناك صلة مباشرة مع الجريمة. وهنا لا بدّ من ملاحظة أنَّ "الكشف عن الدين أو الأصل قد يثير الأحكام المسبقة ضدَّ الأقليات".

ضغط الرأي العام اليميني المضاد

هذه المعايير تآكلت منذ فترة طويلة. وذلك لأنَّه قد أصبح على أية حال في عصر وسائل الإعلام الاجتماعية والإنترنت من الوهم الاعتقاد بأنَّ بعض المعلومات يمكن تهميشها. وتحت ضغط الرأي العام اليميني المضاد في شبكة الإنترنت، الذي يسارع إلى اتِّهام "وسائل الإعلام" بأنَّها تتكتَّم على جرائم المهاجرين أو تُخَفِّف من حدَّتها بسبب التسامح المفهوم بشكل خاطئ و"حُسْن اللياقة"، فإنَّ وسائل الإعلام الجادة أيضًا وفي طاعة استباقية قد انتقلت إلى الكشف وبشكل هجومي عن أصل المجرمين - وبالتأكيد طالما كان الأمر يتعلق بمجرمين مهاجرين.

وفي هذه الحالة أيضًا يُطرح السؤال على وسائل الإعلام الجادة والشرطة عمَّا إذا كان يجب أن يحتل أصل الجناة مكان الصدارة أم لا. وفي المقابل يبدو الأمر واضحًا بالنسبة للمدَّعين للشعبويين اليمينيين: فالبنسبة لهم يعود سبب مثل هذه الجرائم بطبيعة الحال فقط إلى "ثقافة" الجناة المزعومة، وليس إلى أي شيء آخر.

كلّ حالة فردية مزعومة " لجرائم الأجانب" و"العنف الإسلامي" يتم تقديمها من قبلهم وبقلق كبير كدليل على أنَّ الغرب يسير نحو الزوال. روايات شهود العيان والمزاعم المجرَّدة وكذلك الإشاعات وأنصاف الحقائق - تنتشر عن طريق وسائل الإعلام الاجتماعية مثل انتشار النار في الهشيم.

صحيفة "إيمَّا" تتحدَّث حول "إرهاب"

ويزيد من سرعة اشتعال الموقف الادِّعاءُ الضمنيُ بأنَّ الأمر يتعلق بشكل "ثقافي خاص" من الجريمة. وكأنَّما لا توجد من دون المهاجرين في ألمانيا أية سرقات ولا أية عمليات اغتصاب وأعمال قتل. ونظرًا إلى العنف الجماعي الجنسي أثناء الاحتفال برأس السنة الجديدة في مدينة كولونيا أصبح البعض يتحدَّثون الآن حول "بُعْد جديد" للجريمة.

Alice Schwarzer; Foto: Johannes Eisele/AFP/Getty Images
وصفت الناشطة اليمينية النسوية الألمانية أليس شفارتسر هذه الهجمات الجماعية على الكثير من النساء في مدينة كولونيا بأنَّها نتيجة للتسامح الخاطئ وفشل الاندماج. وفي مجلة "إيمَّا" النسوية كتبت هذه الصحفية الكولونية (على شبكة الإنترنت): "هؤلاء الشباب الذين مارسوا الإرهاب في ليلة رأس السنة الجديدة في كولونيا، يلعبون لعبة الحرب في وسط أوروبا…لا يمثِّل لاجئو اليوم من بينهم سوى أقلية قليلة فقط، هذا إذا كان يوجد بينهم لاجئون جدد. إذ إنَّ أغلبيتهم من لاجئي الأمس أو بعبارة أخرى من المهاجرين وأبنائهم".

"لم يحدث في ألمانيا شيء كهذا بتاتًا من قبل"، مثلما تدَّعي صحيفة إيمَّا، وتتحدَّث حول "إرهاب" وتشعر بأنَّ ذلك يُذكِّر بأحداث ميدان التحرير في مصر. وكذلك فقد كتبت على موقع تويتر وزيرة الأسرة الألمانية السابقة كريستينا شرودر (من الحزب الديمقراطي المسيحي): "لقد تم تحريم المعايير الذكورية منذ فترة طويلة، ولكن يجب علينا في ألمانيا أن نتعامل مع هذه المعايير الذكورية التي تُضفي على العنف طابع الشرعية في الثقافة الإسلامية".

وفي ذلك لم تكن فقط القواعد مثيرة للريبة والشكّ، بل كذلك هذا الادِّعاء - كما لو أنَّ المعايير الذكورية التي تُضفي على العنف طابع الشرعية لا تمثِّل أية مشكلة في ثقافة الأغلبية الألمانية غير المسلمة. فيا ترى ما الذي كان يمكن أن يكون مختلفًا لو أنَّ الأمر لم يتعلق بجناة من "شمال أفريقيا"، بل برجال ألمان؟ بالنسبة للنساء المتضرِّرات لن يختلف الأمر كثيرًا.

ولكن لو كان الأمر كذلك فسيكون رد الرأي العام مختلفًا. كما أنَّ الكثيرين لن يصدِّقوا النساء المعنيات، وسيُقَلِّلون من شأن هذا الحدث أو أنَّهم سيتجاهلونه، أو أنَّهم حتى سيحمِّلون الذنب للنساء بالذات. أمَّا الأشخاص الذين كانوا ليتشبثوا بهذا الحدث بشدة، هم الأشخاص أنفسهم الذين يبدون غضبهم الآن بشكل خاص.

 

دانيال باكس

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2016 ar.qantara.de

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : سيناريو التخويف الذي انتظره اليمين المتطرف بفارغ الصبر

الاعتداءات التي حصلت في ليلة راس السنة كانت متوقعة من قبل الكثيرين وانا منهم لقد توقعت اكثر من تلك الاعتداءات واتوقع ان تتكرر تلك الاعتداءات فلماذا تلك التوقعات ؟ ان التاريخ سيكتب لالمانيا بحروف من نور ما قامت به من مساعدة اللاجئين واحتضانهم في المانيا وكل العالم يشكر المانيا على ما قامت به لكن كان يجب الاستعانة بخبراء ومتخصصين وباحثين عرب لكي يتم ترتيب دخول اللاجئين واقامتهم في المانيا وطريقة اندماجهم في المجتمع الالماني وكان يجب ان يتم اعداد خطة اندماج طواري وتكون بمواصفات واساليب جديدة غير الاساليب المتبعة في المانيا حاليا وذلك لان اللاجئين الذين دخلوا المانيا خلال سنة 2015 قد جتاؤوا من العراق المحتل رسميا منذ العام 2023 ومن سوريا التي تدور فيها الحرب من 5 سنوات اي ان اللاجئين لم يكونوا يتعلموا الموسيقى والباليه في بلدانهم بل كانوا يتعلمون كل اساليب حماية انفسه من الموت اضافة الى ان اغلب اللاجئين من فئة الشباب الذين لم تسنح لهم الفرصة لمواصلة تعليمهم وهذا ما يجب ان نطلق عليه انهم نصف اميين لانقطاعهم لسنوات طويلة عن التواصل مع الحضارة الانسانية لاقامتهم في معسكرات او في في اماكن غير مستقرة في بلدانهم . والسبب الرئيسي الثاني لاحداث كولون ان اللاجئين الذين جاؤوا من شمال افريقيا لا ولن يتمكنوا من تقدير خطورة افعالهم في المانيا لانهم لم يشعروا بمعاناة اللاجئين العراقيين والسوريين الذين يريدون الحياة بعد ان كانوا في وسط الموت وهناك ايضا لاجئين من دول اخرى كثيرة مثل افغانستان والباكستان وكينيا والهند وايران وكل هؤلاء اللاجئين في المانيا ليسوا لاسباب انسانية بل اقتصادية وقد ذكرت السيدة انجيلا ميركل في بداية التدفق الكبير لللاجئين الى المانيا بان لا يسمح الى اللاجئين لاسباب اقتصادية بالبقاء في المانيا . ان هؤلاء اللاجئين سوف يقومون باعمال كثيرة خارجة عن القانون لانهم لا يمتلكون شعور اللاجيء الحقيقي الهارب من الموت والذي يرغب في الاندماج تحت اي ظروف وباي اسلوب تختاره الحكومة الالمانية . انا اقترح اعادة كل لاجيء لا تنطبق عليه شروط اللجوء فورا الى بلده وتوجيه رسالة قوية الى حكومته بذلك وفي نفس الوقت منع دخول اي لاجيء من غير العراقيين والسوريين الا في حالات استثنائية نادرة والمعمول به الان ان يدخل اللاجيء ويتم استقباله وترحيله من مركز ايواء الى مركز اخر وصرف مبالغ عليه وبذلك جهود كبير معه في مجال الاسكان والعناية الطبية وغيرا وفي النهاية يتبين انه لاجيء اقتصادي جاء من البلقان او المغرب او كينيا او افغانستان . انا على استعداد لتقديم خطة اندماج متكاملة تتماشى مع الواقع الحالي وتاخذ بنظر الاعتبار عامل الوقت والتكاليف المادية وبناء الاساس المتين والصحيح لللاجئين بعيدا عن ماكانوا فيه في بلدانهم ومن يرغب بالتواصل معي من الجهات الرسمية فانا على استعداد لتقدير كل خبراتي في هذا المجال.
اليمين المتطرف سوف يستغل هذه الفرصة وسوف تزداد شعبية المتطرفين والنازيين اذا لم نقوم نحن المواطنين الالمان وخصوصا الالمان الاصول العربية بمساعدة الدولة في موضوع الاندماج .
بسام شكري

بسام شكري10.01.2016 | 17:45 Uhr