تاريخ الحج وطقوسه

تاريخ بناء الكعبة وقصفها بالمنجنيق وسرقة الحجر الأسود وطواف العري ومتعة الحج...

قليلون يعرفون أن للكعبة تاريخ مضطرب مثل كل البقاع المقدسة في العالم تلفه الأساطير ويمنع المقدس من الخوض فيه. وعلى مر تاريخ هذا المكان الذي يعتقد المسلمون أن آدم عندما نزل أول مرة من الجنة سكن به هو وزوجه حواء، وأن الحجر الأسود الذي بنيت حوله الكعبة مصدره الجنة، وعلى مر العصور عبرت المنطقة واستقرت بها شعوب وقبائل مارست طقوسا دينية مختلفة فيها ما هو روحي وما هو وثني، والكثير من تلك الطقوس، كما يوضح علي أنوزلا، حافظ عليها الإسلام بعد أن أعطاها بعداً روحياً لتتحول إلى شعيرة دينية يمارسها الحجاج اليوم عند أدائهم فريضة الحج.

يعتبر الحج واحد من فرائض الإسلام الخمسة، وقد حوّل استمرار فعل "الحج"، أي الزيارة إلى نفس المكان الذي طاف به نبي الإسلام قبل أكثر من أربعة عشر قرنا، المكان إلى واحد من أكثر بقاع العالم اليوم تقديسا يجتمع فيه أثناء تأدية مناسكه أكثر من ثلاثة ملايين حاجة وحاج يتواجدون في نفس المكان والزمان في أكبر تجمع بشري على وجه الأرض،  ويتوافد عليه طيلة العام أضعاف أضعاف هؤلاء من ملايين المعتمرين، أي الزائرين خارج الموسم الرسمي للجج الذي يكون يوم 10 ذي الحجة من كل سنة هجرية.

وإذا كان المسلمون عامة لا يجادلون في قدسية هذا المكان وقدسية طقوسه التي فرضها عليهم دينهم وتوارثوها عن سيرة نبيهم، إلا أن تاريخ بناء البيت المسمى اليوم "الكعبة" يلفه الكثير من الغموض الذي لا يزيد سوى من الرفع من قداسته عند من يؤمنون بتلك القداسة.

فالمسلمون يعتقدون أن الكعبة" التي يصفها القرآن بأنها أقدم بيت" للعبادة على وجه الأرض، إنما بناه الملائكة (1) حتى قبل أن ينزل آدم إلى الأرض، وتعرض للهدم بعد الطوفان الذي شهده عهد النبي نوح، ليبنيه من جديد نبيا الله إبراهيم وإسماعيل. ودليل المسلمين على ما يقولون هو القرآن الذي يشير بوضوح إلى أن البيت المسمى "الكعبة المشرفة" اليوم بناه إبراهيم وابنه إسماعيل. (2)

وحسب نفس الرواية الإسلامية فإن هذا البيت إنما اكتسب قداسته أيضا لأن أحد الملائكة هو جبرائيل تدخل أثناء بنائه وقدم لإبراهيم وإسماعيل الحجر الأسود الذي يعتقد المسلمون أن مصدره الجنة وهو الحجر الذي يتبرك به المسلمون أثناء الطواف حول البيت الذي يحمل هذا الحجر في أحد أركانه(3).

الكعبة في العهدين القديم والجديد

وهناك من الباحثين من يذهب إلى القول بأن الكعبة ذكرت أيضا في العهدين القديم والجديد. ويستشهد هؤلاء بما جاء من إشارات إليها في "سفر التكوين " (4) الذي يروي كيف أن هاجر أم إسماعيل، عندما طردتها ساري (أو سارة) أو هربت من عذابها، وكانت هاجر أَمَة عند سارة زوجة إبراهيم الأولى، تاهت في الصحراء حتى وجدها ملاك ودلها على عين في البرية سميت بـ "بئر الحي الرحيم"، ويَعتقد المسلمون بأنها هي بئر زمزم اليوم.

وفي رواية أخرى من "سفر التكوين" (5) تحكي أن إبراهيم عندما خرج هو وزوجته الثانية هاجر من مصر توجه نحو القبلة، وفي نصوص أخرى نحو الجنوب، إلى أن بلغ أرضا تعتبر ممرا للقوافل وبنا فيها "مذبحا" أي هيكلا مقدسا. كما أن العهد القديم يحفل بذكر "برية فاران" على اعتبار أنها موطن النبي إسماعيل، ويعتقد الكثير من المؤرخين والمفسرين أن المقصود بها هو أرض الحجاز اليوم حيث توجد مكة المكرمة.

أما في  "العهد الجديد" (إنجيل المسيحيين) فقد ورد في بعض نسخه ذكر اسم "وادي بكة" (6)، الذي يتخذه بعض المسلمين حجة قاطعة على أن "الإنجيل" الذي يعني "البشارة" بشر بالدين الجديد أي دين الإسلام، بينما يعتبر آخرون أن ذكر كلمة "بكة" إنما جاءت في الكتاب الذي تم تحريفه، ولذلك نجد هذه الكلمة قد تحولت في بعض نسخ الإنجيل إلى "وادي البكاء" وليس "وادي بكة".

وبعيدا عن هذه المعتقدات الدينية التي تبقى مسلمات بالنسبة لأصحابها لا مجال هنا للدخول في مناقشتها، فإن للكعبة تاريخ آخر، هو تاريخها الاجتماعي الذي نجده في الأشعار والروايات والكتب.

ويبقى المهم في كل ما سبق هو أن "الكعبة" كمكان مقدس كانت موجودة قبل الإسلام، وكان يحج إليها الناس من كل مكان في محيطها الشاسع الذي يعرف اليوم بشبه الجزيرة العربية. فمكة كانت حتى قبل مجيء الإسلام ملتقى طرق كبير بحكم موقعها الجغرافي في قلب شبه الجزيرة العربية تتوافد عليها القوافل التجارية التي كانت تعبر المنطقة ذهابا وإيابا من الشمال نحو الجنوب ، ومن الغرب نحو الشرق. وكان للحج موسم عند العرب القديمة يقابل فصل الربيع والخريف، وكان يمتد لمدة ثلاثة أشهر  حتى يتمكن أكبر عدد من الحجاج من كل مناطق شبه الجزيرة العربية الحضور إلى ما كان يعتبر أكبر ملتقى تجاري وثقافي في ذلك الزمان.

وكانت أشهر الحج تعرف عند العرب  بالأشهر الحرام، وسميت كذلك لأن العرب اتفقت على تحريم القتال فيما بينها خلال فترة الحج (7). وبسبب شهرة مكة في ذلك الزمن القدم كملتقى تجاري كبير، حاولت الكثير من القبائل العربية أن تبنى لنفسها "بيوتا مكعبة" أو "كعبات" في إطار التنافس التجاري بينها لتُشَدّ إليها رِحال القوافل التجارية آنذاك. وعندما جاء الإسلام كانت توجد في شبه الجزيرة العربية أكثر من كعبة، وكانت توجد بكعبة مكة عدة أصنام لكل قبيلة عربية صنمها بل ولكل قبيلة عربية "تلبيتها" أي دعوتها أثناء طوافها حول الكعبة وكلها كانت تبدأ بالتلبية التي مازال معمول بها حتى اليوم: "لبيك اللهم لبيك.." (8). وحتى بعد أن جاء الإسلام حافظ على الكثير من تلك العادات والتقاليد والطقوس التي كانت سائدة عند العرب قديما أثناء حجهم إلى مكة. (9)

ولعل ما أكسب "كعبة" مكة شهرتها، هو بالإضافة إلى تاريخ قداستها، هو وجودها أيضا بمكة التي كانت آنذاك بمثابة "منطقة حرة" للتجارة. فالمعروف أن مكة لم تخضع لأي من ممالك ذلك الزمان، وهو ما جعلها فضاء مفتوحا لجميع القوافل التي كانت تعبر المنطقة.(10) ولم يكن الحج قديما كله عبادات وطقوس، وإنما كان أيضا فرصة للتجارة وفضاء ثقافيا مفتوحا يتبارى فيه الشعراء، بل وكان يعد واحدا من أهم الملتقيات الثقافية في ذلك الزمان يقصده الشعراء لإلقاء قصائدهم، و قد خلف لنا التراث العربي قصائد تسمى "المعلقات" كانت تعتبر من أحسن ما شعرته العرب، وسميت كذلك لأنه كان يعتقد أنها كانت معلقة على ستائر الكعبة، رغم تشكيك الكثير من كتب التراث والباحثين في ذلك (11).

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.