بعد هجمات إرهابية باسم الإسلام في فرنسا والنمسا

الاشتباه بجميع المسلمين له نتائجه العكسية

الرد بمصداقية على الهجمات الإرهابية التي يُزَجّ فيها اسم الإسلام يتطلب التعاون مع علماء المسلمين ومع الجمعيات الإسلامية في أوروبا، بدلًا من وضع المسلمين جميعاً في دائرة الشبهة. محمد سمير مرتضى يستحضر في تعليقه التالي خاصية الإحسان إلى الغير الدينية الرابطة بين المسيحيين واليهود والمسلمين كحل للإشكالية.

إرهاب شنيع ارتُكِبَ باسم الإسلام حاشِيًا وَعْيَنا مجددًا بصور أعمال عنف همجية اُقتُرِفَتْ في فيينا النمساوية ونيس الفرنسية وفي إحدى ضواحي باريس، وقد أحزننا جميعًا سماع مثل هذه الأخبار. ولكن، ماذا يمكن القول أو الكتابة عن مثل هذه الأعمال الوحشية؟ وكيف يمكن أن نصف هذه الفظاعات التي تعجز عن وصفها الكلمات؟

ولكن ما أن يمر وقت قصير حتى يدرك المرء أنه يعرف بالضبط ما يمكنه قوله أو كتابته بعد أن يكون قد توفر الكثير للغاية مما نسمعه ونقرأه في هذا السياق، وها نحن منذ حوالي عشرة سنوات لا نزال نسمع الجُمَل نفسها مُكَرَّرة من الأوساط ذاتها بأوسع اختلافاتها.

ففي حين يعبر السياسيون عن ذعرهم وعن تعاطفهم ينأى ممثلو الجمعيات الإسلامية بأنفسهم عما حدث، وبدورهم يتهم المنتقدون المسلمون وغير المسلمين لهذه الجمعيات الإسلامية بأنها لم تَنْأَ بنفسها بصورة كافية عن هذه الهجمات، أو بأنها لا تتصرف بشكل كافٍ؛ في حين تشير هذه الجمعيات بدورها إلى أن المتطرفين لا يخرجون من المساجد، وأنهم بذلك يقعون خارج نطاق قدرة هذه الأوساط على التصرف معهم.

وخلال ذلك تنشر أبواق اليمين المتطرف بسرور رسائل الكراهية التي كانت قد أعدتها قبل مدة طويلة ضد المسلمين، وتدعو إلى مقاومة الإسلام. كل طرف لديه نصه الجاهز، وينتظر تأدية دوره؛ ولا يتغير شيء، كما لو كنا في مسرحية بانتظار مشهدها التالي.

 

فرنسا: جنازة  بعد مقتل قس في كنيسة في منطقة نورماندي على يد متطرفين إسلامويين يبلغ كلاهما  19 عامًا من العمر، في أغسطس / آب 2016. (Foto: Getty Images/AFP/C. Triballau)
عدم القدرة على الرد ببراعة على الاستفزازات المتصوَّرة: يجب في الوقت نفسه الحديث عن أوجه القصور لدى الجالية المسلمة في فرنسا، والتي تعيش وكأنها في جُزُر ذاتية -مآلها إلى الإخفاق نتيجة استنساخها للهياكل الاجتماعية المعمول بها في الوطن الأم وتطبيقها في الموطن الجديد- بالإضافة إلى غياب فهم حرية التعبير في نصف الكرة الأرضية الغربي -والتي تم النضال لأجلها في مواجهة اضطهاد الكنيسة- بالإضافة إلى العقلانية المفقودة التي تتجلى في صعوبة التفريق بين رسم كاريكاتوري وبين النبي محمد [ﷺ] أو بعدم القدرة على الرد ببراعة على الاستفزازات المتصورة، كما يكتب محمد سمير مرتضى. الصورة في فرنسا من مراسم جنازة بعد مقتل قس في كنيسة في منطقة نورماندي على يد متطرفين إسلامويين يبلغ كلا منهما 19 عامًا من العمر، في أغسطس / آب 2016.

 

تقصير الدولة والمجتمع الإسلامي في أوروبا

تناول الكثير من الكتّاب تكوين الإرهاب المرتَكَب باسم الإسلام بالتفصيل، ومنهم كاتب هذه السطور أيضًا، كما تم تناول الإجراءات التي يمكن اتخاذها لمواجهة هذا النمط من التطرف بالتفصيل أيضًا.

بالإمكان بكل تأكيد الكتابة عن مشاكل محددة تعاني منها الدولة الفرنسية، تجعلها عرضة لهذا النوع من الإرهاب، فهناك التاريخ الاستعماري الذي لم تتم معالجته، وضغط الإدماج في المجتمع الفرنسي وما يرتبط به من المشاعر المعادية للمسلمين، وغياب إمكانية تدريس العقيدة الإسلامية على المستوى الأكاديمي بسبب مبدأ علمانية الدولة، بالإضافة إلى المشكلات الاجتماعية والتقصير الاقتصادي في فرنسا، والتي أدت إلى إهمال الضواحي.

كما يجب في الوقت نفسه الحديث عن أوجه القصور لدى الجالية المسلمة في فرنسا، والتي تعيش وكأنها في جُزُر ذاتية -مآلها إلى الإخفاق نتيجة استنساخها للهياكل الاجتماعية المعمول بها في الوطن الأم وتطبيقها في الموطن الجديد- بالإضافة إلى غياب فهم حرية التعبير في نصف الكرة الأرضية الغربي -والتي تم النضال لأجلها في مواجهة اضطهاد الكنيسة- بالإضافة إلى العقلانية المفقودة التي تتجلى في صعوبة التفريق بين رسم كاريكاتوري وبين النبي محمد [ﷺ] أو بعدم القدرة على الرد ببراعة على الاستفزازات المتصورة.

بالإمكان هنا الإشارة أيضًا إلى أن ألمانيا قد حققت إنجازات أفضل بكثير من جارتها فرنسا فيما يخص السياسات المتعلقة بالاندماج والدين، ففي ألمانيا لا توجد إشكالية الإقصاء الدائم للمواطنين المسلمين التي تدفع إلى العنف الرجعي المضاد.

من جانبهم تناول كُتَّابٌ كثيرون آخرون من قبل هذه القضايا -ويتناولونها في هذا الوقت أيضًا- بناءً على سيناريو جاهز، ولذلك لا يتغير شيء: باستثناء ما يخص أقارب الضحايا وعائلاتهم الذين لن يعود الزمن بالنسبة إليهم إلى ما كان عليه سابقًا على الإطلاق.

المسلمون بوصفهم شركاء في النضال ضد الإرهاب

تتزايد الهجمات الإرهابية ذات الدوافع اليمينية أو اليسارية أو الدينية في أوروبا، لكن لا يجب أن يتنامى تقبّلها كما لو أنها أمر اعتيادي، فهذا اليأس لا يشجع إلا مرتكبي أعمال العنف بل ويقويهم.

إنَّ وضع المجتمع الديني -[المجتمع الإسلامي] الذي أنتمي أنا إليه أيضًا- ضمن دائرة الاشتباه بالجملة هو ليس حَلًّا كذلك، بل إنه خطأ فادح لا يجلب سوى تلاميذ جدد للتطرف، وما ينبغي أن تخطر في بال أحد فكرةُ وضع غالبية السكان [المسلمين] في دائرة الاشتباه العام خصوصًا بعد وقوع هجمات إرهابية [ضد بعضهم] قام بها اليمين المتطرف في ألمانيا.

وبالمثل لم يكن ليخطر ببال أحد أن يضع المسيحية في دائرة الاشتباه العام عقب الهجوم الإرهابي الذي قام به [النرويجي] أندِرْس بريفيك باسم المسيحية. فما نحتاج إليه بدلًا من ذلك هو التعاون ضد الإرهاب الإسلاموي، وهذا يحتاج لعلماء المسلمين وجوامعهم وجمعياتهم بوصفهم شركاء في المجتمع المدني، كما نحتاج إلى الصبر والنَفَس الطويل. ولكن إذا واصلْنا تجريم الإسلام -هذا الدين العالمي- والمواطنين المسلمين في مجتمعنا فسوف نفقد دعمهم الذي توجد حاجة ماسة إليه في الكفاح ضد الإرهاب المرتَكَب باسم الإسلام.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة