بعد الجفاف الشديد لم يتبقَ الكثير من هذه البحيرة في سوريا، التي كانت ذات يوم خزانا مهما للمياه.

الجفاف وأزمة المياه في العالم العربي
من المسؤول عن عطش شمال شرق سوريا؟

يعاني شمال شرق سوريا 2021 من أسوأ موجة جفاف منذ نحو 70 عاما نتيجة تغير المناخ وقلة الأمطار وارتفاع الحرارة. فهل فاقمت التوترات السياسية مع تركيا معاناة السكان؟

لم ترحم أشعة الشمس الحارقة بستان الزيتون القديم الذي كان مصدر رزق أحمد محمود (52 عاما) بشمال سوريا. فقد جفت أشجار الزيتون وباتت تسقط واحدة تلو الأخرى خاصة في ظل نقص المياه. يقضي محمود نهاره وهو يمشي في بستانه يطوف بين الأشجار، عله يجد شجرة لا تزال على قيد الحياة.

وبنبرة يغلب عليها الأسى، يتذكر حال بستانه في الماضي، ويقول " زرعت مع شقيقي قرابة ثمانية آلاف شجرة في هذه الأرض. لم نزرع فقط الزيتون وإنما أيضا أشجار الليمون والكروم". ويضيف "عندما قام مسلحو داعش بقطع إمدادات المياه لإجبارنا على الإذعان لهم، هلكت 3 آلاف شجرة. وتوقعنا في ذاك الوقت أن الأمور لن تزداد سوءا، بيد أن هذا العام (2021) ماتت 3 آلاف شجرة أخرى في ظل نقص المياه".

وقد حدث هذا، رغم أنه يعيش في قرية "عايد صغير" التي لا يتجاوز عدد سكانها ألف نسمة في محافظة الرقة ولا تبعد سوى ثلاثة كيلومترات عند سد الطبقة على نهر الفرات الذي يعد أكبر أنهار سوريا، إذ لا تبعد بحيرة الأسد التي تشكلت خلف السد كثيرا عن أشجار الزيتون التي جفت وماتت.

يشار إلى أن طول بحيرة الأسد يبلغ حوالي 80 كيلومترا وعرضه نحو  8 كيلومترات فيما تصل مساحتها إلى نحو 640 كيلومترا مربعا وتستطيع تخزين أكثر من 14  مليار متر مكعب من المياه. لكن منذ العام الماضي، انخفض منسوب مياه بحيرة الأسد بمقدار ستة أمتار فيما انخفض أيضا منسوب نهر الفرات حتى باتت المضخات التي من المفترض أن تزود القرى والمزارع بالمياه، غير قادرة على الوصول إلى مياه النهر.

 

 

فقد مزارع الزيتون أحمد محمود حوالي 3000 شجرة بسبب الجفاف في هذا العام 2021. Olive farmer Ahmad Mahmoud Alahri has lost around 3,000 trees due to drought this year (photo: Daniela Sala/DW)
فقد مزارع الزيتون أحمد محمود حوالي 3000 شجرة بسبب الجفاف في هذا العام 2021: لم ترحم أشعة الشمس الحارقة بستان الزيتون القديم الذي كان مصدر رزق أحمد محمود (52 عاما) بشمال سوريا. فقد جفت أشجار الزيتون وباتت تسقط واحدة تلو الأخرى خاصة في ظل نقص المياه. يقضي محمود نهاره وهو يمشي في بستانه يطوف بين الأشجار، عله يجد شجرة لا تزال على قيد الحياة.

 

وعلى وقع استمرار تراجع مستوى المياه خلال العام الماضي، تضرر ثلث المضخات والبالغ عددها 200 مضخة على طول النهر. وإزاء ذلك، حُرم أكثر من خمسة ملايين شخص في المنطقة من الوصول إلى مصادر المياه، وفقا لبيانات الأمم المتحدة.

أسباب أزمة مياه الشمال الشرقي السوري

 

لا يمكن البحث عن أسباب نقص وشح المياه في شمال سوريا دون الإشارة إلى أن منطقة الشرق الأوسط تعد من بين المناطق الأكثر تضررا من ظاهرة التغير المناخي. فقد أفادت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة "الفاو" بأن موسم الأمطار في سوريا تأخر لقرابة شهرين وانتهى قبل شهرين على خلاف المعتاد، مضيفة بأن ارتفاع درجة الحرارة خلال شهر أبريل / نيسان 2021 قد أثر على الكثير من المحاصيل في العديد من الأماكن.

وتزامن هذا مع تحذير صدر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية جاء فيه أن سوريا تعاني من أسوأ موجة جفاف منذ 70 عاما خلال فصل الصيف. ويتوقع المكتب خسارة حوالي 75 بالمائة من المحاصيل البعلية وما لا يقل عن 25 بالمائة من المحاصيل المروية في كافة أنحاء شمال شرق سوريا. وتتفاقم أزمة المياه في شمال سوريا مع انخفاض منسوب مياه نهر الفرات الذي ينبع من تركيا. وقد حذر فيكتور نيلوند، ممثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة في سوريا (يونيسف)، من التداعيات الخطيرة لهذه الأزمة.

وقال نيلوند "يؤثر عدم تدفق مياه نهر الفرات بشكل كافٍ، على الحياة اليومية لملايين الناس بشكل مباشر. إذ أن مياه الشرب تتناقص في ثلاث مناطق خاضعة لسيطرة الحكومة في سوريا هي دير الزور والرقة وحلب". وأضاف "نحن بحاجة ماسة إلى إجراء نقاش إقليمي لإيجاد حل لهذه الأزمة في أسرع وقت ممكن".

يشار إلى أن نهر الفرات ينبع في تركيا ويمر عبر سوريا ليصل إلى العراق، وقد شيدت تركيا سدا ضخما على النهر أطلق عليه اسم "سد أتاتورك". وعقب اكتمال بناء السد عام 1987 ، تعهدت تركيا بالسماح بمرور أكثر من 500 متر مكعب في الثانية على الأقل من مياه الفرات إلى سوريا، بيد أن هذا المقدار تضاءل خلال الصيف ليصل إلى 215 مترا مكعبا فقط في الثانية.

من المسؤول عن عطش الشمال الشرقي السوري؟

 

 

دبابة ليوبارد تركية في شمال سوريا. Turkish Leopard tank in northern Syria (photo: picture-alliance/dpa/Xinhua)
دبابة ليوبارد تركية في شمال سوريا: كان الجيش التركي قد توغل في شمال سوريا في أكتوبر/  تشرين الأول قبل عامين حيث أقام "منطقة عازلة" بطول 30 كيلومترا تقع في نطاقها محطة مياه علوك التي توقفت عن العمل لأكثر من 90 يوما منذ يناير/ كانون الثاني فيما عملت خلال الفترة نفسها بنصف طاقتها لأكثر من 140 يوما. وتلقي تركيا باللائمة في قطع إمدادات الطاقة عن محطة علوك على الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، فيما باءت بالفشل كافة محاولات وضع المحطة تحت إشراف إدارة محايدة مثل إدارة الأمم المتحدة.

 

في ظل هذه الأزمة، يرى المزارع أحمد محمود، أن تركيا تعد مسؤولة بالدرجة الأولى عن تعطيش شمال سوريا، ويقول "تركيا تريد تجفيفنا ولا فرق (بينها وبين) داعش". يشار إلى أن تنظيم "داعش" سيطر على قرية أحمد محمود "عايد الصغير" لمدة ثلاث سنوات قبل دحر مسلحي التنظيم من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) عام 2017. ومنذ ذلك الحين، أصبحت القرية ضمن المناطق الخاضعة لسيطرة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الذي تتهمه تركيا بكونه الذراع السوري لحزب العمال الكردستاني الذي تعتبره منظمة إرهابية.

 

وليس محمود الوحيد الذي وجه لتركيا هذا الاتهام إذ أن الكثيرين في قريته "عايد الصغير" يعتقدون أن تركيا تتعمد منع تدفق المياه. بيد أن نيلوند قال إن هذا الزعم لا يمكن إثباته، مضيفا "تناقصت المياه كثيرا ونرى ذلك، لكننا بحاجة إلى إجراء المزيد من التحاليل لمعرفة السبب وراء انخفاض مستويات المياه". في المقابل، لم ترد وزارة الخارجية التركية على استفسارات دويتشه فيله في هذا الصدد.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة