يخشى محللون من حدوث انهيار شامل في لبنان بعد التدهور المريع في العملة المحلية ما قد يدخل البلاد في نفق مظلم
الياس خوري: لماذا لا نملك أدباً بوليسياً؟

لبنان: انهيار القضاء وقَدَر المافيا

الياس خوري يكتب: نسأل لماذا لا نملك أدباً بوليسياً؟ من أين نجلب لكم الروايات البوليسية في بلاد بلا قضاء ولا بوليس. الطبقة الأوليغارشية الحاكمة تتصرف بصفتها انتهت. فمتى تمضي كي نستطيع أن نفكر ونكتب ونتوقف عن التكرار؟

مع  رواية آغاثا كريستي «جريمة في قطار الشرق السريع» عادت بي الذاكرة إلى «ألف ليلة وليلة» وإلى حكاية الخيّاط والأحدب واليهودي والمباشر (العامل في مطبخ السلطان) والنصراني، التي تبدأ في الليلة الرابعة والعشرين وتمتد إلى ما شاء الله.

في كل مرة عدت فيها إلى حكايات شهرزاد المدهشة ازددت اقتناعاً بأن هناك سراً في هذا الكتاب، ولعل سره الأكبر هو أنه لا مؤلف له، كأن قصصه تؤلف نفسها بنفسها، أو كأن الحياة خيط ملفوف من الحكايات التي لا نهاية لها، ولا بداية.
قصة الرواية معقدة، لكن سرعان ما تنحلّ عقدتها أمام عبقرية الشرطي السري هيركول بوارو، الذي يكتشف أن جريمة قتل صموئيل راتشد شارك فيها الجميع.

بناء الرواية معقد وذو مسالك متشعبة، لكنه يتكشف ببطء أمام سلاسة الأسلوب وعبقرية السرد.

في الرواية كما في حكاية «ألف ليلة وليلة» الكل شارك في القتل. لكن الرواية يجب أن تصل إلى استنتاج منطقي، وهذا ما يفعله المحقق، حين اعتبر أن القتيل يستحق المصير الذي آل إليه. أما في حكاية الخياط والأحدب… فنحن أمام محاولة التخلص من جثة الأحدب الذي مات مختنقاً بحسكة سمكة كبيرة علقت بزلعومه في منزل الخياط.

الخياط الذي لفته منظر الأحدب المضحك فدعاه إلى منزله، وجد نفسه في ورطة. هنا بدأ مسلسل التخلص من الجثة. الخياط يترك جثة الأحدب في منزل الطبيب اليهودي، الطبيب يتخلص من الجثة عبر وضعها على شرفة منزل المباشر في مطبخ السلطان، الذي يتخلص منها بدوره فيحملها ويضعها أمام دكان قريب، يمر نصراني سكران يعتقد بأن الأحدب يريد سرقة عمامته فيقتله. وعندما تصل القضية إلى الوالي يأمر بإعدام النصراني، وهنا تحدث المفاجأة فيظهر الطبيب ويعترف، وتتوالى سلسلة الاعترافت. كل واحد من المشاركين في الحكاية يعتقد أنه هو المجرم.

وتنتهي الحكاية بين يدي الملك الذي طرب لها، وقبل أن يصدر حكمه سأل الحاضرين: «هل سمعتم مثل قصة هذا الأحدب»؟ ويبدأ الجميع في رواية حكاياتهم الغريبة. قلت إن الحكاية تنتهي هنا، لكنها تحول نهايتها إلى بداية لمتوالية جديدة من الحكايات.

في حكاية «ألف ليلة وليلة» كما في رواية آغاثا كريستي، هناك جريمة قتل، لكن حبكة العملين ليست حول الجريمة نفسها بل حول المسار الجرمي. في الرواية يسعى المحقق لكشف هذا المسار، أما في الحكاية فإن بنية الحكاية تكشف نفسها بنفسها، لأن هدف الراوي هو فتح أبواب حكايات جديدة.

كنت أشاهد القاضية اللبنانية غادة عون، وهي تكسر أبواب إحدى الشركات محاطة بصيحات الاستحسان من أنصارها من جماعات التيار العوني، عندما رأيت أمامي مشاهد من الفيلم، وتجسدت أمامي ظلال حكاية «ألف ليلة وليلة».
سألت نفسي، ماذا يجري في لبنان على المستوى القضائي؟

لا ينطلق سؤالي فقط من حادثة القاضية العونية التي أصرت على أن تداهم بنفسها، بعدما تم ما يشبه عزلها من قبل رئيسها المباشر، بل ينطلق أيضاً من إحالة عشرات الشبان اللبنانيين إلى المحكمة العسكرية بتهمة الاشتراك في الإخلال بالأمن خلال انتفاضة 17 تشرين! والطريف أن ملفات القضايا المرفوعة على هؤلاء المناضلين فارغة أو شبه فارغة.
 

أما حكم محكمة التمييز العسكرية ببراءة المقدم سوزان الحاج، من تلفيق تهمة العمالة لإسرائيل للممثل المسرحي زياد عيتاني، فهو دليل على أن الممثل زياد عيتاني هو كل اللبنانيين الذين يُنكّل بهم. فالتعذيب الوحشي الذي تعرض له الممثل كان تجسيداً لحفلات التنكيل التي يتعرض لها اللبنانيون. علماً أن أحدهم امتطى التلفزيون ليعلن أن القديسة ريتا تدخلت لإثبات البراءة!

قلت إن المسألة تتجاوز القضاء، فانيهار القضاء هو جزء من قَدَر انهيار سلطة المافيا، التي تجد نفسها اليوم في ورطة انحلال الدولة، فتنهش عناصرها بعضها البعض، وتلقي باللوم على شركائها.
إنها لعبة جثة الأحدب، التي رميت من مكان إلى مكان، وشارك الجميع في قتلها.

نحن الآن في مرحلة حدباء، اسمها التنافس على قتل الجثة والصراع على التهرب من المسؤولية.
لا توجد أية ميزة لطرف على الأطراف الأخرى، باستثاء الصَلَف العوني وتبجحه بالكلام الفارغ.
لذا، فأنا أصدقهم كلهم. ما يقوله العونيون عن الحريري وبري وجنبلاط صحيح.
وما يقوله بري والحريري وجنبلاط عن عون وصهره المدلل صحيح أيضاً. وما يقال عن حزب الله صحيح، وما يقوله الحزب عن الفساد صحيح أيضاً.

المشكلة أن الحقيقة تأتينا مجزأة وبلا سياقاتها. ما قيل ويقال عن حاكم مصرف لبنان صحيح، وما تقوله المصارف عن الدولة وفسادها صحيح أيضاً، وما يقال عن المصارف وتلاعبها ونهبها لا شك في صحته.
«قرطة» من الحرامية والمجرمين حولوا لبنان إلى ممسحة، وجعلوا من اللبنانيات واللبنانيين شحاذين.

عندما نقرأ رواية آغاثا كريستي أو حكايات «ألف ليلة وليلة» نشعر بمتعة التركيب المعقد في الرواية، وبسحر السرد في الحكايات. أما في هذه القصة اللبنانية التي تتكرر، فلا نشعر سوى بالسأم.

لم يعرف تاريخ الجريمة مجموعة إجرامية بمثل هذا الفقر في الخيال. «العمى» على الأقل استروها. أين الذكاء؟
كنت أعتقد أن هذه العصابة تمتلك القدرة على تزوير المنطق وتلفيقه، فإذا بها تبدو كمجموعات من المخبولين.
ونسأل لماذا لا نملك أدباً بوليسياً؟
من أين نجلب لكم الروايات البوليسية في بلاد بلا قضاء ولا بوليس. الطبقة الأوليغارشية الحاكمة تتصرف بصفتها انتهت. فمتى تمضي كي نستطيع أن نفكر ونكتب ونتوقف عن التكرار؟

 

الياس خوري

حقوق النشر: الياس خوري2021

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة