الدين والدولة - التصوف في مصر

مصر - التصوف...أداة سياسية في يد الأنظمة السلطوية؟

التقاليد الصوفية في مصر تعود إلى مئات السنين المنصرمة. لكن في عهد السيسي بدأت الحكومة تدعم الصوفيين من أجل إضعاف الإسلام السياسي بما فيه من تيارات إسلامية وأخرى إسلاموية. ولذا يخشى البعض من أن يفقد التيار الصوفي جوهره من خلال هذا الدفعة الحكومية الداعمة. ومع ذلك فإن اتجاه التصوف ينتج أيضا ظواهر أخرى غير معتادة. كريستيان مايَر يسلط الضوء من القاهرة على علاقة الدولة بالمتصوفة.

يقول عصام عبده: عندما كان يقف على المنبر ويؤدِّي الذكر، فعندئذ كان الأمر كما لو أنَّه كان يطير. ثم كان يشعر بالطاقة تمتد إليه من زملائه مريدي الحضرة الصوفية، الذين يسلمون أنفسهم معه للطقوس الصوفية ويردِّدون لفظ الجلالة "الله" بشكل إيقاعي وبسرعة أكثر وأكثر وبصوت أعلى وأعلى، حتى النشوة. وعندئذ ابتعد عنه كلُّ شيء سلبي. يقول عصام عبده لقد كان ذلك مثل التأمُّل، ثم يضيف مستدركًا: لا، بل كان أفضل من التأمُّل؛ فأنت تصل بصوتك - وبروحك - إلى أقصى حدودهما.

مع ذلك فإنَّ عصام عبده نفسه لم يكن حتى صوفيًا، من أتباع التيَّار الصوفي الإسلامي. كما أنَّه لا يزال كذلك حتى اليوم. اضطر هذا الشاب المصري البالغ من العمر أربعة وثلاثين عامًا إلى ترك "الحضرة الصوفية" قبل عام، التي شارك في تأسيسها وكان ينشد فيها.

من أجل فهم أسباب ذلك، يجب علينا أن نعرف المزيد عن الصوفية - وعن مصر اليوم، بعد خمس سنوات من انتهاء حكم جماعة الإخوان المسلمين والاستيلاء على السلطة من قبل عبد الفتاح السيسي، الرئيس الذي تم انتخابه في ربيع عام 2018 لولاية ثانية.

صور السيسي على قِطَع الشوكولاتة في محل حلويات في مصر.   Foto: picture alliance/dpa/Sebastian Backhaus
شوكولاتة فاخرة مع أطيب تحيات الدكتاتور: عندما قام السيسي بخلع الرئيس محمد مرسي، كان يبدو أنَّ تأليه شخص هذا الرجل العسكري القوي الجديد كانت تنمو بشكل غير محدود. وبقدر ما كانت جراح الثورة كبيرة للغاية، بقدر ما كان يوجد حنين كبير للغاية إلى السلام والنظام.

من "جنون تعظيم السيسي" إلى الرفض العلني

عندما قام السيسي بخلع الرئيس محمد مرسي في الثالث من تمُّوز/يوليو 2013، كان يبدو أنَّ تأليه شخص هذا الرجل العسكري القوي الجديد كان ينمو بشكل غير محدود.

وبقدر ما كانت جراح الثورة وما تلاها من معركة بين الإسلاميين والثوَّار العلمانيين [الليبراليين] وأنصار النظام القديم كبيرة للغاية، بقدر ما كان يوجد حنين كبير للغاية إلى السلام والنظام، بحيث بات الكثير من المصريين سعداء برؤية رجل عسكري عاد ليمسك بزمام السلطة.

انتشر مصطلح "جنون تعظيم السيسي"، وظهر العديد من الأشياء الدالة على تقديس السيسي مثل الشوكولاتة وحتى الملابس الداخلية، وكان السياسيون والمواطنون العاديون يتسابقون في التعبير عن تمجيدهم له.

واليوم؟ يقول بعض المصريين عندما يدور الحديث حول الأوضاع الاقتصادية البائسة: "في عهد مبارك، كان كلُّ شيء أفضل". أو: "#ارحل_يا_سيسي" - وهو هاشتاغ انتشر من جديد على شبكة الإنترنت. لقد تأثَّر السيسي كثيرًا، لدرجة أنَّه قد علَّق على ذلك أيضًا أثناء أحد خطاباته واشتكى من أنَّ خدمته للبلاد لم تكن موضع تقدير. وبات الكثيرون يسخرون من الرئيس بشكل علني خاصة في الأوساط ذات التوجُّهات الغربية.

رئيس مصر الأسبق السجين محمد مرسي. Foto: picture-alliance/dpa/M. Hossam
الرئيس المصري السابق خلف القضبان: تم خلع محمد مرسي وسجنه من قبل الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي في شهر تموز/يوليو 2013 بعد احتجاجات جماهيرية. ثم أدَّت الاحتجاجات الشعبية من جانب الإخوان المسلمين والتي استمرت أسبوعًا إلى أكثر الأيَّام دموية في تاريخ مصر الحديث: بحسب منظمة حقوق الإنسان "هيومن رايتس ووتش" فقد تم قتل ما لا يقل عن 817 شخصًا عندما أقدمت قوَّات الأمن المصرية على فضّ اعتصام الإخوان المسلمين بصورة دموية. من جانبها تصنِّف حكومةُ الرئيس السلطوي السيسي جماعةَ الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية.

ولكن بطبيعة الحال فإنَّ نسبة التصويت التي حصل عليها السيسي وبلغت 97 في المائة في شهر مارس/آذار 2018 أثناء عملية إعادة انتخابه، وقد تم توجيهها بقوة، لم تكن نتيجةً مفبركةً تمامًا. وعلاوة على ذلك: هناك خوف يختلط بالسخرية. فبعد فترة قصيرة من تولي السيسي السلطة، بدأ النظام في الحدّ بشكل منهجي من حرِّيات المعارضة والمجتمع المدني، التي كانت قد زادت بشكل كبير أثناء الربيع العربي عام 2011.

كلُّ شيء تحت السيطرة

آخر إجراء اتَّخذه النظام هو قانون الإعلام الجديد. وبعدما صادق عليه الرئيس، أصبح نشرُ "الأخبار الزائفة" جريمة يعاقب عليها القانون، علمًا بأنَّ جميع المواقع الإلكترونية والمدُّونات والحسابات على شبكات التواصل الاجتماعي، التي يوجد فيها أكثر من خمسة آلاف مشترك، تعتبر بموجب هذا القانون من وسائل الإعلام. وعلى أية حال فإنَّ مصر تعتبر حاليًا بحسب منظمة "مراسلون بلا حدود" سجنًا "من أكبر السجون للصحفيين في العالم".

أمَّا بقية المجتمع المدني فحاله ليست أفضل بكثير. إذ لم يعد بإمكان المنظمات غير الحكومية أن تعمل في مصر إلَّا بشكل محدود للغاية منذ إصدار قانون جديد لتنظيم عملها. وقد أخطأ كلُّ مَنْ كان يتوقَّع أنَّ إعادة انتخاب السيسي يمكن أن تعني استعادة بعض الحرِّيات: فقد تم اعتقال العديد من المعارضين واتِّهامهم.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.