استولى النازيون الألمان على جزيرة كريت في أواخر مايو / أيار 1941 وبدأوا استخدامها كقاعدة استطلاع لمسافات طويلة باتجاه فلسطين.
الشرق الأوسط في الحرب العالمية الثانية

حين قصف النازيون فلسطين تحت الانتداب البريطاني

كُشِف النقاب حديثا عن صور جوية التقطها سلاح الجو الألماني النازي في أربعينيات القرن العشرين وهي تثبت أن اهتمام قيادة هتلر العسكرية النازية خلال الحرب العالمية الثانية بفلسطين -الواقعة تحت الانتداب البريطاني آنذاك- كان أكبر بكثير مما كان معروفا من قبل في السابق. التفاصيل من جوزيف كرواتورو لموقع قنطرة.

لم تكن فلسطين ساحة حرب للقوَّات الجوية الألمانية خلال الحرب العالمة الأولى وحدها، بل في الحرب العالمية الثانية أيضًا، فمن المعروف جيِّدًا أنَّ طيَّارين ألماناً من قسم الطيران البافاري 304 قاموا بين عامي 1917 و1918 بتصوير فلسطين بشكل شامل من الهواء، ولكن لم يكن يُعرف سوى القليل جدًا حول عمليات الاستطلاع الجوي العسكرية الألمانية فوق فلسطين بعد ذلك بربع قرن.

وهذا على الرغم من أنَّ هجمات سلاح الجو الألماني القليلة في حزيران/يونيو وتموز/يوليو 1941 على الانتداب البريطاني في فلسطين، التي تركَّزت بشكل رئيسي على مدينة حيفا الساحلية، قد تم وصفها من قِبَل دعاية الحرب النازية بأنَّها الضربات الأكثر نجاحًا ضدَّ الوجود البريطاني في منطقة شرق البحر المتوسط، إذْ كانت حيفا بمثابة "محطة الوقود الكبرى" لدى البريطانيين في المنطقة بسبب خط أنابيب النفط الممتد من مدينة الموصل العراقية إلى ميناء حيفا.

أثبت المؤرِّخان الإسرائيليان بنيامين ز. كيدار ودانيال أوزيل أنَّ سلاح الجو الألماني قام بالعديد من الطلعات الجوية فوق فلسطين قبل شهر حزيران/يونيو 1941 واستمرَّت - مثلما ظهر الآن - حتى شهر أيلول/سبتمبر 1944. وفي مقالهما الصادر بالعبرية في مجلة التاريخ الإسرائيلية "كاتدرا"، قيَّم المؤرِّخان ما لا يقل عن 286 صورة جوية ملتقطة في ذلك الوقت من قِبَل سلاح الجو النازي وكانت غير معروفة حتى ذلك الحين وعثر عليها بنيامين كيدار في الأرشيف الوطني الأمريكي في مدينة كوليدج بارك بولاية ماريلاند.

وقارن المؤلفان الصور الجوية الألمانية وتقييمهما لها مع سجلات الدفاع الجوي البريطاني في فلسطين من أجل الحصول على صورة واقعية بقدر الإمكان لمسار الطلعات الجوية الألمانية في ذلك الوقت (مقال "طيَّارو هتلر يصوِّرون أرض إسرائيل"، مجلة كاتدرا، العدد 177، كانون الثاني/يناير 2021، معهد ياد يتسحاق بن تسفي، القدس، باللغة العبرية).

 

صورة ملتقطة من قِبَل طائرة استطلاع ألمانية نازية لمنطقة حيفا في مايو / أيار عام 1941.  (photo: NARA, National Archives and Records Administration Washington)
بدأ البريطانيون بالاشتراك مع القوَّات الفرنسية الحرَّة في الثامن من حزيران/يونيو 1941 الحملة السورية اللبنانية ("عملية المُصَدِّر") وطلب المندوب السامي الفرنسي التابع لنظام فيشي هناك هنري فرناند دينْتٌز الدعم من سلاح الجو الألماني، الذي كان قد أرسل في ليلة العاشر من حزيران/يونيو نحو خمسين قاذفة قنابل باتجاه حيفا، ولا بدّ أنَّ طياريها كانوا مطلعين جيِّدًا على الأهداف الرئيسية في تلك المدينة.

 

فلسطين في متناول سلاح الجو الألماني

لم تصبح فلسطين في متناول سلاح الجو الألماني إلَّا بعد خوض الفيرماخت (الجيش النازي) حملة البلقان ومعركة اليونان في شهر نيسان/أبريل 1941 ونُقِل فيلق الطيَّارين العاشر المتمركز حتى ذلك الحين في صقلية إلى اليونان بقيادة الجنرال هاينتس آيزلَر. استولى النازيون على جزيرة كريت في نهاية شهر أيَّار/مايو وبات بإمكانهم استخدامها كقاعدة جوية بالإضافة إلى جزيرة رودس المحتلة من قِبَل إيطاليا.

وكانت أوَّلُ طائرة استطلاع ألمانية بعيدة المدى قد وصلت حيفا بعد ذلك بشهر. وعلى الأرجح أنَّ خلفية هذه الاستطلاعات الأولى كانت تكمن في سعي ألمانيا النازية إلى دعم قوَّات نظام فيشي المتحالفة مع الرايخ الثالث في لبنان وسوريا بهجمات جوية محتملة على أهداف بريطانية في فلسطين.

وسرعان ما بات الوضع حرجًا عندما بدأ البريطانيون بالاشتراك مع القوَّات الفرنسية الحرَّة في الثامن من حزيران/يونيو 1941 في الحملة السورية اللبنانية (المعروفة باسم عملية المُصَدِّر) وطلب المندوب السامي الفرنسي التابع لنظام فيشي هناك هنري فرناند دينْتْز الدعم من سلاح الجو الألماني، الذي كان قد أرسل في ليلة العاشر من حزيران/يونيو نحو خمسين قاذفة قنابل باتجاه حيفا. ولا بدّ أنَّ طياري هذه القاذفات كانوا مطلعين جيِّدًا على الأهداف الرئيسية في تلك المدينة.

وهذا واضح لأنَّ الصور الجوية الثلاث الملتقطة في الثامن والعشرين من أيَّار/مايو - والتي تعتبر أوَّل صور جوية نازية موثَّقة لفلسطين في ذلك الحين - قد أُرفقت بها على الأقل صفحتا معلومات تحملان العنوانين "الميناء" وَ "القاعدة الجوية". وبالإضافة إلى القاعدة الجوية البريطانية بحظائر طائراتها والطائرات البحرية، تم أيضًا تحديد أهداف أخرى في ميناء المدينة والمنطقة الصناعية وتشمل "الميناء التجاري (الحربي)" وَ "حوض مياه التبريد" وكذلك العديد من "مخازن الوقود" وَ "مخازن النفط الخام" بالإضافة إلى محطة السكك الحديدية ومحطة توليد الكهرباء في حيفا.

نيران مزعجة لـ"عملية المُصَدِّر"

وتلقت هذه الأخيرة (محطة الكهرباء) بشكل خاص معظم قنابل الطائرات في هذه الغارة الجوية الألمانية الأولى، التي واجهت دفاعات جوية بريطانية ثقيلة. ومع ذلك فقد تعرَّضت المحطة لأضرار طفيفة فقط، كما أنَّ القنابل الملقاة على منشآت النفط في الميناء وعلى منطقة سكنية بجبل الكرمل بالكأد قد تسبَّبت بأية أضرار لأنَّ الكثير منها لم ينفجر.

واستهدفت كذلك غارتان نازيتان في وقت لاحق ضمن إطار "عملية المُصَدِّر" البريطانية، التي استمرت حتى الرابع عشر من شهر تموز/يوليو 1941، مدينة حيفا التي أصيبت في حالة واحدة فقط من دون عواقب تستحق الذكر. وفي الغارة الثانية، ألقى الطيَّارون الألمان قنابلهم - إمَّا لأنَّهم كانوا قد وقعوا في خطر أو أخطؤوا مسار رحلتهم - فوق مدينة تل أبيب، حيث قتلت قنبلة عشرة أشخاص في مبنى سكني.

 

 طائرة استطلاع ألمانية نازية.  Eine deutsche JU88D; Foto: Deutsches Bundesarchiv/CC-BY-SA 3.0,CC BY-SA 3.0DE via Wikimedia Commons
ستٌ وخمسون صور جوية عالية الجودة: حلَّقت في السادس والعشرين من حزيران/يونيو طائرة يو (يونكرز) 88دي ألمانية بطريق طويلة بشكل غير عادي على ارتفاع اثني عشر ألف متر، حيث سارت في البداية من يافا إلى أريحا ثم عبر المطارات البريطانية في عمَّان والزرقاء إلى بحيرة طبريا التي كان يوجد فيها مطار بحري بريطاني، وحلقت في النهاية إلى حيفا. استغرقت هذه المهمة ساعة وأربعًا وعشرين دقيقة وهي أطول رحلة لطائرة استطلاع الألمانية فوق المنطقة خلال الحرب العالمية الثانية.

 

قامت خلال "عملية المُصَدِّر" البريطانية مجموعةُ الاستطلاع الألمانية الأولى (إف)/121 بالإجمال بعشر طلعات جوية استهدف معظمها حيفا وفي حالتين أيضًا المدينتين الساحليتين المجاورتين عكا وعتليت. وفي الرابع والعشرين من شهر حزيران/يونيو، حلَّقت طائرة يو (يونكرز) 88دي في طريق طويل بشكل غير عادي على ارتفاع اثني عشر ألف متر، حيث سارت في البداية من يافا إلى أريحا ثم عبر المطارات البريطانية في عمَّان والزرقاء إلى بحيرة طبريا التي كان يوجد فيها مطار بحري بريطاني، وحلقت في النهاية إلى حيفا.

استغرقت هذه المهمة ساعة وأربعًا وعشرين دقيقة طيران وهي تعتبر بذلك أطول رحلة لطائرة استطلاع ألمانية فوق المنطقة خلال الحرب العالمية الثانية - ويوجد منها وحدها ما لا يقل عن ست وخمسين صورة جوية عالية الجودة. ويستخلص من ملاحظات مقيِّمي الصور الألمان أنَّهم كانوا يستهدفون بالإضافة إلى طائرات البريطانيين البحرية في المقام الأوَّل أيضًا سفن البريطانيين الحربية في حيفا - وقد تعرَّضت هذه السفن في الواقع لهجمات متكرِّرة من قِبَل سلاح الجو النازي خلال "عملية المُصَدِّر".

دعاية الحرب النازية تحتفل بالغارة الجوية على حيفا

احتفلت دعاية الحرب النازية بأوَّل هجوم لسلاح الجو الألماني على حيفا باعتباره خطوة أخرى ضمن سلسلة بدا أنَّها لا تنتهي من نجاحات الألمان العسكرية خارج أوروبا وشمال أفريقيا أيضًا. وبعد أن قصف الطيَّارون الألمان الإسكندرية قبل ذلك بنيران كثيفة، تم وصف هذه الغارة بأنَّها أهم تقدُّم في الحرب داخل المنطقة الخاضعة للسيطرة البريطانية في منطقة شرق البحر المتوسط.

وذكر الألمان أنَّه لم تعد توجد هناك كنتيجة مباشرة "للنصر في كريت" أيةُ قاعدة بريطانية خارج "منطقة خطر سلاح الجو الألماني". وقد بالغت الصحافة النازية في حديثها حول قصف حيفا مدَّعيةً وقوع دمار كبير نجم عن "انفجارات في مستودعات الوقود ومنشآت الميناء".

وسرعان ما باتت تنتشر في الصحف النازية ليس فقط الصور الجوية الملتقطة من طائرات الاستطلاع الألمانية بعيدة المدى، بل وحتى تقارير من مراسلين حربيين شاركوا في طلعات استطلاع جوية، فقد اكتشف المؤرِّخ دانيال أوزيل في الأرشيف الألماني الاتحادي بجانب واحد من مثل هذه التقارير بعنوان "رحلة ليلية فوق حيفا" - تم نشره في التاسع عشر من تموز/يوليو 1941 في نشرة فيلق الطيَّارين العاشر الأخبارية "آدلر فون هيلاس" - أيضًا رواية مثيرة بشكل خاص كتبها شاهد عيان هو مراسل الحرب النازي المعروف هاينتس ليبشِر.

 

 منظر جوي لخليج العقبة على البحر الأحمر من طائرة استطلاع جوي ألمانية نازية عام 1941. Foto: NARA National Archives and Records Administration Washington
بعد بدء الفيرماخت (الجيش النازي) هجومه على الاتحاد السوفييتي في صيف عام 1941، تراجع تحليق طائرات الاستطلاع الألمانية فوق فلسطين. ويبدو أنَّ سلاح الجو النازي بات مهتمًا الآن -بالإضافة إلى اهتمامه بحيفا- خاصةً بالمواقع البريطانية في غزة وحولها وفي العقبة وعلى البحر الأحمر. وعلى الأرجح أنَّ هذا الاهتمام كان يرتبط بخطط لتوسيع حملة شمال أفريقيا باتجاه مصر.

 

شارك هاينتس ليبشِر في طلعة استطلاعية فوق حيفا يوم التاسع من تموز/يوليو 1941، وكان يجلس على أرضية طائرة يو 88 دي وكان يجب عليه في حالة الطوارئ أن يعمل كضابط رماية على المدفع الرشاش. وفي تقريره - الذي ربَّما لم يُنشر - أطلق هاينتس ليبشِر العنان لخياله في وصف الأضرار الناجمة عن الغارات الجوية السابقة في المنشآت النفطية في حيفا، ملاحظًا بحماس أنَّ "قاذفاتنا قد أنجزت عملًا لا تشوبه شائبة".

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة