المفاوضات النووية مع إيران

لعبة الصبر والأشواط الإضافية في ملف المفاوضات النووية

تمت متابعة المفاوضات الأخيرة حول البرنامج النووي الإيراني ببالغ الاهتمام خاصة في إيران، حيث راقبها الجميع، كما لو كانت حدثا رياضيا، وذلك فقط من أجل عدم تفويت أي شيء. ولكن مع ذلك فقد أسفرت نتيجتها مرة أخرى في نهاية المطاف عن انتقال فِرَق المفاوضين إلى شوط إضافي. الباحث الإيراني الألماني عدنان الطباطبائي يرصد لموقع قنطرة أهم تفاصيل المفاوضات النووية مع إيران في تحليله التالي.

اتَّفقت إيران والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي زائد ألمانيا (خمسة + واحد) في الرابع والعشرين من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2014 على تمديد الاتِّفاق المرحلي الذي تم اعتماده العام السابق حتى يوم الأوَّل من شهر تمّوز/ يوليو 2015. وحتى ذلك الموعد من المفترض التوصُّل إلى اتِّفاق شامل - أي إلى ما يعرف باسم "خطة العمل الشاملة المشتركة". وضمن هذا السياق من المقرَّر أن تتم صياغة اتِّفاق سياسي حتى الأوَّل من شهر آذار/ مارس القادم 2015.

وحتى ذلك الحين سوف تعود إيران إلى مواصلة العمل في برنامجها النووي. وسيتم خفض نشاطات البحث والتطوير ولن يتم استخدام أي من أجهزة الطرد المركزي الجديدة من طراز آي أر 5، القادرة على إنتاج كميات أكبر. وبالإضافة إلى ذلك فقد وافقت طهران على السماح بإجراء عمليات تفتيش موسَّعة في منشآتها النووية من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وفي المقابل سوف يبقى هناك جزء - حتى وإن كان جزءًا صغيرًا - من العقوبات الدولية المفروضة على إيران معلقًا بموجب الاتِّفاق المرحلي وستحصل إيران على سبعمائة مليون دولار شهريًا من أموالها المجمَّدة في الخارج (أي ما يبلغ مجموعه 4.9 مليار دولار أمريكي).

لم يكن من الممكن تحقيق ما هو أكثر، ومن جانبهم لم يكن وزراء خارجية الدول المشاركة يريدون التعليق رسميًا وبشكل محدَّد على السبب، بل سعوا إلى الحفاظ على الروح الإيجابية لهذه المحادثات، من خلال تأكيدهم على نجاح المفاوضات والمصالح المشتركة.

ما من شك في أنَّ نقطة التحوُّل في هذه المفاوضات تكمن في عدم قدرة الإدارة الأمريكية على الرد بشكل مناسب على التنازلات المقدَّمة من إيران كقيود لبرنامجها النووي. ففي آخر المطاف طالبت إيران بالرفع الفوري للعقوبات المفروضة عليها من قبل الولايات المتَّحدة الأمريكية والاتِّحاد الأوروبي والأمم المتَّحدة. ولكن على الأرجح قبل كلِّ شيء أنَّ الرئيس الأمريكي باراك أوباما لن يستطيع تمرير ذلك من خلال الكونغرس.

من الجائز التشكيك فيما إذا كان إنجاز هذا التحدي سوف يكون أسهل بعد سبعة أشهر. وكذلك من الجائز أنَّ الدعوة إلى الصبر والتفاؤل سوف تكون أمرًا أصعب. فعلى الرغم من النجاحات الجزئية، إلاَّ أنَّ المفاوضين لا يزالون بعيدين عن التوصُّل إلى اتِّفاق شامل.

الملف النووي المزعج

وفي تلك الأثناء انتشرت خاصة لدى الشعب الإيراني حالة من التفاؤل بإمكانية الاحتفال في الرابع والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر 2014 بإبرام صفقة نووية. فعلى العكس مما عليه الحال في دول خمسة زائد واحد، فإنَّ هذه المفاوضات لا تزال تُتابع في إيران ببالغ الاهتمام. وفي الحقيقة لقد كان الأمل كبيرًا في نجاح المفاوضات هذه المرة - وفي هذا الصدد كانت هذه الفكرة بالطبع وليدة الرغبة.

إنَّ جميع الإيرانيين - وبصرف النظر عن فئاتهم الاجتماعية - منزعجون من النزاع حول البرنامج النووي. وحتى أولئك الذين يشيدون بالبرنامج النووي الإيراني باعتباره مشروع "الفخر الوطني" و"المقاومة ضدّ القوى الغربية المتغطرسة" - باتوا يتوقون إلى اليوم الذي لا يعود يُنظر فيه إلى وطنهم فقط وبصورة حصرية من خلال منظار الملف النووي.

من الممكن أن يعمل هذا على فتح الطريق لتحسين العلاقات الدولية. ومن خلال تحسين العلاقات الخارجية من الممكن أن يشهد بالتالي في نهاية المطاف اقتصاد إيران من جديد انتعاشًا اقتصاديًا مهمًا. وسوف يتم أخيرًا -حتى وإن كان بصورة تدريجية- رفع نظام العقوبات الذي يثقل كثيرًا جدًا منذ زمن بعيد كاهل الشعب - ولا يثقل على كاهل النخبة السياسية.

ومن الممكن أن يترافق مع هذه المصالحة على مستوى السياسة الخارجية تخفيف في حدة التطرُّف على مستوى السياسة الداخلية. وفي آخر المطاف من الممكن أن تخرج حكومة الرئيس حسن روحاني -التي تم انتخابها من أجل هذا الهدف بالذات- أقوى في الصراع مع خصومها المحافظين المتطرِّفين. وهكذا سوف تكون لدى الكتل السياسية المعتدلة ولدى الإصلاحيين فرصة جيّدة من أجل الحصول على الأغلبية في الانتخابات البرلمانية المقرّر إجراؤها في مطلع عام 2016.

شعارات الصمود واللعب بالصبر

ولكن هل يستطيع الشعب الإيراني الانتظار طيلة هذا الوقت؟ هناك شعار من الشعارات الإيرانية المنتشرة على نطاق واسع يقول: "قليل من الصبر ويقترب الفجر" - بطبيعة الحال يلاحظ المرء استمرار التفاؤل لدى المتحاورين العاملين في السياسة. وهم يدركون أنَّ مثل هذا الحدث السياسي المهم يحتاج وقتًا وأنَّ الاتِّفاق الذي سيتم التوصُّل إليه بعد فترة طويلة من المفاوضات المتعبة سوف يكون اتّفاقًا نهائيًا ثابتًا.

ولكن في الواقع إنَّ الإيرانيين - وخاصة الذين يعانون في حياتهم اليومية من آثار العقوبات ومن المناخ السياسي الذي لا يزال متوترًا - لا يوجد لديهم الكثير من الوقت من أجل المعنى الرمزي لصورة تجمع وزراء خارجية الدول الخمس زائد واحد مع مفوَّضة الاتِّحاد الأوروبي للشؤؤن الخارجية، كاثرين آشتون (سابقًا) ووزير الخارجية الإيراني جواد ظريف.

Irans Präsident Hassan Rohani; Foto: Reuters
دعم للرئيس حسن روحاني من قبل النخب المحافظة ومرشد الثورة علي خامنئي - يرى الخبير عدنان الطباطبائي أنَّ "حسن روحاني وجواد ظريف سوف يبقيان في منصبيهما حتى في حال فشل المفاوضات. وعندئذ سوف تتم الإشادة بهما، لأنَّهما لم يوافقا على التوصُّل إلى اتِّفاق بأي ثمن ودافعا عن مصالح البلاد".

وهؤلاء الناس لن تكفيهم حقيقة أنَّ هذه الصورة والتصريحات الصحفية جاءت لتقول إنَّ تمديد المفاوضات يعتبر أكثر من مجرَّد حلّ خجول. إذ إنَّهم يريدون أخيرًا التوصُّل إلى اتِّفاق وإنهاء فترة المعاناة.

يضاف إلى ذلك أنَّ منتقدي المفاوضات النووية سوف يحاولون بدورهم اغتنام من هذه الفرصة وسوف يعلنون أنَّهم كانوا محقين تمامًا في كون هذه المفاوضات لن تؤدِّي إلى أية نتيجة. تنصبّ شكوك هؤلاء المنتقدين على كون الولايات المتَّحدة الأمريكية غير جديرة بالثقة كشريك في المفاوضات، وأنَّ الإيرانيين لا يمكن أن يعتمدوا -حتى في حالة وجود اتِّفاق- على أنَّ الطرف الآخر سوف يفي بالتزاماته.

مرشد الثورة مع مواصلة المفاوضات

ولكن على الرغم من أنَّ هؤلاء المشككين، الذين يطلقون على أنفسهم في إيران أيضًا اسم "القلقين"، يتهجَّمون على هذه المفاوضات - وكثيرًا ما يعقدون مؤتمرات بشكل منتظم وقد أنشأوا لذلك موقعًا إلكترونيًا خاصًا بهم، إلاَّ أنَّ المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، آية الله علي خامنئي، لا يزال يقدِّم دعمه لفريق التفاوض بقيادة وزير الخارجية جواد ظريف.

وفي كلمة ألقاها أمام رجال دين من السُّنة والشيعة من مختلف أنحاء المنطقة، أكَّد خامنئي قبل فترة قصيرة على أنَّ الغرب لم ينجح ولن ينجح أبدًا في إجبار إيران على الركوع. ومن خلال إشارته إلى المفاوضات النووية أضفى خامنئي الشرعية على فريق وزير الخارجية جواد ظريف، في دور الدفاع عن مصالح إيران.

وبناءً على ذلك فلا وزير الخارجية جواد ظريف ولا الرئيس حسن روحاني سوف يضطران في هذه المسألة إلى الخشية من الدخول في خلافات محتملة مع مرشد الثورة. إذ إنَّ الأركان الأساسية والخطوط الحمراء التي يجب التفاوض حولها في البرنامج النووي، قد تم التوافق عليها ليس فقط مع مرشد الثورة، بل كذلك مع أعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني ومع كبار جنرالات الحرس الثوري ومستشاري مرشد الثورة لشؤون السياسة الخارجية.

وعلى هذه الأرضية يقوم الأساس السياسي الداخلي الصلب الذي يستطيع الاعتماد عليه فريق التفاوض الايراني في المفاوضات النووية. وبعبارة أخرى إنَّ إيران تعتمد على أساس سياسي داخلي متين. وإذا تم التوصُّل إلى اتِّفاق، فإنَّ حكومة حسن روحاني سوف تتمكَّن أيضًا من تطبيقه على مستوى السياسة الداخلية.

انتكاسة وخيمة العواقب

Atomverhandlungen in Wien; Foto: AP
الانتقال إلى شوط إضافي - على الرغم من تحقيق بعض التقدمات في المفاوضات التي جرت في فيينا، ولكنها لم تكن على الأرجح كافية من أجل التوصُّل إلى اتِّفاق نهائي. والآن تقرَّر تمديد المحادثات النووية بين مجموعة دول خمسة زائد واحد وإيران لنحو سبعة أشهر.

لكن مع ذلك من المحتمل أنَّ دول خمسة زائد واحد قد فقدت مثل هذه القدرة على التفاوض. فقد بات من المحتمل أن يوافق خاصة في الولايات المتَّحدة الأمريكية وزير الخارجية الأمريكي جون كيري على اتِّفاق نووي نهائي، يرفضه بعد ذلك الكونغرس الأمريكي. ورفع العقوبات، الذي يمثِّل طلب إيران الرئيسي، لا يمكن أن يتم إلاَّ بموافقة الكونغرس. وهذا الواقع يجعل فشل المفاوضات أمرًا ممكنًا جدًا.

يرى بعض المراقبين أنَّ هذا سوف يكون بمثابة انتكاسة وخيمة العواقب بالنسبة للرئيس حسن روحاني، من الممكن أن تُكلِّفه رئاسة إيران. وكذلك يعتقد المراقبون أنَّه سوف يتم حينئذ عزل وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف من منصبه. سنحصل على مثل هذا الانطباع قبل كلِّ شيء إذا نظرنا إلى المحافظين المتطرِّفين -المذكورين أعلاه- باعتبارهم يشكِّلون عاملاً حاسمًا في إيران.

ولكن مع ذلك إذا تابعنا خطاب النظام على أعلى المستويات، فسيتَّضح لنا أنَّ حسن روحاني وجواد ظريف سوف يبقيان في منصبيهما حتى في حال فشل المفاوضات. وعندئذ سوف تتم الإشادة بهما، لأنَّهما لم يوافقا على التوصُّل إلى اتِّفاق بأي ثمن ودافعا عن مصالح البلاد.

وفي هذا الصدد جاءت تصريحات أهم السياسيين في إيران -مثل رئيس مجلس صيانة الدستور آية الله أحمد جنتي، ورئيس القوَّات المسلحة الإيرانية الجنرال حسن فيروز ابادي، وكذلك رئيس القضاء آية الله صادق لاريجاني- مشابهة لتصريحات مرشد الثورة علي خامنئي.

ومع ذلك فمن الصعب التنبؤ فيما إذا كان المواطنون الإيرانيون سوف يتبنون في حال فشل المفاوضات هذا الدعم الذي يتمتَّع به روحاني وفريق مفاوضيه من قبل النخبة السياسية. فبالنسبة للمواطنين الإيرانيين توجد قضايا أكثر من مجرد هذا الملف النووي.

 

 

عدنان الطباطبائي

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: قنطرة 2014

 

عدنان الطباطبائي خبير سياسي مختص في شؤون إيران، يعيش حاليًا في برلين.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : لعبة الصبر والأشواط الإضافية في ملف المفاوضات النووية

انا من الجزا ذر فلسطين دولة عربية مسلمة وإلى الأبد

السلام 14.01.2015 | 00:05 Uhr